عندما تكون مجاوراً لروسيا وإيران

الياس حرفوش

 ليس هناك أصعب من الجيران المقلقين. إذا كانوا قرب بيتك ليس أمامك خيار سوى المغادرة بأي ثمن والانتقال إلى مقر سكن آخر. ولكن ماذا تفعل إذا كنت مقيماً بجوار دولة معتدية، ولا يمكنك نقل بلادك إلى مكان آخر. إذا كنت مقيماً مثلاً في الشرق الأوروبي، وإلى جانبك دول مثل روسيا وبيلاروسيا، وقادة مثل بوتين ولوكاشينكو، مهووسون بتصدير العقائد والثورات وأوهام العظمة القديمة. أو إذا كنت مقيماً في الشرق الأوسط، وإلى جانبك دولة مثل إيران، تنشر صواريخها أو صواريخ «أذرعها» ومقاتليها في أرجاء المنطقة، وتفاخر بالسعي إلى تصدير «ثورتها» إلى مختلف أنحاء الإقليم. كيف ستخطط لمستقبل بلادك بأمان؟ كيف ستحول قدراتك الاقتصادية والعلمية باتجاه إنفاقها على تحسين ظروف شعبك بدل إنفاقها على تحسين قدراتك على مواجهة الخطر اليومي الذي يهددك عبر الحدود؟

في الظاهر تبدو المقارنات بعيدة وغير واقعية بين المشروع الروسي في أوكرانيا والقرم ودونباس، والمشروع الإيراني في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. وفي الظاهر أيضاً يمكن القول إن من المبالغة أن نجد أوجه شبه بين ما تسعى إليه الدول الغربية في وساطاتها للحد من العضلات المشدودة لفلاديمير بوتين، وبين ما تسعى إليه هذه الدول نفسها للحد من الأحلام النووية لخامنئي وجماعته، من خلال المفاوضات التي تجريها معهم في فيينا.

ولكن نظرة واقعية إلى هذه المقارنات لا بد أن توصلنا إلى نتيجة وحيدة، وهي أن الغرب يواجه الصعوبات نفسها مع بوتين كما مع قادة إيران. الدول الغربية تسعى إلى تجنب المواجهات والدفع باتجاه المفاوضات، بينما خصومها في المعسكرين (الروسي والإيراني) يعتبرون مساعي التفاوض معهم دليلاً على ضعف القوى الغربية، ويبنون على ذلك أوهام الانتصار.

بوتين يتابع الوفود الغربية القادمة إلى موسكو لاستجداء عطفه على الأوكرانيين، والسعي معه للتلطف بعدم الإقدام على غزو أراضيهم، والاكتفاء بالحصة التي اقتطعها منها في غزوته السابقة. وإبراهيم رئيسي وعبد اللهيان يتابعان مساعي جو بايدن وبلينكن وروبرت مالي للتوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين بهدف إقناعهم بالحد من نشاطهم النووي، وهو النشاط الذي قال عنه مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي إنه بلغ نقطة بالغة الخطورة، ووصفه بهذه الكلمات: إيران هي البلد الوحيد في العالم الذي يقول إنه لا يملك أسلحة نووية ولا يريد امتلاكها، لكنه في الوقت ذاته يخصب اليورانيوم إلى هذه الدرجة!

يدرك بوتين أن بايدن ليس مستعداً لإرسال قواته للدفاع عن أوكرانيا، بحجة أنها ليست عضواً في حلف الأطلسي، ويدرك أن ماكرون أعجز من أن يقدم على أي خطوة عسكرية مفيدة، فيما هو غارق في همومه الاقتصادية واستعداداته الانتخابية، ويدرك أن بوريس جونسون يخرج من تهمة ليغرق في أخرى، فيما المستشار الألماني قلق على إمدادات الغاز التي سيؤدي توقفها إلى ارتفاع معدلات البرودة والصقيع في قرى جبال الألب و«الغابة السوداء». باختصار، أوكرانيا قد تكون هماً لدى مديري الأخبار في محطات التلفزة، لأن نقل صور الاستعدادات العسكرية يغري برفع نسب المشاهدة، وقد تكون فرصة للسياسيين تمنحهم فرصة الظهور بمظهر القادة، لكنها ليست هماً لدى المواطن الأوروبي العادي، الذي بالكاد يعرف موقع أوكرانيا على الخريطة.

أما في شأن المفاوضات الجارية مع إيران، فقادة طهران يدركون أيضاً أن إدارة بايدن وضعت في قمة برنامجها في المنطقة العودة إلى الاتفاق النووي، من دون أي خيار آخر. لذلك نجد أن الإيرانيين هم الذين يضعون الشروط، لأنهم يدركون إلحاح إدارة بايدن على التوصل إلى اتفاق، ومن بين شروطهم الأخيرة أن تضمن واشنطن التزام أي إدارة مقبلة بالاتفاق وعدم فرض عقوبات مجدداً على إيران، كما فعلت إدارة ترمب. (وهو شرط لا تستطيع أي إدارة إلزام من يخلفها بتطبيقه). ويعترف الأميركيون أن المفاوضات وصلت إلى نقطة حاسمة، وأن عدم التوصل إلى اتفاق قبل نهاية فبراير (شباط) الحالي لوقف تقدم البرنامج النووي الإيراني، سيجعل هذا الاتفاق من دون قيمة بعد ذلك. ولا يخفي كبير المفاوضين الأميركيين روبرت مالي أن التوصل إلى اتفاق مع إيران هو «في مصلحة واشنطن»، من دون أن يوضح أين مصلحة واشنطن وحلفائها في المنطقة في إبقاء قدرات إيران على ما وصلت إليه، منذ استأنفت تخصيب اليورانيوم قبل ثلاث سنوات وبلغت نسبة التخصيب 60 في المائة، وهي النسبة الضرورية بحسب الخبراء لإنتاج قنبلة نووية. كما لا يتطرق الاتفاق الموعود إلى تطوير الصواريخ الإيرانية وتهديدها لجيرانها، وهي التي أعلنت حتى في هذه المرحلة من المفاوضات عن تطوير صاروخ أرض – أرض يصل مداه إلى 1450 كلم.

في وضع كهذا ومع جيران كهؤلاء لا يبقى أمام الدول المجاورة سوى الاعتماد على نفسها وعلى قدراتها. الأوكرانيون أدركوا ذلك وأخذوا يطورون قوة جيشهم بعد عام 2014، عندما نجحت القوات الروسية في ضم شبه جزيرة القرم وغزو الأجزاء الشرقية من أوكرانيا بواسطة عملائها هناك. ودول الإقليم المجاور لإيران لا تجد خياراً سوى الاستعداد لمواجهة الاعتداءات الإيرانية، مؤكدة في الوقت ذاته رغبتها في قيام علاقات مبنية على حسن الجوار واحترام الحدود، إذا أوقفت إيران تدخلاتها، وأبدت الرغبة ذاتها في حسن الجوار.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى