هل تنجح الوساطة العراقية في الأزمة اليمنية؟

أعلن وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، خلال استقباله نظيره اليمنى أحمد عوض بن مبارك،  في أواخر يوليو 2023- عن استعداد العراق الكامل للوساطة في الأزمة في اليمن، وتعد زيارة وزير الخارجية اليمني إلي العراق، الأولي من نوعها لمسئول يمني منذ عام 2014، وخلال هذه الزيارة وقع الطرفين علي اتفاق من أجل التشاور السياسي، الذي من المتوقع أن يشكل خطوة جديدة في ملف الأزمة اليمنية.

يذكر أن لعبت بغداد، لعبت دورًا واضحًا علي الصعيدين الإقليمي والعالمي في قضايا وملفات هامة، لا تقل أهمية عن الأزمة اليمنية، فهي سعت إلى القيام بدور مؤثر في تسوية الصراعات البارزة بالمنطقة، وعلي رأسها الصراع السعودي- الإيراني، حيث استقبلت بغداد، منذ عام 2021 محادثات سعودية – إيرانية، أفضت إلى خفض حدة التوتر بين الرياض وطهران، بل مهدت الطريق لبكين لاستعادة العلاقات بين البلدين في مارس 2023، ولعل هذه مصالحة التي تمت أثارت في النفوس الأمل من أجل التوصل إلي اتفاق سلام لحل الأزمة في اليمن، التي تعد من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

تأسيسا على ما سبق، يطرح هذا التحليل عدة تساؤلات، هي: ما الدافع وراء السعي العراقي من أجل التوسط لحل الأزمة؟ وما مدى قدرة بغداد على لعب دور فاعل ومؤثر؟ وما العراقيل المحتملة، وفرص النجاح الممكنة؟

دوافع عراقية:

وفقا للخبراء والمتابعين، يعتبر الدافع الرئيسي وراء انتهاج العراق لسياسة الوساطة في القضايا الإقليمية الهامة، هو تعزيز الحضور العراقي علي الساحة السياسية عربيًا وإقليميًا مرة أخري- إعادة تموقعها-.

لقد قدمت بغداد بدور الوسيط في واحد من أبرز الملفات الشائكة في المنطقة، حيث لاقى دور بغداد في “الصراع السعودي – الإيراني” استحسانا من قبل جميع الأطراف، حيث استضافت العراق مباحثات بين الجانبين علي مستوي عال من التمثيل. وعليه، عرضت بغداد التوسط في ملف الأزمة اليمنية، حيث تريد البناء على ما تحقق من وساطتها بين الرياض وطهران، كونها صاحبة دور أساسي في مسار تطبيع العلاقات بين قوتين محوريتين في الإقليم، قبل أن تدخل بكين علي الخط وترعي المصالحة بينهما علي أرضها.

وعلي صعيد آخر، وفي إطار الدعم العراقي المقدم لصنعاء، نجد أن وضع السيولة المالية في العراق ضعيف، وهذا الضعف في السيولة بسبب العقوبات الأمريكية المستمرة والتي طالت ما يقرب من 14 مصرفا عراقيا، ما شكل ضغطا على السلطات الحكومية العراقية للتخلص من الملفات العالقة التي استنزفت ميزانية العراق، كدعم صنعاء. لذا عرضت بغداد لعب دور الوسيط من أجل إنهاء تلك الأزمة.

بالإضافة إلي ذلك، هنالك رغبة عراقية لمساندة اليمن حتى يتمكن من العودة إلى الاستقرار من خلال التوصل إلي حل سياسي للصراع القائم والذي تسبب في كارثة إنسانية واقتصادية تعد الأسوأ من نوعها علي الإطلاق. كما أن استقرار اليمن يؤدي بطبيعة الحال إلي استقرار المنطقة، وهو الشعار الذي ترفعه غالبية الدول وتسعي جاهدة لتحقيقه.

ويشهد اليمن، صراعا داميا استمر قرابة تسعة أعوام، بين القوات الموالية للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا والمدعومة بتحالف عسكري عربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وبين جماعة “أنصار الله” الحوثية المدعومة من قبل إيران، انعكست تداعيات هذا الصراع على شتي نواحي الحياة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأمنيا، وعلي الصعيدين، الداخل اليمني ودول الجوار في الإقليم، إذ تسبب ذلك الصراع في كارثة إنسانية تصفها الأمم المتحدة بالأسوأ على مستوى العالم في السنوات القليلة الماضية.

حتى عام 2022 أودت الحرب في اليمن بحياة ما يقرب من 400 ألف نسمة، وتكبد الاقتصاد اليمني خسائر تقدر بـ 126 مليار دولار، بالإضافة إلي انهيار تام في البنية التحتية، وفق الأمم المتحدة، وبات معظم سكان البلاد البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة يعتمدون على المساعدات التي تقدم لهم، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم. كما أخفقت الوساطة الدولية، كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في التوصل إلي حل ينهي تلك الأزمة ويرضي جميع الأطراف. ومن هنا أتي عرض العراق واتجاه للعب دور الوسيط في الملف اليمني رغم تعقيد المشهد.

لماذا العراق؟:

لا شك أن القرب العراقي من أطراف الصراع في اليمن، يمكن اعتباره سبيلا للتدخل في الأزمة اليمنية من أجل التوصل إلي حل لإنهائها، لذا فإن الدور الذي ستلعبه بغداد كوسيط، من المحتمل أن يكون دورا مقبولا من قبل أطراف الأزمة، مما يعني امتلاك العراق القدرة والإمكانية للتأثير علي الجهات المتصارعة، فهو يمتلك علاقات جيدة مع جميع الأطراف، التي يمكن تسخيرها في دعم عملية السلام وإنهاء حالة الصراع في اليمن. كما أنه بمجرد الحديث عن تدخل الجانب العراقي أو تدخل أي وسيط آخر في هذا الملف، يعني أن التوصل إلي الهدنة أو استمراريتها سوف يكون شرطا أساسيا للشروع بأية مفاوضات ومباحثات من أجل إنهاء حالة الصراع والعمل على تخفيف حدة الأزمة. ويعد نجاح العراق في استضافة المباحثات السعودية الإيرانية مدخلا هاما لعودة الاعتبارات الإقليمية والدولية لبغداد ومكانتها وتأثيرها الفعال داخل المنطقة. مما يعزز موقفها في عرضها التوسط في الأزمة اليمنية.

فرص النجاح:

تسعي بغداد إلي دفع التسوية السياسية نحو إنجاز اتفاق شامل ينهي الحرب في اليمن، بدلا من حالة الجمود التي تعتلي المشهد اليمني، حيث من المتوقع أن تلعب بغداد دورا هاما في الضغط على الحوثيين من أجل الوصول إلى حلول مع المملكة العربية السعودية. بالإضافة إلي ذلك فإن السلطات الحكومية العراقية تمتلك تأثيرا في العديد من ملفات المنطقة بسبب قربها من إيران، وبالتالي فهي لديها القدرة على تقريب وجهات النظر بين طهران وأذرعها المسلحة في المنطقة العربية، مثل اليمن وسوريا ولبنان من جهة، والدول المناهضة للنفوذ والمد الإيراني من جهة أخري، لذا قد تتميز الوساطة العراقية عن غيرها بأنها الأفضل والأكثر قبولا وفعالية نظرا لطبيعة العلاقات التي تربطها بأطراف الأزمة في اليمن وقدرتها علي إمكانية التأثير فيها.

مع ذلك، يجب ألا نغفل أن الوساطة العراقية ستظل تفتقر إلى دور الضامن لتنفيذ الاتفاقات الناتجة عنها. فعلي سبيل المثال كانت بغداد بالنسبة للسعودية إيران مقرا للتفاوض لا أكثر، لكن عند الوصول إلى الاتفاق، كانت الصين هي الضامن والراعي لذلك الاتفاق والتأكيد علي عدم خرقه. وفيما يتعلق بأزمة اليمن، فلا يستبعد أن تحتضن العراق جلسات تفاوض بين ميليشا الحوثي والرياض على غرار الدور الذي تلعبه سلطنة عمان أيضا، لكن الوساطة العراقية ستحتاج في النهاية إلى ضامن لتنفيذ أي اتفاقات ستنتج عن اللقاءات المحتملة للمباحثات التي يمكن أن تشهدها الساحة العراقية علي المدى القريب.

عوائق محيطة:

ثمة عوائق محيطة بالمفاوضات حول الأزمة اليمنية، أبرزها هي الممانعة التي يبديها دائما الحوثيون وطبيعة الشروط التي يقدمونها والأسس التي يرتكزون عليها في أي عملية جلوس على طاولة المفاوضات، مما يعرقل عملية السلام ويزيد المشهد اليمني تعقيدا. لذا من المحتمل أن يرتكز الدور الذي ستلعبه العراق كوسيط إقليمي ذو ثقل، عبر العديد من الأبواب الرئيسية، منها وزارة الخارجية وطبيعة العلاقة مع الحكومة الشرعية اليمنية، والتي أدت إلى توقيع صيغة تفاهم بعد زيارة وزير الخارجية اليمني لبغداد أواخر يوليو الماضي 2023. بالإضافة إلي أن هنالك أطرافا سياسية عراقية وفصائل مسلحة ترتبط بعلاقات جيدة مع الحوثيين الذين سبق وأن زار وفدا منهم بغداد للمشاركة في إحدى الاحتفالات، والتي قد تساهم في مساندة الحكومة العراقية في سعيها لدعم عملية السلام من أجل احتواء الأزمة اليمنية وعدم تعنت جماعة الحوثي مجددا وإيجاد الحلول المناسبة لجميع الأطراف.

ختاما، لا شك أن العراق سيسعي جاهدا لإنجاح تلك المفاوضات لاسيما بعد دوره البارز في ملفات إقليمية شائكة أخري، بالإضافة إلي سعي دول المنطقة بأكملها حاليا إلي تحقيق التهدئة والاستقرار والأمن، والاتجاه نحو سياسة تصفير المشكلات بين دول الجوار تحديدا والبعد عن العزف علي الصراعات والحروب التي لا طائل منها سوي الخراب والدمار وظهور الميليشيات، لذا فإن الأطراف المتصارعة في اليمن لا تملك خيارا آخر غير القبول بتلك الوساطة والجلوس علي طاولة المفاوضات دون تعنت من أجل إيجاد حلول لإنهاء الأزمة.

سارة أمين

سارة أمين- باحث أول بالمركز في شئون الشرق الأوسط والأمن الإقليمي، ورئيس برنامج دراسات الخليج العربي. الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية. وهي كاتبة في العديد من مراكز الفكر والدراسات العربية، ومتعاونة مع المؤسسات الدولية الحقوقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى