تحليل من منظور المصالح الوطنية.. كيف شاركت الصين في مسار الملف النووي الإيراني؟

أصبحت العلاقة بين الصين وإيران مؤخرًا قضية ساخنة تثير قلق المجتمع الدولي. فقد تأسست العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين البلدين في عام ١٩٧١، وحافظت الصين وإيران على تبادلات ودية في ظل العقوبات الدولية التي فرضت على ايران خلال فترة السبعينات والثمانينات. وبعد التسعينيات، تطورت العلاقات بين البلدين بشكل كبير بالتزامن مع التطور السريع للاقتصاد الصيني وزيادة الطلب على مصادر الطاقة.

لقد طرح الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد استراتيجية دبلوماسية “التوجه شرقا” لمواجهة الضغوط الدولي والإقليمي المتزايدة. فبعد دخول القرن الحادي والعشرين، اقترحت الصين مبادرة “الحزام والطريق”، وكانت إيران إحدى دول التعاون الرئيسية للمبادرة، حيث ضخت بكين استثمارات كبيرة في إيران في المصارف والاتصالات والموانئ والسكك الحديد والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات.

وفي عام 2016، اتفقت الدولتان على الارتقاء بعلاقاتهما الثنائية إلى “شراكة استراتيجية شاملة”. وفي يوليو 2020، بلغ حجم الواردات والصادرات الثنائية للسلع بين الصين وإيران 127.639 مليون دولار أمريكي، حيث بلغت القيمة الإجمالية لصادرات الصين إلى إيران 87.612 مليون دولار أمريكي، ووصلت القيمة الإجمالية لواردات الصين من إيران 403.513 مليون دولار أمريكي. وفي ٢٧ مارس ٢٠٢١، وقع الجانبان على “خطة التعاون الشامل”لمدة خمسة وعشرون عامًا والتي تشمل المجالات الاقتصادية والصناعية والسياسية والدفاعية دون ذكر تفاصيل من الجانبين بشأن مسودة الخطة.

تأسيسا عل ى ما سبق، وفي ظل التقارب الاقتصادي الواضح بين إيران وبكين وحرص الصين على وضح إيران في كل حساباتها الاقتصادية- يبقى السؤال، وهو: ما هي المصالح الوطنية التي دفعت الصين للمشاركة النشطة في الملف النووي الإيراني، وما هو حجم التحديات ومستقبل العلاقات بين البلدين؟.

دوافع الصين للمشاركة في الملف النووي الإيراني:

تعتبر روسيا هي الدولة الوحيدة التي لها تعاون مدني في مجال التكنولوجيا النووية مع ايران، وهناك شراكة اقتصادية وتجارية وسياسية بين البلدين، وبسبب تفاوت القوة بينها فإن هذه الشراكة غير المتكافئة تجعل موسكو مجالا واسعا للمناورة في التعامل مع القضية النووية الإيرانية. وبالنسبة للصين، تعتبر منطقة الشرق الأوسط سوقا كبيرا ومصدرا مهمًا لواردات الطاقة لبكين، وإيران على وجه الخصوص أكبر شريك تجاري لها. هناك مصالح وطنية دفعت بكين للمشاركة النشطة في إدارة الملف النووي الإيراني، وتشمل مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية وأيديولوجية. وتطلق بكين على مشاركتها في الملف النووي الإيراني ب “دبلوماسية المساعي الحميدة“، وسعت خلالها إلى استخدام آليات متعددة الأطراف مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وآلية التنسيق بقيادة الأمم المتحدة، وآلية P5 + 1. وآليات ثنائية مثل آلية الحوار الاستراتيجي والاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة، والتعاون الصيني الروسي في منظمة شنغهاي للتعاون، وآلية قمة قادة البريكس، بالإضافة إلى استثمار مواردها الدبلوماسية مثل إرسال مبعوثين خاصين للمشاركة في مفاوضات الملف النووي الإيراني، والعلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران في الضغط عليها للعودة إلى طاولة المفاوضات.

(*) المصالح الاقتصادية:

تعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة حيوية لبناء “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير”، وضمان أمن إمدادات الطاقة، وتوسيع الأسواق الخارجية وزيادة الاستثمار الأجنبي لبكين. وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، وفقًا لإحصاءات الإدارة العامة للجمارك الصينية، حيث استوردت الصين 26.6 مليون طن من النفط من إيران في عام ٢٠١٥. وتتضمن دوافع مشاركة الصين في إدارة الملف النووي الإيراني كما يلي: أولاً، ضمان التعاون في مجال الطاقة؛ ثانيًا: ضمان مرور شحنات النفط عبر مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران؛ ثالثًا: استخدم الملف النووي الإيراني للسعي للحصول على أسعار تفضيليةفي مفاوضات أسعار النفط الصينية الإيرانية.

(*) المصالح السياسية: أصبح بناء هوية دولة مسئولة كبرى أحد الاعتبارات المهمة لدبلوماسية الصين في العصر الجديد. ويشمل مسار بناء هذه الهوية، زيادة قوة الخطاب الدولي، والاستفادة الكاملة من وسائل الاتصال لتعزيز القوة الناعمة والقوة الشاملة لبكين، والمشاركة النشطة في حوكمة القضايا الدولية الساخنة.

(*) المصالح الاستراتيجية: وهنا نشير إلى أن مشاركة الصين في مفاوضات الملف النووي الإيراني لها ثلاثة دوافع رئيسية: أولاً، تقيد القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، من احتكار الهيمنة على شؤون الشرق الأوسط من خلال قضايا عدم الانتشار النووي، وتعزيز التعددية في العلاقات الدولية وبناء علاقات أكثر توازناً. لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط مكانًا للقوى العظمى لتعزيز نفوذها الدولي من خلال الانخراط في القضايا الساخنة. وباعتبارها لاعب جديد في منطقة الشرق الأوسط، تولي الصين أهمية كبيرة لاستغلال كل الفرص لتحسين قدرتها على حل الأزمات الإقليمية وفقا لمصالحها الوطنية ودرجتها وتوسيع نفوذها الدولي، الأمر الذي أرسى أساسًا جيدًا لحماية مصالح بكين الشاملة في الشرق الأوسط. كما تعد أيضاً القضية النووية الإيرانية “مكونًا” مهمًا للتعاون الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة والصين وروسيا والتعاون الاستراتيجي بين الصين والاتحاد الأوروبي. ثانيا، موازنة العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران، فالدبلوماسية الصينية لا تطبق مبدأ التحالف،و تحاول دائما الحفاظ على “صفر مشاكل” مع جميع الأطراف، واتباع استراتيجية متوازنة تخدم مصالحها مع جميع الاطراف. فمن ناحية، تلتزم ببناء نوع جديد من علاقة القوى الكبرى بين الصين والولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى، تحافظ على العلاقات مع إيران. ثالثا، حماية المصالح الأمنية للصين في الشرق الأوسط. وهنا نشير إلى أن الحكومة الصينية أكدت معارضتها لتطوير أسلحة نووية من قبل أي دولة في منطقة الشرق الأوسط لأنه قد يؤدي إلى حرب نووية تهدد استقرار الصين، خاصة وأنها تمر حاليًا بمرحلة تطور اقتصادي سريع وتحتاج إلى بيئة دولية آمنة ومستقرة. لكن رغم ما سبق، فإن الصين في الوقت نفسه تؤكد أن لإيران الحق في امتلاك التكنولوجيا النووية، ويجب احترام سيادة ووحدة أراضيها؛ فهي تعارض الاحتواء العسكري المتكرر للغرب والتهديدات لإيران. بينما يؤكد بعض الباحثين الغربيين أن الصين زودت إيران بصواريخ كروز مضادة للسفن عام ٢٠١٢، وصواريخ مضادة للطائرات عام ٢٠١٣، ولديها مصالح عسكرية مهمة في إيران، والتي تشكل جزءًا من مصالحها الاستراتيجية.

(*)المصالح الأيديولوجية: تأتى مشاركة الصين في آلية محادثات الملف النووي الإيراني مدفوعة بأيدولوجيات الحكم ذات الخصائص الصينية الاشتراكية. فمن المنظور الأيديولوجي لمبدأ حماية السيادة الوطنية، تعتقد الحكومة الصينية أن لإيران الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وتطويرها على أساس الالتزام بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وترى أن تطوير التكنولوجيا النووية المدنية، هو أمر يدخل في نطاق سيادة أي بلد، ولا علاقة له بالدول الأخرى، ويجب على الدول الأخرى ألا تتدخل. وترى الصين أيضا بأنه بعد الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، كانت الولايات المتحدة وإيران تفتقران دائمًا إلى الثقة السياسية المتبادلة، والولايات المتحدة تؤكد دائمًا بأن إيران تستخدم تطوير التكنولوجيا النووية المدنية كذريعة لتطوير أسلحة نووية.

التحديات ومستقبل العلاقات بين البلدين:

بعد توقيع “خطة التعاون الشامل” بين البلدين، انتقدت بعض الأوساط الأكاديمية الإيرانية والصينية انتقادات هذا التعاون. وعلى الرغم من أن بعض الأكاديميون الصينيون مثل سون دانغ وليو تشونغ وغيرهم يعتقدون بأنهذه الخطة ستجلب على الأرجح تطورات جديدة لدبلوماسية الصين في الشرق الأوسط وتعزيز التنمية المشتركة لكلا الجانبين بالنسبة لإيران، فإنه من المرجح أن يجلب توقيع هذه الخطة أيضا مكاسب دبلوماسية.

ففي الوقت الحاضر، هناك أصوات كثيرة في الولايات المتحدة تنتقد سياستها التي دفعت إيران إلى هذا التعاون الذي يعزز نفوذ الصين في الشرق الأوسط من منطلق اعتبارات المنافسة بين القوى الكبرى، الأمر الذي قد يساهم في تخفف إدارة بايدن سياستها تجاه إيران. على سبيل المثال، صرحت الولايات المتحدة الأمريكية في فبراير ٢٠٢١، أنها تأمل أن تسمح المصالح المشتركة مع روسيا والصين في دفع الملف النووي الإيراني. الواضح أن العلاقات الدولية في الشرق الأوسط معقدة للغاية والانخراط فيها قد يهدد المصالح الوطنية للصين اللاعب الجديد في المنطقة، وترى بعض الأوساط الإيرانية المعارضة أيضا أن الصين تستغل الموارد الطبيعية لإيران مقابل دعمها دوليا في الملف النووي، ولا تثق في استراتيجية ” التوجه شرقا”، وترى أن الاتجاه يجب أن يكون غربا ولا تثق في القيادة الإيرانية الحالية.

في الواقع، تواجه مشاركة الصين في حوكمة الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وخاصة الملف النووي الإيراني، التحديات التالية: أولاً، كيف يمكن للصين أن توازن علاقاتها مع الدول الغربية وإيران بشكل أفضل. ثانياً، كيفية موازنة العلاقة بين الصين وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي. ثالثًا، كيف يمكن للصين أن توازن بين مصالحها وعلاقاتها الدبلوماسية مع إيران. بغض النظر عن القضايا التي تشارك فيها الصين في حوكمة الملف النووي الإيراني، فهي تأخذ بعين الاعتبار دائما الحصول على أسعار نفط تفضيلية وإمدادات مستقرة للطاقة.

في النهاية، يمكن القول حتى وإذا سعت الصين وراء مصالحها الخاصة بشكل أعمى بينما تتجاهل مصالح الآخرين، فإن ذلك سيهدد مصالحها في مناطق أخرى في المنطقة. بالإضافة إلى أنه على الرغم من توقيع الصين وإيران على خطة التعاون الشامل، لم يعلن الجانبان عن النص الرسمي للخطة، ولا يزال هناك بعض عدم اليقين بشأن التعاون المحدد بين البلدين في المستقبل. بل إن كيفية التعامل مع التحديات الثلاثية المذكورة أعلاه تُعد إحدى التحديات الرئيسية لمشاركة الصين في قضايا الشرق الأوسط ولاسيما الملف النووي الإيراني.

 

 

 

 

 

 

د. هند المحلى سلطان

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، و هي باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجة الدكتوراه والماجستير في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى