الدكتور أشرف عمر في لقاء بـ”رع”.. مصر هزمت فيروس سي وتواجه تحدي الكبد الدهني

كتبت اللقاء وتابعته- الباحثة ريهام السادات
لم تكن تجربة مصر في مواجهة فيروس التهاب الكبد الوبائي “فيروس سي” مجرد تجربة علاجية نجحت في الوصول إلى أعداد واسعة من المرضى، وإنما مثلت تحولا في طريقة إدارة الدولة للأزمات الصحية واسعة النطاق؛ حيث انتقلت المواجهة من التعامل مع الحالات المعروفة إلى الكشف عن المصابين الذين لم يكونوا يعلمون بإصابتهم، ومن الاعتماد على استيراد العلاج إلى العمل على توطين صناعته، ثم إلى بناء منظومة أكثر شمولا للكشف والعلاج والمتابعة.

وفي هذا السياق، نظم مركز رع للدراسات الاستراتيجية ندوة بعنوان “ماذا بعد فيروس سي؟”، استضاف خلالها الأستاذ الدكتور أشرف عمر، أستاذ الكبد والجهاز الهضمي، لمناقشة التجربة المصرية في مواجهة فيروس سي، وما فرضته هذه التجربة من تحديات جديدة تتعلق بأمراض الكبد، وفي مقدمتها التليف وسرطان الكبد والكبد الدهني، إلى جانب التطور الذي شهدته مصر في مجال زراعة الكبد، وإمكانية توظيف الخبرة المصرية في دعم القدرات الطبية داخل الدول العربية والأفريقية.

في البداية، افتتح الدكتور أبوالفضل الإسناوي، المدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، الحلقة النقاشية التي نظمها المركز، مرحبا بالدكتور أشرف عمر، أستاذ الكبد والجهاز الهضمي، ومؤكدا أن تجربة الدولة المصرية في مكافحة فيروس سي تعد تجربة فريدة تستحق أن تدرس في كليات الطب والإدارة، لما قدمته من نموذج في قدرة الدولة على تحويل أزمة صحية امتدت لعقود إلى مشروع قومي شاركت فيه مؤسسات الدولة والقطاع الطبي.
وقال الإسناوي إن الدولة المصرية استطاعت من خلال مبادرة “100 مليون صحة” والحملة القومية للقضاء على فيروس سي فحص عشرات الملايين من المواطنين، والوصول إلى المصابين وتقديم العلاج لهم، في واحدة من أكبر حملات المسح الصحي في العالم، وصولا إلى حصول مصر عام 2023 على المستوى الذهبي في مسار القضاء على التهاب الكبد “سي” من منظمة الصحة العالمية.
وأضاف الإسناوي أن مكافحة فيروس سي تعد إحدى أهم دعائم الأمن القومي المصري خلال الخمسين عاما الماضية، بالنظر إلى حجم تأثير المرض في صحة المصريين وقدرتهم على العمل والإنتاج، وما كانت تتحمله الدولة والأسر من أعباء صحية واقتصادية واجتماعية نتيجة انتشاره.
وأشار الإسناوي إلى أن مركز رع، بالتعاون مع مؤسسة رسالة السلام العالمية، وبتوجيهات من مؤسسها المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، سيقوم بدور توعوي بشأن مخاطر مرحلة “ما بعد فيروس سي”، خاصة ما يتعلق بالكبد الدهني وأمراض وسرطان الكبد، باعتبار أن حماية صحة المواطن جزء أصيل من الأمن القومي.
وأوضح أن المبادرة التوعوية ستبدأ من محافظة الأقصر، خاصة في ظل وجود بروتوكول تعاون بين جامعة الأقصر ومؤسسة رسالة السلام العالمية ومركز رع للدراسات الاستراتيجية، يجري حاليا الاتفاق على بنوده، تمهيدا لتفعيله خلال الأيام المقبلة.

وتجدر الإشارة إلى أن اللقاء شهد مشاركة صلاح النصيري، الصحفي وعضو مجلس إدارة دار المعارف، ووائل علي، الكاتب الصحفي، إلى جانب عدد من أعضاء الهيئة العلمية لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، منهم الدكتور حسام البقيعي، كبير الباحثين بالمركز، وضياء نوح، المنسق الأكاديمي للمركز، ورضوى محمد، رئيس وحدة الدراسات المصرية، وسارة أمين، رئيس برنامج دراسات الخليج، وريهام السادات، رئيس برنامج التحولات الداخلية، وديانا محسن، الباحثة بالمركز، وفريدة حمدي، منسق الاتصال الخارجي، وجنى الصالحي، وبسملة علاء، باحثة مساعدة بالمركز، بالإضافة إلى عدد من أعضاء مبادرة “YLY”.

واستهل الدكتور أشرف عمر حديثه باستعراض طبيعة المشكلة التي مثلها فيروس سي في مصر، موضحا أن التعامل معها لم يكن سهلا، بالنظر إلى اتساع قاعدة المصابين والحاجة إلى توفير العلاج لأعداد كبيرة في وقت واحد. كما أوضح أن هذا الواقع فرض تحديا مزدوجا؛ فمن ناحية كان يتعين الوصول إلى علاج فعال، ومن ناحية أخرى كان لا بد من إيجاد آلية تسمح بتوفير العلاج على نطاق واسع، خاصة أن الاعتماد على الأسعار الدولية للأدوية كان سيحمل الدولة تكلفة ضخمة في ظل وجود ملايين المرضى.
وقال الدكتور أشرف عمر إن التحركات بدأت من هنا للحصول على العلاج بأسعار أقل، بالتوازي مع الاتجاه إلى توطين صناعة الأدوية داخل مصر، موضحا أن هذا التوجه كان جزءا من بناء قدرة وطنية على التعامل مع المرض؛ حيث إن توفير العلاج محليا أتاح توسيع نطاق الوصول إليه، وقلل من الاعتماد على الخارج، وجعل من الممكن الانتقال من علاج أعداد محدودة إلى التعامل مع المشكلة باعتبارها أزمة صحية على مستوى الدولة.

وأضاف أن توفير العلاج، مهما اتسع نطاقه، لم يكن كافيا في مواجهة مرض قد يعيش صاحبه سنوات دون أعراض واضحة؛ ولذلك كان التحدي التالي هو معرفة حجم الحالات غير المكتشفة.
وأوضح أنه في المرحلة الأولى كان التركيز على المرضى الذين يعرفون بإصابتهم ويسجلون للحصول على العلاج. لكن اتساع نطاق المشكلة كشف أن هذه الآلية لا يمكن أن تكون كافية؛ فهناك مواطنون يحملون الفيروس دون أن يعرفوا ذلك، وبالتالي فإن انتظارهم للوصول إلى النظام الصحي يعني استمرار انتقال المرض وتأخر اكتشافه.
وأشار الدكتور أشرف عمر إلى أنه من هنا انتقلت مصر إلى المسح الشامل، لتصبح عملية الكشف جزءا أساسيا من استراتيجية المواجهة، موضحا أن أعدادا ضخمة من المواطنين خضعوا للفحص، ومشيرا إلى فحص نحو 50 إلى 60 مليون مواطن، وهو ما سمح باكتشاف حالات لم تكن قد دخلت من قبل إلى منظومة العلاج.
وأكد أن أهمية هذه الخطوة تكمن في أنها غيرت العلاقة بين المواطن والمنظومة الصحية؛ فلم يعد الوصول إلى المريض قائما فقط على انتظاره لظهور الأعراض أو توجهه إلى الطبيب، وإنما أصبحت الدولة نفسها تبحث عن الحالات وتوفر لها إمكانية التشخيص والعلاج.

وأضاف أنه بذلك أصبح الكشف والعلاج مسارين متكاملين داخل استراتيجية واحدة، وهو ما ساعد على الوصول إلى المصابين في مختلف المناطق والشرائح الاجتماعية، بدلا من تركيز جهود العلاج على الحالات التي كانت معروفة بالفعل.
وتابع الدكتور أشرف عمر أن تنفيذ حملة بهذا الحجم لم يكن ممكنا باعتباره مشروعا طبيا منفصلا عن بقية مؤسسات الدولة، موضحا أن أحد أهم عوامل نجاح التجربة كان وجود إرادة سياسية واضحة، سمحت بتحويل مواجهة فيروس سي إلى مشروع وطني واسع، شاركت فيه مؤسسات الدولة والقطاع الطبي بمختلف مكوناته.
وأشار إلى أن ذلك انعكس في طبيعة التخطيط للمواجهة، وسرعة اتخاذ القرار، وتوسيع نطاق الفحص، وتوفير العلاج، فضلا عن العمل على تصنيع الأدوية محليا. وأضاف أن التجربة لم تتوقف عند الوصول إلى المرضى وعلاجهم، وإنما امتدت إلى توثيق النتائج ومراجعتها، بما أتاح تقديم التجربة المصرية إلى المؤسسات الدولية المعنية.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور أشرف عمر إلى أن مصر وصلت إلى مستوى متقدم عالميا في مسار القضاء على التهاب الكبد سي، بعدما اعترفت منظمة الصحة العالمية في عام 2023 بتحقيق مصر المستوى الذهبي “Gold Tier” على طريق القضاء على التهاب الكبد سي، باعتبارها أول دولة تصل إلى هذا المستوى.
غير أن الدكتور أشرف عمر أكد أن الوصول إلى هذه المرحلة لا يعني أن ملف أمراض الكبد قد انتهى. وهنا تحديدا يكتسب عنوان الندوة “ماذا بعد فيروس سي؟” دلالته؛ فنجاح مصر في السيطرة على الفيروس يفرض مسؤولية جديدة تتمثل في التعامل مع الآثار التي قد تكون الإصابة السابقة قد تركتها لدى بعض المرضى.
وأوضح أن بعض المرضى قد يكون الفيروس قد تسبب لديهم في درجات مختلفة من التليف قبل اكتشاف الإصابة وعلاجها، وبالتالي فإن التخلص من الفيروس لا يعني بالضرورة انتهاء الحاجة إلى المتابعة الطبية. وتزداد أهمية ذلك عند النظر إلى العلاقة بين التليف وسرطان الكبد، إذ تصبح المتابعة والكشف المبكر عاملين أساسيين في الحد من تطور الحالات إلى مراحل أكثر خطورة.

وأضاف أن المرحلة التالية من التجربة لا ينبغي أن تركز فقط على علاج الفيروس، وإنما على حماية المريض بعد العلاج، ومتابعة الكبد، واكتشاف أي مضاعفات في مراحل مبكرة تسمح بالتدخل المناسب.
وأشار الدكتور أشرف عمر إلى أن سرطان الكبد يمثل أحد أهم الملفات المرتبطة بالمرحلة التالية من مكافحة أمراض الكبد، خاصة لدى المرضى الذين عانوا سابقا من التليف. وفي هذا الإطار، أشار إلى أهمية وجود مراكز متخصصة قادرة على اكتشاف الحالات مبكرا والتعامل معها علاجيا، موضحا أن مصر تمتلك خبرات وإمكانات متعددة للتعامل مع سرطان الكبد، سواء من خلال التدخلات العلاجية المختلفة أو الجراحة في الحالات التي تسمح حالتها بذلك.
وأوضح أن أهمية الكشف المبكر تنبع من أن التعامل مع المرض في مراحله الأولى يختلف بصورة كبيرة عن التعامل معه بعد وصوله إلى مراحل متقدمة؛ ولذلك فإن الحفاظ على إنجاز مكافحة فيروس سي يرتبط بصورة مباشرة باستمرار برامج المتابعة والفحص للمرضى الأكثر عرضة للمضاعفات.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه مشكلة فيروس سي بصورة كبيرة، أوضح الدكتور أشرف عمر أن هناك تحديات أخرى برزت وارتبطت بتغير أنماط الحياة، وفي مقدمتها الكبد الدهني وزيادة الوزن. وفي سياق ذلك، أشار خلال الندوة إلى ارتفاع معدلات زيادة الوزن وتراكم الدهون لدى المصريين، موضحا أن الكبد الدهني ليس حالة واحدة بالضرورة، وأن بعض أشكاله يمكن أن يتطور إلى تليف ومضاعفات أكثر خطورة.

وأضاف أن طبيعة هذا التحدي تختلف عن طبيعة فيروس سي؛ فالوقاية من الكبد الدهني ترتبط بدرجة كبيرة بنمط الحياة، بما يشمله من طبيعة الغذاء، ومستوى النشاط البدني، والحفاظ على وزن مناسب.
وأكد الدكتور أشرف عمر أن مواجهة هذا النوع من أمراض الكبد لا يمكن أن تعتمد على العلاج الطبي وحده، وإنما تتطلب اهتماما أكبر بالوقاية والتوعية والكشف المبكر، لأن التدخل في المراحل الأولى قد يمنع تطور الحالة إلى تليف أو مضاعفات أكثر تعقيدا.
وفي زراعة الكبد، أوضح الدكتور أشرف عمر أن مصر تمتلك خبرة ممتدة في مجال زراعة الكبد منذ أكثر من عقدين، وأن هذه الخبرة لم تتوقف عند إجراء عمليات الزراعة، وإنما تطورت معها منظومة متكاملة تضم تخصصات طبية متعددة، بداية من تقييم المريض والمتبرع، وصولا إلى الجراحة والرعاية المركزة والمتابعة طويلة المدى.
وأشار إلى أن أهمية هذه الخبرة تكمن في أن زراعة الكبد من أكثر العمليات الطبية تعقيدا، ولا يمكن نجاحها اعتمادا على تخصص واحد، وإنما تتطلب تكامل عدد كبير من التخصصات والكوادر الطبية، ومع تراكم الخبرات، أصبحت مصر تمتلك قاعدة من المتخصصين القادرين على التعامل مع الحالات المختلفة، الأمر الذي يفتح المجال أمام توسيع التعاون الطبي مع دول أخرى تحتاج إلى بناء قدراتها في هذا المجال.
وأوضح الدكتور أشرف عمر أن التجربة المصرية تتجاوز هنا حدودها الصحية الداخلية لتأخذ بعدا إقليميا وأفريقيا؛ فالمعرفة التي تراكمت في مصر خلال سنوات مواجهة فيروس سي وأمراض الكبد تشمل آليات الكشف، وإدارة البرامج الصحية واسعة النطاق، وتدريب الكوادر، وإنشاء البرامج المتخصصة، وبناء منظومات المتابعة.

وأشار الدكتور إلى وجود تعاون مصري مع دول أفريقية في هذا المجال، من خلال نقل الخبرات والمساعدة في تطوير القدرات الطبية، بما في ذلك مجال زراعة الكبد، موضحا أن هذا المسار يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى القارة الأفريقية، التي ما زالت تواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة. ومن ثم، فإن امتلاك مصر لهذه الخبرة يتيح لها أن تقدم نموذجا مختلفا للتعاون، يقوم على نقل المعرفة وبناء القدرات وليس فقط تقديم الخدمات بصورة مؤقتة.
وعقب انتهاء العرض الرئيسي، انتقل اللقاء إلى مساحة مفتوحة من النقاش مع الحضور، اتسمت أسئلتهم بتنوع واضح؛ حيث لم تقتصر على الجوانب الطبية المتعلقة بالفيروس، وإنما امتدت إلى كيفية توظيف التجربة المصرية إقليميا، ودور الدولة في دعم عمليات زراعة الكبد، وتحديات التبرع بالأعضاء، فضلا عن قضايا الوقاية والكشف المبكر ونمط الحياة والأدوية وتأثيراتها على صحة الكبد.

س- هل يمكن أن تتحول التجربة المصرية في مكافحة فيروس “سي” إلى أحد أدوات الحضور المصري في أفريقيا؟
قال الدكتور أشرف عمر إن الخبرة التي اكتسبتها مصر خلال رحلة مكافحة فيروس سي تمثل رصيدا يمكن الاستفادة منه خارج الحدود، خاصة مع وجود دول أفريقية تواجه تحديات مشابهة في مجال أمراض الكبد. كما أوضح أن نقل الخبرات لا يقتصر على الأدوية والعلاج، وإنما يشمل كذلك المعرفة الطبية، وتدريب الكوادر، وبناء نظم الكشف والتشخيص، وتطوير مراكز زراعة الكبد، بما يسمح للدول المستفيدة بتكوين قدراتها الذاتية على المدى الطويل.

س- ما أبرز التحديات التي ما زالت تواجه تطوير زراعة الكبد في مصر؟
أوضح الدكتور أشرف عمر أن هناك أكثر من تحد، ويمكن النظر إليها في ثلاثة محاور رئيسية: الإطار القانوني، وسلامة المتبرع الحي، وتطوير منظومة التبرع من المتوفين.
وأضاف أنه من ناحية الخبرة الطبية، فقد قطعت مصر شوطا كبيرا جدا، وأصبح لدينا أطباء ومراكز وخبرات قادرة على إجراء عمليات معقدة، كما أن النتائج أصبحت قريبة من المستويات الدولية والعربية في العديد من المراكز.

س- ما الذي تعنيه تجربة فيروس سي لمصر في المستقبل؟
قال الدكتور أشرف عمر إن تجربة مصر مع فيروس سي لم تكن مجرد نجاح في توفير دواء والقضاء على فيروس، وإنما كانت تجربة متكاملة في إدارة أزمة صحية واسعة النطاق، حيث بدأت الأزمة بمرض واسع الانتشار وأعداد كبيرة من المصابين، ثم جاء التحرك لتوفير العلاج، وتوطين صناعة الدواء، وتوسيع نطاق الكشف، والوصول إلى ملايين المواطنين، ثم الانتقال إلى متابعة ما بعد الإصابة والتعامل مع مضاعفاتها.
وأضاف أن التحدي الحالي يختلف في طبيعته؛ فبعد أن كان فيروس سي هو العنوان الأبرز، أصبحت مصر أمام مجموعة أخرى من الملفات، من بينها الكبد الدهني، وسرطان الكبد، والحاجة إلى مواصلة تطوير زراعة الكبد، إلى جانب الحفاظ على الخبرات التي تراكمت خلال التجربة السابقة.

س- كيف يمكن لمصر أن تستفيد من الخبرة التي اكتسبتها في توطين صناعة أدوية فيروس سي، وتطبيق النموذج نفسه في قطاعات صناعية أخرى؟
أوضح الدكتور أشرف عمر أن توطين صناعة الدواء كان من العناصر المهمة جدا في نجاح التجربة المصرية؛ لأنك عندما تكون أمام مرض يصيب أعدادا ضخمة، لا تستطيع أن تعتمد بصورة كاملة على الاستيراد، خصوصا إذا كنت تريد أن تضمن استمرارية العلاج. وأضاف أن ما حدث أثبت أن وجود الإرادة السياسية، والتخطيط، وتوفير البيئة المناسبة للصناعة، يمكن أن يساعد في تحويل أزمة كبيرة إلى فرصة لبناء قدرة محلية.
وأكد أن الفكرة لا تتعلق بالدواء وحده؛ وإنما بالمبدأ نفسه: عندما تكون الدولة قادرة على بناء صناعة محلية في مجال استراتيجي، فإنها تقلل اعتمادها على الخارج، وتضمن استدامة الخدمة، ويمكنها بعد ذلك أن تنتقل من مجرد تلبية احتياجاتها الداخلية إلى دعم دول أخرى.
س- كيف يمكن لمصر أن تستثمر نجاحها في مواجهة فيروس سي، وما راكمته من خبرات طبية، باعتبار ذلك أحد أدوات القوة الناعمة المصرية، خاصة في ظل توجه عدد من الدول الأفريقية للاستفادة من التجربة المصرية؟
قال الدكتور أشرف عمر: الحقيقة أن مصر لديها تجربة مهمة جدا في هذا المجال، والأهم أننا لا ننظر إليها باعتبارها تجربة انتهت بانتهاء علاج فيروس سي، وإنما باعتبارها خبرة يمكن البناء عليها ونقلها إلى دول أخرى.
وأضاف أنه خلال السنوات الماضية، كان هناك تواصل مع عدد من الدول الأفريقية، وصل إلى نحو خمس أو ست دول في مراحل مختلفة، وجرى تقديم دعم علمي وتدريب ومحاضرات ودورات متخصصة، سواء في مجال استدامة الخدمات الصحية أو المناظير أو التشخيص والمتابعة.
وأوضح أن الميزة هنا أن مصر لم تستورد الخبرة فقط، وإنما أصبحت لديها خبرة تستطيع أن تنقلها إلى الآخرين. فالأطباء والكوادر المصرية شاركوا في وضع استراتيجيات للتشخيص والمتابعة والتعامل مع أمراض الكبد، وأصبح هناك طلب من جهات رسمية ووزارات صحية في دول مختلفة للاستفادة من التجربة المصرية.

س- زراعة الكبد من العمليات مرتفعة التكلفة، فإلى أي مدى تستطيع الدولة أن تتحمل هذه التكلفة، وهل توجد مشاركة فعلية من الدولة في علاج مرضى زراعة الكبد؟
أكد الدكتور أشرف عمر أن زراعة الكبد عملية مكلفة، ولا تنتهي التكلفة بمجرد إجراء الجراحة، لأن المريض بعد الزراعة يحتاج إلى متابعة مستمرة وأدوية مثبطة للمناعة حتى لا يرفض الجسم الكبد المزروع. ولذلك فإن منظومة الزراعة تحتاج إلى دعم مستمر وليس مجرد تمويل العملية نفسها.
وأضاف أن الدولة لديها بالفعل مراكز تابعة لوزارة الصحة تقدم الدعم والمتابعة لمرضى زراعة الكبد، وهذا جزء أساسي من مسؤولية الدولة تجاه المرضى. والمهم أن ننظر إلى الزراعة باعتبارها منظومة علاجية كاملة تبدأ بتقييم المريض والمتبرع، ثم إجراء العملية، ثم المتابعة طويلة المدى.
س- هل يمثل الجانب الثقافي والديني أحد العوائق أمام التبرع بالأعضاء في مصر، خصوصا أن هناك تصورا لدى البعض بأن جسد الإنسان له قدسية خاصة، بينما توجد دول أخرى لديها نظم مستقرة للتبرع من المتوفين؟
قال الدكتور أشرف عمر إن هذه من القضايا المهمة جدا؛ لأن زراعة الأعضاء لا تعتمد على الطب وحده. هناك جانب قانوني، وهناك جانب ديني وثقافي ومجتمعي، ولذلك فإن نجاح أي منظومة لزراعة الأعضاء يحتاج إلى وجود إطار واضح ينظم العملية ويحمي جميع الأطراف.
وأوضح أن التجربة المصرية في زراعة الكبد نفسها مرت بمراحل طويلة من التطور. وأضاف: عندما بدأنا العمل في هذا المجال، كان المجتمع يحتاج إلى وقت حتى يتقبل فكرة التبرع بجزء من الكبد من شخص حي لإنقاذ حياة مريض آخر. ولذلك فإن التوعية مهمة جدا، لكن التوعية وحدها لا تكفي؛ لا بد أن تكون هناك قواعد واضحة تضمن أن التبرع يتم بصورة قانونية وأخلاقية، وأن المتبرع لا يتعرض لأي ضغط.

س- وماذا عن تجربة السعودية في تنظيم التبرع بالأعضاء، وهل يمكن الاستفادة من هذه التجربة في مصر؟
أوضح الدكتور أشرف عمر أن هناك بالفعل تجارب عربية متقدمة في هذا المجال، ومن بينها التجربة السعودية، التي قطعت شوطا في تنظيم التبرع بالأعضاء وزراعة الكبد، بما في ذلك الاستفادة من التبرع من المتوفين.
وأضاف أن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى لا تعني بالضرورة نقل النموذج كما هو، لأن كل دولة لها ظروفها القانونية والثقافية والمجتمعية، وإنما ندرس ما نجح في هذه التجارب ونبحث كيف يمكن تكييفه مع الواقع المصري.
س- مصر حققت نجاحا كبيرا في مواجهة فيروس سي، فهل يمكن أن نقول إن هذا النجاح أدى بالفعل إلى انخفاض الحاجة إلى عمليات زراعة الكبد؟
قال الدكتور أشرف عمر إن نجاح مصر في علاج فيروس سي بالتأكيد سيؤثر بصورة إيجابية على المستقبل؛ لأن علاج الفيروس يمنع استمرار الضرر الذي كان يمكن أن يؤدي إلى تليف الكبد ومضاعفاته.
وأضاف: لكن لا يمكن أن نقول إن نجاحنا في فيروس سي يعني أن الحاجة إلى زراعة الكبد انتهت، ولكن هناك مرضى أصيبوا بتليف متقدم قبل اكتشاف الفيروس أو قبل الحصول على العلاج، وهؤلاء يظلون بحاجة إلى المتابعة، وقد يصل بعضهم إلى مرحلة يحتاج فيها إلى الزراعة.
وأوضح كذلك أن زراعة الكبد ليست مرتبطة بفيروس سي فقط؛ فهناك أسباب أخرى لفشل الكبد وأمراض أخرى يمكن أن تؤدي إلى الحاجة إلى الزراعة. إذن نجاحنا في فيروس سي سيقلل من الحالات الجديدة والمضاعفات المستقبلية، لكنه لا يلغي الحاجة إلى منظومة زراعة الكبد.

س- هل هناك شروط محددة تجعل فريق زراعة الكبد يرفض أحد الأشخاص كمتبرع، رغم رغبته في التبرع؟
قال الدكتور أشرف عمر: طبعا، وهناك قاعدة أساسية لا يمكن التنازل عنها، وهي أن سلامة المتبرع تأتي أولا؛ فالمتبرع في الأساس شخص سليم، وبالتالي نحن لا نقبل أن يدخل شخص سليم إلى عملية التبرع ثم يخرج منها بمشكلة صحية كان من الممكن تجنبها.
وأضاف أنه لذلك يخضع المتبرع لتقييم طبي شامل، بالإضافة إلى التقييم النفسي، ويتم التأكد من قدرته على تحمل العملية ومن عدم وجود عوامل يمكن أن تعرض حياته أو صحته للخطر.
وأوضح أن الهدف هو أن يتبرع الشخص ثم يعود إلى حياته الطبيعية ويمارس نشاطه الاجتماعي والعملي بصورة طبيعية. فإذا كان هناك أي عامل يجعل هذا الأمر غير مضمون، فمن الممكن رفض التبرع، حتى لو كان الشخص نفسه راغبا فيه.
س- هل التقييم النفسي للمتبرع ضروري بالفعل؟ وهل يمكن أن تكون هناك أزمات نفسية تؤثر على قرار الشخص بالتبرع؟
أكد الدكتور أشرف عمر أن التقييم النفسي ليس إجراء شكليا، وإنما جزء من حماية المتبرع، فلا بد أن نتأكد أن الشخص يفهم طبيعة العملية ومخاطرها، وأن قراره نابع من إرادة حرة وواعية، وليس نتيجة ضغط من الأسرة أو شعور بالذنب أو ظروف نفسية مؤقتة.
وأضاف: ولذلك نقوم بتقييم المتبرع من أكثر من جانب، لأن سلامته النفسية لا تقل أهمية عن سلامته الجسدية.
س- في بداية حملات الكشف عن فيروس سي، كيف تمكنتم من إقناع المواطنين في القرى والمحافظات بالمشاركة وإجراء الفحوصات؟
أوضح الدكتور أشرف عمر أنه تم الاعتماد على الإعلام بمختلف وسائله، وعلى حملات التوعية والتواصل المباشر، مع تسهيل عملية التسجيل والفحص. وكانت هناك استجابة كبيرة جدا من المواطنين.
وأضاف أنه في البداية واجهتنا مشكلة أن حجم الإقبال كان أكبر من القدرة المتاحة على توفير العلاج، ثم مع زيادة إمكانات الدولة وتوفير الأدوية، وخاصة بعد دعم التصنيع المحلي، أصبح من الممكن الانتقال من مجرد اكتشاف الحالات إلى علاج أعداد ضخمة منها.

س- هل يمكن أن نحتاج في المرحلة المقبلة إلى خارطة طريق جديدة لما بعد فيروس سي؟
أكد الدكتور أشرف عمر: بالتأكيد نحن نحتاج إلى أن نفكر في المرحلة التالية، لأن النجاح في القضاء على فيروس سي لا يعني أن ملف الكبد أغلق. بالعكس، النجاح يفرض علينا مسؤولية جديدة تتمثل في الحفاظ على ما تحقق، ثم الانتقال إلى الأمراض التي تمثل التحدي القادم.
وأضاف: نحن نتحدث الآن عن الكبد الدهني، وعن السمنة وتغير نمط الحياة، وعن سرطان الكبد، وعن تطوير زراعة الكبد، وعن الكشف المبكر والمتابعة. وبالتالي فإن المطلوب هو بناء منظومة مستدامة وليس حملة مؤقتة.
س- هل هناك أدوية يمكن أن تؤثر على الكبد، حتى إذا كان الشخص لا يعاني من مرض كبدي في الأساس؟
قال الدكتور أشرف عمر: نعم، بعض الأدوية يمكن أن تؤدي إلى إصابة الكبد، وهناك حالات نراها يكون فيها المريض مصابا بارتفاع في إنزيمات الكبد أو الصفراء، وبعد استبعاد الأسباب الفيروسية والمناعية يتضح أن السبب قد يكون دوائيا.
وأضاف أن المشكلة أن بعض الناس يتعاملون مع الأدوية على أنها شيء آمن تماما، خصوصا إذا كان الدواء شائع الاستخدام، بينما الحقيقة أن أي دواء قد تكون له آثار جانبية، وتختلف درجة تأثيره من شخص إلى آخر.
وحذر من أنه لهذا لا يجب تناول الأدوية بصورة عشوائية، ولا تكرار المضادات الحيوية أو المسكنات دون داع أو إشراف طبي.
س- وما المدة التي يمكن بعدها أن تصبح المضادات الحيوية أو المسكنات خطرا على الكبد؟
أوضح الدكتور أشرف عمر أنه لا توجد مدة واحدة يمكن أن نقول بعدها إن الدواء أصبح خطرا على كل الناس. فهناك نوع من إصابات الكبد يمكن أن يظهر بصورة سريعة نتيجة رد فعل أو حساسية تجاه الدواء، وهناك أنواع أخرى قد تظهر بعد تكرار الاستخدام.
وأضاف أن المشكلة ليست فقط في عدد الأيام، وإنما في نوع الدواء، والجرعة، وحالة المريض، وتكرار استخدامه. كما حذر بصورة خاصة من تناول المسكنات بصورة متكررة دون داع، لأن بعض الأشخاص يعتادون تناول المسكنات بشكل مستمر، مثل تكرارها في كل مرة يشعرون فيها بالألم، وقد يؤدي ذلك مع الوقت إلى مشكلات صحية.

س- هل يمكن أن تؤثر الأزمات النفسية أو الأمراض المناعية الذاتية في الكبد؟
قال الدكتور أشرف عمر إن هناك بالفعل أمراضا كبدية مناعية ذاتية، والعوامل الوراثية لها دور في الإصابة بها.
وأضاف أنه فيما يتعلق بالصحة النفسية، فلا ينبغي فصلها عن الصحة الجسدية بشكل عام، لذلك نحن دائما نتحدث عن أهمية ممارسة الرياضة، والحفاظ على نمط حياة صحي، والاهتمام بالحالة النفسية، لأن الإنسان منظومة متكاملة، وأي اضطراب مستمر في نمط الحياة يمكن أن ينعكس على صحته العامة.
س- في ظل نجاح مصر في السيطرة على فيروس سي، كيف نضمن ألا نعود مرة أخرى إلى مشكلة انتشار المرض، وما المسؤولية التي تقع على المجتمع؟
أكد الدكتور أشرف عمر أن المسؤولية الآن أصبحت مشتركة. الدولة قامت بدور كبير جدا في الكشف والعلاج، لكن المجتمع عليه مسؤولية الحفاظ على هذا النجاح.
وأضاف أنه يجب ألا نتوقف عن التوعية والكشف عند الفئات التي تحتاج إلى ذلك، ويجب أن يستمر الالتزام بمكافحة العدوى، وأن يتوقف الاستخدام العشوائي للأدوات أو الأدوية، وأن يدرك المواطن أن الوقاية لا تقل أهمية عن العلاج.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الأهم أن الأجيال الجديدة يجب أن تتعامل مع هذه التجربة باعتبارها درسا في كيفية مواجهة المشكلات الكبرى: بالعلم، والتخطيط، والمسؤولية، والعمل الجماعي.

وفي نهاية اللقاء، فإن الإجابة عن سؤال “ماذا بعد فيروس سي؟” تتمثل في الحفاظ على الإنجاز، ومواجهة الآثار المتبقية، والوقاية من المخاطر الجديدة، وتحويل الخبرة المصرية المتراكمة إلى قدرة وطنية وإقليمية قابلة للاستمرار.





























