د. أشرف الدبش.. أثر الخوارزميات على التماسك الاجتماعي ووعي الشباب

شهدت العقود الأخيرة تحولا جذريا في طبيعة التواصل البشري، وكان عموده الفقري صعود منصات التواصل الاجتماعي هذه المنصات، التي يمثل الشباب الشريحة الأكبر والأكثر نشاطًا فيها، لا تعمل بالحظ أو الترتيب الزمني البسيط، بل تحكمها خوارزميات معقدة ومصممة بدقة ،إن مدى وعي الشباب بهذه الآليات الخفية أصبح قضية محورية، لا تقتصر آثارها على الاستهلاك الفردي للمحتوى، بل تمتد لتشكل تهديدا مباشرا على نسيج التماسك المجتمعي ،لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات للتواصل إلى بيئات حية تصنع الوعي، وتعيد تشكيل الهوية، وتؤثر بعمق في القيم والسلوكيات ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لدراسة العلاقة بين الخوارزميات الرقمية ووعي الشباب، وفهم أثرها على الهوية الجماعية والتماسك الاجتماعي، خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تشهدها المجتمعات

كيف تعمل الخوارزميات؟

الخوارزميات ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي برامج ذكية تراقب سلوك المستخدمين وتفضيلاتهم ونقراتهم، لتعرض عليهم محتوى يتوقع أن يثير انتباههم ويضمن بقاءهم أطول فترة ممكنة على المنصة وهكذا ….، لا يرى الفرد العالم كما هو، بل كما تختاره له الخوارزمية ،إن الانتقائية الموجهة التي تفرضها هذه الأنظمة تعزز المحتوى الذي يشبه اهتمامات المستخدم، فمن يهتم بالرياضة سيغرق في أخبارها، ومن ينشغل بالترفيه سيحاط بها، ومن يتابع السياسة سيعيش داخل فضاء سياسي متشعب ،هذه الانتقائية تولد انطباعا خاطئا لدى الشباب بأن ما يرونه يمثل الواقع الكامل أو الأكثر أهمية، بينما هو في الحقيقة نسخة مفلترة وموجهة لخدمة أهداف المنصة التجارية ،وإلى جانب ذلك، تعزز الخوارزميات السلوك الإدماني من خلال الإشعارات وعدادات الإعجاب والمكافآت الصغيرة، التي تحفز مسارات الدوبامين في الدماغ وتزيد من التعلق بالمنصة إلى درجة الاستخدام القهري، بما ينعكس سلبا على التركيز وجودة النوم والتفاعلات الواقعية ،ولا يقتصر الأمر على الترفيه، بل يمتد ليؤثر في القرارات اليومية، من اختيارات بسيطة كالملابس والموسيقى، إلى توجهات أكثر تعقيدا كالمواقف السياسية والمجتمعية.

فقاعات المعلومات وغرف الصدى:

ومن بين أخطر آثار الخوارزميات ما يعرف بفقاعات المعلومات وغرف الصدى. ففي هذه البيئات الرقمية، يعيش الفرد داخل دائرة مغلقة من المحتوى المتشابه الذي يعزز قناعاته المسبقة ويستبعد أي رؤية مغايرة ،هنا تتحول المنصة إلى فقاعة خاصة تحاصر المستخدم داخل عالم ضيق يعيد إنتاج آرائه بصورة متكررة، حتى يظن أنها الحقيقة المطلقة أو رأي الأغلبية ، ويعتبر أول من صاغ مفهوم قريب من هذا المعنى هو الباحث الأمريكي Eli Pariser في كتابه الشهير “The Filter Bubble” (فقاعة التصفية) عام 2011، حيث شرح كيف تعمل خوارزميات محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي (خصوصا فيسبوك وجوجل ) على تخصيص النتائج للمستخدم وفقا لتفضيلاته السابقة، مما يؤدي إلى عزله داخل “فقاعة” من المعلومات المتشابهة ،إلا انه من الجدير بالذكر انه قبل Eli Pariser ، وُجدت إشارات أكاديمية إلى ظاهرة “الانتقاء المعلوماتي” (Selective Exposure) أو “غرف الصدى” (Echo Chambers)، لكن المصطلح “فقاعة المعلومات/التصفية” ارتبط لأول مرة بشكل واضح ومباشر بكتابه سنة 2011 ،وفي غرف الصدى يتضاعف هذا التأثير، حيث تتكرر الآراء المتشابهة باستمرار، مما يعزز التحيز التأكيدي ويقلل من قدرة الفرد على النقد أو الانفتاح على التنوع الفكري والنتيجة هي تضييق الأفق وزيادة الاستقطاب، وتراجع القدرة على تقبل وجهات النظر المخالفة وإلى جانب ذلك، تعطي الخوارزميات أولوية للمحتوى المثير والمستفز الذي يحفز التفاعل، حتى لو كان مضللا أو زائفا، وهو ما يقوض المعرفة المشتركة في المجتمع ويضعف من إمكانية النقاش القائم على الحقائق كما أن عزل الأفراد عن تجارب وتحديات المجموعات الأخرى يقلل من قدرتهم على التعاطف، ويعمق الانقسام داخل المجتمع.

التأثير على التماسك الاجتماعي:

إن هذه الممارسات لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية برمتها فالخوارزميات تُحدث تأثيرا سلبيا عميقا على التماسك الاجتماعي من خلال تفكيك الإجماع وتعميق الاستقطاب وتقويض الثقة بين أفراد المجتمع فهي لا تكتفي بعرض محتوى مختلف للمجموعات المتباينة، بل تدفع كل مجموعة لرؤية أسوأ ما لدى الطرف الآخر، مما يحول الخلاف في الرأي إلى عداوة مباشرة وهكذا، تتفتت الهوية الجماعية، ويبدأ الشباب في تشكيل انتماءاتهم حول مجموعات متناحرة على الإنترنت، بينما يضعف الشعور بالهوية الوطنية أو المجتمعية الجامعة ومع تعاظم هذا الانقسام، يتقوض الواقع المشترك، حيث يتلقى كل فرد “حقائق” مختلفة تماما عن الآخر، مما يصعب إمكانية الاتفاق على أولويات وطنية أو مجتمعية بل والتشكيك في الثوابت الوطنية وفقد الثقة في المؤسسات الوطنية ،والأسوأ أن الخوارزميات يمكن أن تقود الشباب تدريجيا إلى مسارات أكثر تطرفًا، عبر تقديم محتوى متزايد الحدة كلما أبدوا اهتماما بقضية مثيرة للجدل، وهو ما يجعلهم عرضة للأيديولوجيات المتشددة ،وإلى جانب ذلك، يضعف التواصل الواقعي وجها لوجه، لتتراجع قيمة العلاقات الأسرية والمجتمعية أمام عالم المتابعات والتفاعلات الرقمية.

الاستخدام السياسي والحرب الرقمية:

ولم تعد هذه الظواهر مجرد آثار جانبية للتكنولوجيا، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية يستفاد منها في المجالات السياسة والحرب الرقمية لقد باتت فقاعات المعلومات وسيلة فعالة لاستهداف الناخبين وتعميق الانقسام داخل المجتمعات إذ تستخدم بيانات المستخدمين بدقة فائقة لإرسال رسائل سياسية مصممة خصيصا للتأثير على سلوكهم وتوجهاتهم، وهو ما ظهر جليا في بعض الحملات الانتخابية العالمية مثل قضية “كامبريدج أناليتيكا”. كما يتم استغلال الخوارزميات في الحرب الإعلامية، حيث تضخ روايات مضللة عبر حسابات وهمية وبوتات رقمية تهدف إلى تشويه صورة الخصوم وزعزعة الثقة في المؤسسات وتستخدم الفقاعات كذلك كأداة عسكرية إدراكية، إذ لا يسعى المستفيد منها إلى إقناع الجميع برسالة موحدة، بل إلى تدمير أرضية الواقع المشترك وإضعاف الثقة المتبادلة بين الأفراد، وهو ما يجعل أي مجتمع عرضة للفوضى الداخلية وفقدان القدرة على اتخاذ قرارات جماعية لم يعد الاستخدام السياسي للخوارزميات أمرا نظريا أو حكرا على أروقة البحوث الأكاديمية، بل أصبح واقعا ملموسا يوجه سلوك الناخبين ويعيد تشكيل الرأي العام على نطاق واسع فالخوارزميات التي تتحكم في ما يظهر على شاشاتنا يوميا لم تعد مجرد آليات تقنية لتسهيل الوصول إلى المحتوى، بل تحولت إلى أدوات سياسية ذات تأثير هائل، خاصة حين تستغل البيانات الشخصية للمستخدمين لتوجيه رسائل مصممة بعناية تستهدف نقاط ضعفهم العاطفية والفكرية هذا الاستغلال لا يضعف فقط المناقشة العامة العقلانية، بل يفتح الباب أمام تفكك التماسك الاجتماعي وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات وتُعد فضيحة كامبريدج أناليتيكا إحدى أبرز المحطات التي كشفت كيف يمكن استغلال البيانات الشخصية في التوجيه السياسي ،فقد جُمعت بيانات عشرات الملايين من مستخدمي فيسبوك دون علمهم، ثم استخدمت لبناء ملفات نفسية دقيقة مكنت من استهداف الناخبين بإعلانات سياسية مخصصة للغاية ،هذا الأسلوب طُبق في عدة حملات، أبرزها الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، حيث جرى إرسال محتوى مختلف لمجموعات مختلفة بحسب سماتهم النفسية فالمتوجسون من الأمن تلقوا رسائل عن الإرهاب والهجرة، بينما تلقى الساخطون على النخب السياسية مواد تشعل غضبهم تجاه المؤسسات. النتيجة كانت تضخيم التحيز التأكيدي وزيادة احتمالية التصويت وفق ما يخدم الحملة، بعيدًا عن النقاش العام المتوازن.

وفي الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، استخدمت البيانات الضخمة لاستهداف الناخبين المترددين عبر إعلانات مكثفة ركزت على قضايا مثيرة للجدل مثل السيادة الوطنية والهجرة ،هذا التوجيه ساعد في حشد الأصوات المؤيدة للخروج في اللحظات الحاسمة، وأسهم في تعميق الانقسام المجتمعي بين المؤيدين والمعارضين، وهو انقسام ما زالت آثاره ممتدة حتى اليوم.

الحرب الرقمية والتضليل الأجنبي:

لا يقتصر الأمر على الحملات الانتخابية الداخلية، بل تعدى ذلك إلى ما يعرف بـ الحرب الرقمية أو الحرب الإدراكية. فقد ذكرت تقارير أمريكية أن جهات خارجية، مثل مزارع الترويج الروسية (Russian Troll Farms)، أنشأت آلاف الحسابات الوهمية على منصات التواصل، هدفها لم يكن دعم مرشح محدد بقدر ما كان إثارة الخلافات الداخلية عبر محتوى يضخم الانقسامات العرقية والسياسية ،مثل هذه الحملات لا تكتفي بالتأثير على اختيارات الناخبين، بل تسعى إلى تدمير الواقع المشترك وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسساتهم، وهو ما يمثل أخطر أشكال الاستغلال السياسي للخوارزميات

 من أداة محايدة إلى محرك استقطاب:

ما تكشفه هذه النماذج أن الخوارزميات لم تعد محايدة. فهي تميل تلقائيا إلى تفضيل المحتوى المثير للانفعال لأنه يجذب تفاعلاً أكبر، وهو ما يحوله إلى مادة قابلة للاستغلال السياسي. ويمكن تلخيص آليات الخطر في ثلاث نقاط رئيسية:

التخصيص الفائق : توجيه الرسائل السياسية بما يتناسب مع الميول الفردية لكل مستخدم، مما يقلل من فرص التفاعل مع خطاب عام جامع.

تضخيم الاستقطاب: إعطاء الأولوية للمحتوى الجدلي والعاطفي، وهو ما يؤدي إلى دفع المجموعات نحو مزيد من التطرف والانغلاق.

تآكل الثقة: سرعة انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة يقوض ثقة الجمهور في الإعلام الرسمي والمؤسسات الوطنية، ويضعف التماسك الاجتماعي على المدى الطويل.

نحو وعي خوارزمي:

إن مواجهة هذه التحديات تتطلب بناء ما يمكن أن نسميه “الوعي الخوارزمي”. فالشباب بحاجة إلى إدراك أن المحتوى الذي يرونه ليس محايدا، بل انتقائي وموجه، وأن عليهم التنويع المتعمد في مصادر المعلومات والبحث الدائم عن وجهات النظر المختلفة وعلى المستوى المجتمعي، يصبح من الضروري إدماج مهارات التفكير النقدي الرقمي في التعليم، وتشجيع الحوار الواقعي والتنوع الثقافي أما على المستوى السياسي والتشريعي، فلا بد من فرض قدر من الشفافية على عمل الخوارزميات، وسن قوانين تحمي الوعي العام من الاستغلال التجاري أو السياسي.

وأخيرا الخوارزميات ليست مجرد تقنية صامتة تدير تدفق المعلومات، بل قوة خفية تعيد تشكيل العقول والعلاقات ،وإذا لم يتعامل معها بوعي ونقد وتدخل تشريعي يحجم توغلها ، فإنها ستظل تهدد التماسك الاجتماعي، وتضعف القدرة على مواجهة التحديات المشتركة، لتصبح المجتمعات أكثر عرضة للاستقطاب والفوضى تحت ضغط المصالح التجارية والحروب الرقمي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى