في لقاء خاص.. “رع” يحاور اللواء “عمرو عبدالمنعم” بعد عام على رئاسة هيئة تنمية الصعيد

أجرى اللقاء: د. أبوالفضل الإسناوى- سارة أمين- ريهام السادات
كتبت الحوار: ريهام السادات
لم تعد تنمية الصعيد ترتبط فقط بإقامة مشروعات جديدة أو التوسع في تقديم الخدمات الأساسية، وإنما أصبحت ترتبط بسؤال أكثر أهمية: كيف تتحول الإمكانات التي يمتلكها الصعيد بالفعل إلى اقتصاد منتج، يخلق فرص العمل، ويجذب الاستثمار، ويستطيع أن يستمر وينمو؟
فالصعيد لا تنقصه الموارد. هناك أراضٍ زراعية واسعة، ومحاصيل متنوعة، وثروات طبيعية، وحرف وصناعات تراثية، إلى جانب كتلة بشرية كبيرة تمتلك القدرة على العمل والإنتاج. لكن التحدي الحقيقي يظل في كيفية جمع هذه العناصر داخل رؤية واحدة، تربط بين الأرض والإنتاج والتصنيع والتدريب والتسويق، وتضع الاستثمار في المكان الذي يحقق أكبر عائد للمحافظة ولأبنائها.
ومن هنا تبدو تجربة هيئة تنمية الصعيد مختلفة في فلسفتها؛ إذ تنطلق من أن لكل محافظة شخصيتها الاقتصادية وميزتها التنافسية، وأن التنمية الحقيقية لا تعني تكرار المشروعات نفسها من محافظة إلى أخرى، بقدر ما تعني قراءة موارد كل منطقة واحتياجاتها، ثم بناء المشروعات وفرص الاستثمار والتدريب حول ما تملكه بالفعل وما تستطيع أن تتميز فيه.
ويقف خلف هذه الرؤية اللواء المهندس عمرو عبد المنعم مصطفى، رئيس هيئة تنمية الصعيد، الذي تحولت الهيئة منذ توليه المسؤولية إلى ورشة عمل مفتوحة؛ يتحرك بين المحافظات والمشروعات، ويتابع التفاصيل على الأرض، ويعمل مع فريقه ليل نهار على بناء استراتيجية لا تستهدف فقط إقامة المشروعات، وإنما حماية الحجر وبناء البشر في صعيد مصر. فلسفته تقوم على أن الاستثمار في الصعيد لا يمكن أن ينجح من المكاتب، وأن معرفة احتياجات كل محافظة تبدأ من النزول إليها، والاستماع إلى أهلها، وقراءة مواردها، ثم تحديد ما يمكن أن تقدمه للاقتصاد المصري.
وفي لقاء خاص ضمن لقاءات الأربعاء التي يُجريها برنامج السياسات العامة بمركز رع للدراسات الاستراتيجية، يفتح اللواء المهندس عمرو عبد المنعم مصطفى ملفات عمل الهيئة، ويتحدث عن رؤيته لمستقبل الاستثمار في الصعيد، والميزة التنافسية لكل محافظة، ودور المرأة في التنمية، وبناء الإنسان، والتعليم الفني وربطه باحتياجات سوق العمل، ومواجهة هجرة العمالة إلى القاهرة، كما يكشف تفاصيل مشروع الـ3000 فدان، والمشروعات التي تراهن عليها الهيئة خلال المرحلة المقبلة، وصولًا إلى السؤال الأبعد: كيف يرى هيئة تنمية الصعيد ومحافظات الصعيد بعد عشر سنوات من الآن؟
يُذكر أن اللواء المهندس عمرو عبد المنعم مصطفى تولى رئاسة هيئة تنمية الصعيد في 31 أغسطس 2025، ومن هنا يكتسب هذا الحوار أهميته وتوقيته؛ إذ يأتي مع اقتراب مرور عام على توليه المسؤولية، وهي فترة كانت كافية للانتقال من مرحلة التعرف على الملفات والإمكانات والتحديات إلى رسم خريطة أكثر وضوحًا لمسار عمل الهيئة وأولوياتها. وبعد عام من التحرك بين محافظات الصعيد ومتابعة المشروعات على الأرض، أصبح من المهم التوقف أمام ما تحقق، وما تغير في طريقة عمل الهيئة، والأهم: إلى أين تتجه خلال السنوات المقبلة؟
س،- “رع”… في البداية، الرئيس عبد الفتاح السيسي يولي ملف تنمية الصعيد اهتمامًا كبيرًا، وظهرت خلال السنوات الماضية مشروعات ضخمة لتغيير واقع محافظات الصعيد، كيف تقرأون فلسفة إنشاء هيئة تنمية الصعيد والدور المطلوب منها؟
عندما بدأت الهيئة كان هناك عدد من الملفات والقضايا المرتبطة بتنمية الصعيد، وكان لابد من التعامل معها بصورة عملية، لأن هناك مشكلات موجودة على الأرض، وكل منطقة لها طبيعتها وظروفها. فالهيئة لم تُنشأ لكي تعمل بمعزل عن أجهزة الدولة، وإنما للتعامل مع مجموعة من الملفات التي تحتاج إلى رؤية تنموية، خصوصًا أن الصعيد ليس منطقة واحدة متشابهة، وإنما محافظات ومراكز وقرى، وكل منطقة لديها إمكانات ومشكلات مختلفة.
في البداية كان هناك عدد من الملفات، ومن بينها ملف النوبة، وكان هذا الملف يحتاج إلى تعامل خاص، ومع الوقت تم التعامل مع الجزء الأكبر منه، وأصبح ما يظهر من حالات في هذا الملف حالات فردية يتم التعامل معها لمصلحة المواطن. وبالتالي انتقل التركيز بصورة أكبر إلى التنمية بمعناها الأوسع: كيف نستطيع أن نستفيد من الإمكانات الموجودة في الصعيد؟ كيف ننشئ مشروعات؟ كيف نوفر فرص عمل؟ وكيف نخلق اقتصادًا حقيقيًا داخل المحافظات بدلًا من أن تظل التنمية قائمة فقط على الإنفاق الحكومي؟.. وهذا هو التحدي الحقيقي أمامنا؛ أن ننتقل من مجرد معالجة المشكلات إلى بناء اقتصاد قادر على الاستمرار.

س،- “رع”.. الدولة تتحدث بصورة متكررة عن التنمية المتكاملة وبناء الإنسان، وليس فقط بناء المشروعات كيف تنظرون إلى مفهوم بناء الإنسان في تجربة تنمية الصعيد؟
بناء الإنسان جزء أساسي من أي تنمية، لأنك تستطيع أن تنشئ مصنعًا وتبني مبنى وتوفر معدات، لكن إذا لم يكن لديك الإنسان الذي يستطيع تشغيل المشروع وإدارته والاستمرار فيه، فلن تحقق الهدف. لذلك عندما نتحدث عن مشروع في منطقة معينة، لا يمكن أن نسأل فقط: أين الأرض؟ وكم تكلفة المصنع؟ وإنما يجب أن نسأل أيضًا: من سيعمل في هذا المصنع؟ وما نوع العمالة المطلوبة؟ وهل أبناء المنطقة لديهم المهارات اللازمة؟
إذا لم تكن لديهم هذه المهارات، فلابد أن يدخل التدريب ضمن منظومة المشروع نفسها، وهنا يصبح بناء الإنسان ليس شعارًا، وإنما جزءًا من التخطيط الاقتصادي. أنا عندما أحدد الميزة التنافسية لمنطقة، وأحدد الصناعة التي أريد إقامتها فيها، أستطيع بعد ذلك أن أحدد نوعية العمالة التي أحتاجها، وبالتالي أبدأ في إعداد هذه العمالة. وبذلك يصبح المشروع مرتبطًا بالمجتمع الموجود حوله، وليس مجرد مشروع يأتي إلى المنطقة ويستعين بعمالة من خارجها.
س،- “رع”.. الرئيس وجه مرارًا بضرورة الاستثمار في الإنسان وتأهيل الشباب لسوق العمل، لكن الصعيد يعاني في الوقت نفسه من هجرة العمالة إلى القاهرة.. كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة؟
هجرة العمالة من الصعيد إلى القاهرة أو غيرها مرتبطة في جزء كبير منها بوجود فرصة العمل. فالشباب عندما لا يجد فرصة مناسبة بالقرب من منزله، سيبحث عنها في مكان آخر، وبالتالي لا يمكن أن نقول له لا تذهب إلى القاهرة دون أن نوفر له بديلًا حقيقيًا. الحل ليس في منع الهجرة، وإنما في خلق اقتصاد محلي يوفر فرصة العمل. وهنا أعود مرة أخرى إلى فكرة الميزة التنافسية. إذا كانت المحافظة أو المركز لديه نشاط اقتصادي معين، فيجب أن نبني عليه، وأن نخلق حوله منظومة من التعليم الفني والتدريب والإنتاج والتصنيع. فعندما يستطيع الشاب أن يجد فرصة عمل في المكان الذي يعيش فيه، فلا يكون مضطرًا إلى الانتقال لمجرد الحصول على وظيفة.
س،- “رع”.. الرئيس عبد الفتاح السيسي يولي ملف بناء الإنسان وتطوير منظومة التعليم الفني اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا مع ارتباط التعليم باحتياجات سوق العمل، وأن يكون الشباب مؤهلين للفرص التي تخلقها المشروعات الجديدة. وفي حديثكم عن مشكلة هجرة العمالة من الصعيد إلى القاهرة والمحافظات الأخرى، طرحتم فكرة لافتة تتمثل في ربط التعليم الفني بالميزة التنافسية لكل محافظة.. كيف يمكن تنفيذ هذا التصور؟
أرى أن التعليم الفني لابد أن يكون مرتبطًا باحتياجات كل محافظة، لأننا لا نستطيع أن نتعامل مع الصعيد كله باعتباره منطقة واحدة لها نفس الاحتياجات. فكل محافظة لديها إمكانات وميزة تنافسية مختلفة، وبالتالي من الطبيعي أن ينعكس ذلك على نوعية التعليم والتدريب الذي نقدمه لأبنائها. فإذا كانت محافظة تتميز بمحصول زراعي معين، فمن الممكن أن يكون لديها تعليم فني يخدم الصناعات المرتبطة بهذا المحصول، وإذا كانت محافظة أخرى تتميز بصناعة أو حرفة معينة، فمن الأفضل أن نوجه جزءًا من التعليم الفني والتدريب نحو هذه الصناعة.
وعليه، أرى أن تكون هناك مدارس فنية متخصصة في كل محافظة وفقًا لما تتميز به، بحيث لا يكون الهدف من المدرسة فقط تخريج طالب يحمل شهادة، وإنما تخريج طالب لديه مهارة مطلوبة بالفعل في سوق العمل المحلي. فلو كانت المحافظة لديها صناعة معينة، أريد أن يكون أبناؤها هم العمالة التي تستطيع تشغيل هذه الصناعة. ولو كان لدينا مشروع زراعي أو صناعي يحتاج إلى تخصصات محددة، فمن الأفضل أن يكون هناك نظام تعليمي وتدريبي يجهز الشباب لهذه التخصصات قبل دخولهم سوق العمل.
وهذا يحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه؛ فهو من ناحية يوفر للمستثمر العمالة التي يحتاج إليها، ومن ناحية أخرى يعطي أبناء المحافظة فرصة حقيقية للعمل في المشروعات الموجودة بالقرب منهم. وبالتالي يمكن أن نربط بين التعليم والميزة التنافسية والاستثمار وفرص العمل، وهذا في رأيي جزء مهم من علاج مشكلة هجرة العمالة من الصعيد، لأن الشاب عندما يجد تعليمًا يؤهله لوظيفة موجودة في محافظته، ثم يجد بعد ذلك فرصة عمل حقيقية في المشروع أو الصناعة التي تدرب عليها، لن يكون مضطرًا إلى الانتقال إلى القاهرة بحثًا عن فرصة. الفكرة في النهاية أن تكون هناك علاقة واضحة بين ما يتعلمه أبناء المحافظة، وما تحتاجه المحافظة، وما ينتجه المشروع، وما يحتاجه سوق العمل.
س،- “رع”.. الرئيس يتحدث كذلك عن تمكين المرأة اقتصاديًا، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في عملية التنمية.. ماذا تفعل الهيئة في ملف المرأة في الصعيد؟
المرأة في الصعيد جزء أساسي من عملية التنمية، ولذلك نحن لا ننظر إليها باعتبارها مجرد مستفيدة من برامج أو مشروعات، وإنما باعتبارها منتجة وقادرة على أن تكون صاحبة مشروع وتخلق قيمة اقتصادية داخل مجتمعها المحلي. ومن الملفات التي نعمل عليها في هذا الإطار الحرف اليدوية والتراثية، لأن الصعيد لديه رصيد كبير من الحرف التي ارتبطت بطبيعة كل محافظة وتاريخها، وهذه الحرف يمكن أن تتحول من نشاط محدود إلى مصدر دخل حقيقي إذا تم تطوير المنتج وتحسين جودته وربطه بالسوق.
نحن عملنا على عدد من المشروعات والأنشطة الخاصة بالحرف اليدوية، والفكرة الأساسية فيها ليست فقط تعليم المرأة حرفة، وإنما مساعدتها على إنتاج منتج له قيمة ويمكن تسويقه وبيعه. لأن التدريب وحده لا يكفي؛ المهم أن يتحول التدريب إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخل. كما أن لدينا توجهًا لعرض هذه المنتجات بصورة أوسع، ولذلك نعمل على إقامة معرض لمنتجات الحرف اليدوية، بحيث تكون هناك فرصة لعرض المنتجات التي تم إنتاجها، والتعريف بها، وفتح قنوات أكبر للتسويق والتواصل مع المهتمين والمشترين. كما أن ارتباط هذه الحرف بالمكان يعطيها ميزة إضافية؛ فكل محافظة لديها طبيعة وتراث ومنتجات مختلفة، وبالتالي يمكن أن تصبح هذه الخصوصية جزءًا من الميزة التنافسية للمحافظة.
وفي النهاية، نحن نريد أن تصل المرأة إلى مرحلة لا تنتظر فيها فرصة عمل تقليدية، وإنما تستطيع أن تنتج وتبيع وتحقق دخلًا من مهارتها، وفي الوقت نفسه نحافظ على الحرف التي تمثل جزءًا من هوية الصعيد، وهذا يتفق مع مفهومنا الأوسع للتنمية؛ أن نستفيد من الموارد الموجودة بالفعل، سواء كانت أرضًا أو محصولًا أو حرفة أو مهارة بشرية، ونحولها إلى قيمة اقتصادية حقيقية يستفيد منها المواطن والمنطقة والدولة.

س،- “رع”.. تحدثتم أيضًا عن المعرض الذي تستعد الهيئة لتنفيذه.. ما الهدف من هذا المعرض، وما الذي تريدون أن تقدموه من خلاله؟
الفكرة الأساسية، هي أنه لدينا منتجات ومشروعات وإمكانات في الصعيد تحتاج إلى أن تظهر بشكل أفضل. فالمعرض فرصة لإظهار ما يمكن أن ينتجه الصعيد، وربط المنتج بالأسواق والمستثمرين. نحن نريد أن يرى الناس والمستثمرون أن الصعيد ليس فقط أرضًا تحتاج إلى استثمارات، وإنما لديه بالفعل منتجات وإمكانات ومشروعات يمكن البناء عليها.
فالمهم لدينا كهيئة تختص بتنمية الصعيد، أن يكون هناك انتقال من المنتج المحلي المحدود إلى منتج يستطيع المنافسة، سواء في السوق المحلية أو في الأسواق الخارجية، والهدف من المعرض أن نخرج بهذه المنتجات من نطاقها المحلي الضيق، وأن نعطي المرأة المنتجة فرصة لكي ترى منتجها أمام الجمهور، وتعرف مستوى المنافسة، وتتعرف على احتياجات السوق، وفي الوقت نفسه نلفت الانتباه إلى ما يمتلكه الصعيد من منتجات وحرف يمكن تطويرها. وهنا أؤكد أن الحرف اليدوية ليست مجرد تراث نحافظ عليه، وإنما يمكن أن تكون نشاطًا اقتصاديًا حقيقيًا إذا تعاملنا معها بشكل صحيح.
س،- “رع”.. أطلقت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي السردية الوطنية للتنمية الشاملة: السياسات الداعمة للنمو والتشغيل، باعتبارها إطارًا عامًا يربط بين رؤية مصر 2030 والاستراتيجيات القطاعية، ويستهدف رفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، مع إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد.. كيف تنظرون إلى هذه السردية من واقع عمل هيئة تنمية الصعيد؟
أرى أن السردية الوطنية للتنمية الشاملة تضع إطارًا مهمًا للتنمية، لأنها لا تنظر إلى التنمية باعتبارها مشروعات منفصلة، وإنما تربط بين مجموعة من العناصر التي يجب أن تعمل معًا حتى يتحقق النمو الحقيقي، وعندما نتحدث عن رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية وزيادة مشاركة القطاع الخاص، فهذا يتقاطع بصورة كبيرة مع طبيعة العمل في هيئة تنمية الصعيد؛ لأننا في النهاية نريد أن نحول الموارد والإمكانات الموجودة في محافظات الصعيد إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل وقيمة مضافة. فنحن لا نستطيع أن نتعامل مع محافظات الصعيد كلها بالطريقة نفسها. كل محافظة لديها إمكانات مختلفة، ولذلك نحتاج إلى أن نعرف ما الذي تتميز به كل محافظة، وما الذي يمكن أن نبني عليه مشروعًا اقتصاديًا قابلًا للاستمرار.
فإذا كانت لدينا محافظة تتميز بمحصول معين، فلا ينبغي أن نتوقف عند إنتاج المحصول وبيعه في صورته الخام، وإنما نسأل: كيف يمكن أن نضيف إليه قيمة من خلال التصنيع؟ وإذا كانت هناك محافظة تتميز بحرفة أو نشاط معين، فكيف يمكن تطوير هذا النشاط وتحسين جودة المنتج وفتح أسواق أكبر أمامه؟ وهنا يأتي مفهوم الميزة التنافسية، ليس باعتباره مجرد تحديد لمنتج تتميز به المحافظة، وإنما باعتباره نقطة البداية لبناء نشاط اقتصادي متكامل حول هذه الميزة.
فالمشروع يحتاج إلى أرض ومرافق، ويحتاج إلى مستثمر جاد، ويحتاج إلى عمالة مدربة، ويحتاج إلى مواد خام، ثم يحتاج إلى سوق يستطيع أن يستوعب إنتاجه. وبالتالي لا يمكن أن نفصل عنصرًا عن الآخر. بالتالي، يمكن التأكيد على أن السردية الوطنية تركز أيضًا على القطاعات الأعلى إنتاجية والأكثر قدرة على النفاذ إلى الأسواق التصديرية، وهذه نقطة مهمة جدًا بالنسبة للصعيد؛ لأن لدينا منتجات وموارد يمكن تطويرها بحيث لا تظل قيمتها محصورة في السوق المحلية، وإنما يمكن أن تدخل في سلاسل إنتاج أكبر وتصل إلى أسواق خارجية عندما تتوافر لها القدرة التنافسية.
كما أن السردية تربط التنمية الاقتصادية بالتنمية البشرية وتحسين جودة الحياة. وهذا مهم لأن التنمية في الصعيد لا يمكن أن تكون مجرد إقامة مصنع أو مشروع، وإنما يجب أن يكون لها أثر مباشر على المواطن؛ من خلال فرص العمل، ورفع المهارات، وتحسين مستوى الدخل، وربط التعليم والتدريب باحتياجات المشروعات. ومن هنا يأتي اهتمامنا بفكرة أن يكون التعليم الفني مرتبطًا بالميزة التنافسية لكل محافظة. فإذا كنت أعرف أن منطقة معينة ستتوسع في صناعة محددة، فمن الطبيعي أن أعمل على توفير العمالة التي تستطيع تشغيل هذه الصناعة. ونجاح هذه الرؤية بالنسبة للصعيد يقاس بقدرتنا على الانتقال من مجرد امتلاك الموارد والإمكانات إلى اقتصاد منتج قادر على خلق فرص العمل والمنافسة والنمو المستدام.
س،- “رع”.. وثيقة سياسة ملكية الدولة أعادت طرح العلاقة بين دور الدولة والقطاع الخاص، كيف تنظرون إلى الوثيقة من واقع عمل هيئة تنمية الصعيد؟
هذه نقطة مهمة جدًا، لأن وثيقة سياسة ملكية الدولة في الأساس تحدد توجهات الدولة في عدد من القطاعات، وما الذي ستستمر الدولة في القيام به، وما الذي يمكن أن يخرج منه دور الدولة تدريجيًا لصالح القطاع الخاص. وبالتالي، بالنسبة لنا، الأهم هو أن يكون دور كل طرف واضحًا. إذا كنت سأقوم بدور معين من خلال هيئة تنمية الصعيد، فلا بد أن يكون هذا الدور واضحًا أمام الحكومة، وواضحًا أيضًا أمام المواطن في الصعيد، حتى نتحرك جميعًا في اتجاه واحد. لا يمكن أن أقول مثلًا إن الدولة ستخرج من قطاع معين، ثم أطلب من الهيئة أن تنشئ مشروعًا كبيرًا في القطاع نفسه، من دون أن يكون هناك تصور واضح لطبيعة الدور الذي ستقوم به الدولة، وما الذي يمكن أن يقوم به القطاع الخاص. لذلك نحن نحتاج إلى الاتفاق على الأدوار أولًا، ثم تحديد أين يمكن أن تكون الدولة موجودة، وأين يستطيع القطاع الخاص أن يدخل، وكيف يمكن للهيئة أن تساعد في خلق التنمية.
وأرى أن القطاع الخاص له دور أساسي في التنمية، لكن في الوقت نفسه، لا يعني إعطاء مساحة أكبر للقطاع الخاص أن الدولة تنسحب من دورها التنموي، وإنما يعني أن يكون لكل طرف دوره الواضح. الدولة يمكن أن تهيئ البيئة والبنية الأساسية وتضع الإطار المنظم، والقطاع الخاص يدخل في النشاط الذي يستطيع أن يقوم به بكفاءة، والهيئة يكون لها دورها في دفع التنمية في محافظات الصعيد. وفي هيئة تنمية الصعيد، هدفنا في النهاية أن نساعد على خلق منظومة تنموية متكاملة: نحدد الميزة التنافسية للمحافظة، ونحدد المشروع المناسب لها، ونهيئ البيئة اللازمة، ثم نترك مساحة للمستثمر الجاد لكي يقوم بدوره.

س،- “رع”.. وإذا كانت الدولة تتجه إلى إعطاء مساحة أكبر للقطاع الخاص، فما نوع المستثمر الذي يحتاجه الصعيد؟
نحن نحتاج إلى المستثمر الحقيقي، حيث هناك فرق بين شخص يأتي لكي يعمل ويقيم مشروعًا، وبين شخص يريد أن يحصل على الأرض ويحتفظ بها. فالمستثمر الحقيقي عندما يحصل على الأرض يريد أن يبدأ، لأنه سيدفع، وسيبني، وسيشتري المعدات، وسيشغل العمالة، وسيدفع الضرائب والرسوم، وسينتج ويبيع. أما أن يحصل على الأرض ثم يقوم بتجميدها، فهذا لا يحقق الهدف من التنمية. فالدولة أدركت هذه المشكلة، ولذلك ظهرت ضوابط تجعل الأرض مرتبطة بالتنفيذ، حتى لا تتحول إلى أصل للمضاربة، والصعيد تحديدًا يحتاج إلى المستثمر الذي يأتي لكي يعمل ويخلق دورة اقتصادية حقيقية.
س،- “رع”.. لكن المستثمر الجاد يبحث أولًا عن البيئة الاستثمارية.. فما الذي ينقص بعض المناطق في الصعيد؟
المرافق والتجهيز من أهم المشكلات التي تسعى الدولة لحلها في الفترة الأخيرة، فالمستثمر لا يريد فقط قطعة أرض. هو يريد أرضًا يستطيع أن يبدأ عليها فورً،. ويريد طرقًا ومياهًا وكهرباء وخدمات، ويريد أن يعرف كيف سينقل المواد الخام وكيف سيخرج المنتج. وهناك مشكلة تاريخية في طريقة التعامل مع بعض الأراضي الصناعية، لأن الأرض الصناعية يجب أن تكون مرتبطة بطبيعة النشاط والطرق ومصادر الخامات. إذا أعطيت المستثمر أرضًا بعيدة تمامًا عن البنية الأساسية، فسيتحمل تكلفة كبيرة قبل أن يبدأ الإنتاج، وبالتالي سيعيد حساباته، وهذا أحد أسباب أن بعض المستثمرين يفضلون المجتمعات العمرانية والمناطق الصناعية الأكثر جاهزية.

س،- “رع”.. تحدثتم عن ضرورة إعادة التفكير في خريطة الاستثمار.. هل لكل محافظة في الصعيد فعلًا ميزة تنافسية مختلفة؟
بالتأكيد، فمنذ أن تولية مسئولية الهيئة أعمل على رسم صورة أوضح لكل محافظة. فكل محافظة لديها ميزة، بل إنني أقول إن الأمر لا يتوقف عند المحافظة؛ فكل مركز يمكن أن تكون لديه ميزة تنافسية، وحتى بعض القرى يمكن أن تكون لها خصوصيتها.
لدينا مثلًا صورة بدأت تتشكل: هناك محافظات مرتبطة بالبصل، وأخرى بالرمان، وأخرى بقصب السكر، وهناك الفخار والحرف المختلفة، فالفكرة أنني لا أريد أن أضع مصنعًا في مكان لمجرد أن لدي أرضًا. نريد أن أعرف: ماذا ينتج هذا المكان؟ وما الذي يستطيع أن ينتجه بكفاءة؟ ثم أبني المشروع على هذا الأساس.
س،- “رع”.. سيادة اللواء عمرو مصطفى، هل يعني ذلك أنكم تسعون إلى أن يكون لكل محافظة هوية اقتصادية واضحة؟
نعم، وهذا هو المطلوب. في العالم تجد مناطق معروفة بصناعة معينة، أو منتج معين، وتصبح هذه الصناعة جزءًا من هوية المنطقة. نحن نريد أن نصل إلى هذا في الصعيد. إذا كانت محافظة لديها ميزة في محصول معين، فلا نكتفي بزراعة المحصول وبيعه خامًا، وإنما ننظر إلى التصنيع المرتبط به. وإذا كانت هناك منطقة لديها حرفة معينة، نطور الحرفة ونرفع جودة المنتج ونخلق سوقًا له. وبالتالي تصبح الميزة التنافسية وسيلة لجذب المستثمر، وليست مجرد معلومة على الورق.
س،- “رع”.. إذا كانت الميزة التنافسية هي نقطة البداية، فكيف تتحول إلى مشروع استثماري حقيقي، خصوصًا عندما يرتبط الاستثمار بمنتج زراعي موسمي؟
لابد من دراسة الموضوع بالكامل قبل اتخاذ قرار إنشاء المشروع؛ فإذا قلت لك إن هناك محصولًا معينًا تتميز به منطقة ما، فهذا لا يعني مباشرة أنني سأقيم مصنعًا لهذا المحصول، وإنما يجب أن أدرس دورة المشروع بالكامل. فلابد أولًا أن أعرف كمية الإنتاج، وموسمية الإنتاج، وكيف سأتعامل مع المحصول خلال فترة الموسم وبعد انتهائه، وكيف سيتم التخزين، ومن سيشتري المنتج، وما حجم السوق، وما العمالة المطلوبة، وهل العمالة الموجودة في المنطقة لديها المهارات التي يحتاجها المشروع أم تحتاج إلى تدريب. وهنا أضرب مثالًا بالرمان؛ فإذا أنشأت مصنعًا يعتمد على الرمان فقط، فالرمان محصول موسمي، وبالتالي سيعمل المصنع خلال فترة محددة من العام، والسؤال هنا: ماذا سيفعل المصنع في باقي السنة؟
أبدأ أسأل: هل يمكن أن أدخل فواكه أخرى إلى دورة الإنتاج؟ وإذا دخلت أنواعًا أخرى، فكل نوع قد يحتاج إلى تجهيزات وخط إنتاج مختلفة، وبالتالي قد يصبح خط الإنتاج أكثر تعقيدًا وضخامة وتكلفة. ولو قلت إنني سأنتج مركزات الرمان، فالمركزات يمكن أن تساعدني في استمرار المنتج لفترة أطول، لكنني في هذه الحالة سأحتاج إلى تخزين المحصول، وبالتالي سأحتاج إلى ثلاجات، وهذه تكلفة إضافية يجب أن تدخل في دراسة المشروع منذ البداية.
س،- “رع”.. سيادة اللواء، لكن المصنع يمكن أن يخلق بدوره طلبًا جديدًا على المحصول، كيف يحدث ذلك؟
بمجرد أن يصبح هناك مصنع يحتاج إلى محصول معين، يبدأ المزارع في معرفة أن هناك سوقًا أمامه. وبالتالي يمكن أن ترتفع القيمة الاقتصادية للمحصول. لكن هنا يجب أن نكون حذرين، لأن ارتفاع الطلب يمكن أن يرفع السعر، وهذا جيد للمزارع، لكنه في الوقت نفسه قد يرفع تكلفة المصنع.
ولذلك يجب أن تتم دراسة المشروع بشكل دقيق حتى يستطيع المستثمر تحمل المخاطر. المطلوب ليس أن نقيم مصنعًا فقط، وإنما أن نبني سلسلة اقتصادية متكاملة.
س،- “رع”.. من المحاصيل التي تعتبر إحدى المزايا التنافسية للصعيد قصب السكر.. كيف تعمل الهيئة على تطوير زراعته، خصوصًا في ظل توجه الدولة إلى ترشيد استهلاك المياه وزيادة إنتاجية الفدان؟
قصب السكر من المحاصيل المهمة جدًا في الصعيد، وهو مثال واضح على فكرة الميزة التنافسية التي نتحدث عنها؛ وقصب السكر تحديدًا لا نتعامل معه باعتباره مجرد محصول زراعي، وإنما باعتباره جزءًا من سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من الشتلة والزراعة، ثم الإنتاج، ثم التصنيع، وصولًا إلى المنتجات المرتبطة بصناعة السكر.
ولذلك كان من المهم أن نعمل على تطوير طريقة زراعة القصب نفسها، خصوصًا فيما يتعلق باستخدام الشتلات المعتمدة، لأن الهدف هو زيادة الإنتاجية مع ترشيد استخدام المياه وخفض تكلفة الإنتاج وتحسين العائد بالنسبة للمزارع. وفي هذا الإطار، نفذت الهيئة المشروع القومي لإنتاج شتلات قصب السكر المعتمدة بمدينة كوم أمبو بمحافظة أسوان، وهو مشروع انتهت الهيئة من إنشائه وتم تسليمه إلى وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي. والمشروع يستهدف دعم التوجه نحو زراعة القصب بنظام الشتلات، بما يساعد على زيادة إنتاجية الفدان وترشيد استهلاك المياه.
وهناك أيضًا محطة إنتاج شتلات قصب السكر بقرية المراشدة التابعة لمركز الوقف بمحافظة قنا، وهي مقامة على مساحة 30 فدانًا. وقد تم الانتهاء من المرحلة الأولى، بينما تستهدف المراحل التالية استكمال الحضانات والصوب الزراعية للوصول إلى الطاقة الإنتاجية المستهدفة التي تبلغ نحو 24 مليون شتلة سنويًا. فالفكرة هنا ليست فقط إنتاج الشتلات، وإنما أن نغير طريقة التعامل مع المحصول من البداية. عندما تكون لدينا شتلات جيدة ومعتمدة، ونستخدم أساليب زراعة أكثر كفاءة، نستطيع أن نرفع إنتاجية الأرض ونقلل استهلاك المياه وتكاليف الزراعة.
فقصب السكر وفقًا لدراسات أجرتها هيئة تنمية الصعيد له أهمية خاصة في قنا؛ فالمحافظة تضم ثلاثة مصانع رئيسية للسكر في نجع حمادي ودشنا وقوص، وتبلغ المساحة المزروعة بالقصب فيها نحو 120 ألف فدان، بما يمثل حوالي 35% من إجمالي المساحة المزروعة بالقصب في مصر، وتنتج نحو 3 ملايين طن من القصب الخام، بما يعادل نحو 300 ألف طن من السكر.
وهنا أشير إلى أن هدف هذه المشروعات التي تعمل عليها الهيئة في هذا الملف: تطوير الزراعة من بدايتها، وتحسين جودة الشتلات، وزيادة الإنتاجية، وترشيد المياه، ثم ربط ذلك بباقي سلسلة القيمة الخاصة بقصب السكر.
س،- “رع”.. سيادة اللواء عمرو، من بين المشروعات التي تنفذها الهيئة مشروع زراعة الجوجوبا على مساحة 3000 فدان بمحافظة البحر الأحمر، لماذا وقع الاختيار على الجوجوبا تحديدًا، وكيف تتم إدارة ومتابعة هذا المشروع؟
مشروع زراعة الجوجوبا على مساحة 3000 فدان في البحر الأحمر جاء في إطار الاستفادة من طبيعة المنطقة واختيار محصول له جدوى اقتصادية. والجوجوبا من المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، ويصل سعر الطن إلى نحو 120 ألف جنيه تقريبًا، وبالتالي نحن نتحدث عن محصول يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا جيدًا.
ومن أهم ما يميز الجوجوبا أيضًا أنه ليس محصولًا قصير الأجل؛ فالإنتاج يبدأ بعد نحو 5 سنوات من الزراعة، وبعد أول حصاد يمكن أن تستمر الشجيرات في الإنتاج لفترات طويلة تصل إلى نحو 100 عام. وبالتالي نحن لا ننظر إلى المشروع باعتباره استثمارًا لموسم أو عدة مواسم فقط، وإنما كاستثمار زراعي طويل الأجل يمكن أن يستمر في تحقيق عائد من الأرض لفترة طويلة.
وفي الوقت نفسه، عندما نتحدث عن مساحة تصل إلى 3000 فدان، فإن الإدارة والمتابعة تصبحان جزءًا أساسيًا من نجاح المشروع. لذلك نستخدم نظامًا قائمًا على الاشتراك في خدمة من الشركة الأم، نحصل من خلالها على بيانات تساعدنا في متابعة حالة المحصول والإنتاجية. نحن نحتاج إلى أن نعرف بصورة مستمرة ما حالة النباتات، وكيف تسير الإنتاجية، وهل توجد مشكلة في جزء من المساحة، وهل الإنتاج يسير وفق المستهدف. وهذا النوع من المتابعة مهم جدًا في مشروع بهذا الحجم، لأننا لا نستطيع الاعتماد فقط على المتابعة التقليدية.

س،- “رع”.. في إطار البحث عن فرص جديدة للتنمية داخل محافظات الصعيد، كيف تنظرون إلى الموارد التي لا تُستغل اقتصاديًا بالشكل الكافي؟
هذا جزء مهم جدًا من فلسفة العمل؛ لأن التنمية ليست فقط أن نبحث عن الموارد التي لها قيمة اقتصادية بالفعل، وإنما أن نبحث أيضًا عن الأشياء الموجودة حولنا والتي لم نكتشف قيمتها الاقتصادية بعد.
لدينا مثال واضح على ذلك في مخلفات النخيل في الوادي الجديد. هذه المخلفات كانت في السابق لا تحقق قيمة اقتصادية كبيرة، وفي بعض الحالات كان يتم التخلص منها بالحرق، وبالتالي كانت تمثل مشكلة أكثر من كونها موردًا، لكن مع وجود مشروع يستطيع الاستفادة منها وتصنيعها، تغيرت المعادلة تمامًا. أصبح هناك طلب على هذه المخلفات، وأصبح لها سعر، وتحولت من شيء يتم التخلص منه إلى مادة خام لها قيمة اقتصادية.
وهنا تظهر أهمية الصناعة؛ فهي لا تكتفي باستغلال الموارد الموجودة، وإنما تستطيع أن تخلق سوقًا جديدة لمورد لم يكن له سوق من الأساس. هذه هي الطريقة التي نريد أن ننظر بها إلى التنمية؛ أن نحول الموارد المحلية، حتى التي تبدو في البداية محدودة القيمة، إلى مشروعات توفر دخلًا وفرص عمل وتخلق دورة اقتصادية داخل المحافظة.
س،- “رع”.. الرئيس عبدالفتاح السيسي يتحدث عن ضرورة تعظيم العائد من الاستثمارات العامة.. كيف تقيسون نجاح المشروع الذي تنفذه الهيئة؟
لا أقيس النجاح فقط بأنني بنيت مصنعًا، السؤال الحقيقي هو: هل المصنع يعمل؟ هل يشغل عمالة؟ هل يشتري خامات؟ هل ينتج؟ هل يبيع؟ هل يحقق قيمة مضافة؟
لو أنشأت مبنى وأنفقت عليه أموالًا لكنه لا يعمل، فلا أستطيع أن أقول إنني حققت التنمية. فالتنمية الحقيقية عندما تتحول الأموال التي أنفقتها إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخل، والدخل إلى فرص عمل، ويستمر المشروع.
س،- “رع”.. كيف تقيّمون ما بدأته الهيئة من ملفات ومشروعات سابقة، وكيف تحددون ما يستحق الاستكمال وما يحتاج إلى الانتقال إلى أولويات جديدة؟
بالتأكيد نحن لا نبدأ من الصفر، ولا يمكن أن يكون الهدف هو ترك الملفات التي بدأت فيها الهيئة لمجرد أننا نريد فتح ملفات جديدة. هناك ملفات قديمة ما زلنا نعمل عليها حتى نصل بها إلى نهايتها ونغلقها بالشكل المطلوب، وفي الوقت نفسه نفتح ملفات جديدة تحتاج إلى تدخل في المرحلة الحالية.
أنا أؤمن أن العمل المؤسسي لابد أن يكون قائمًا على التراكم؛ بمعنى أن ما بدأه السابقون لا يتم إهداره، وإنما يتم استكماله وتقييم ما تحقق فيه، ثم نحدد ما الذي ما زال يحتاج إلى عمل، وما الذي وصل إلى المرحلة التي يمكن عندها إنهاؤه.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نظل أسرى للملفات القديمة فقط، لأن احتياجات التنمية تتغير، وهناك مشكلات وفرص جديدة تظهر، وبالتالي لابد أن يكون لدينا دائمًا توازن بين استكمال ما بدأناه وفتح مسارات جديدة للعمل. وبالتالي نحن نعمل على إنهاء الملفات التي تحتاج إلى استكمال، والاستفادة مما تحقق فيها، ثم الانتقال إلى الملفات الجديدة وفق الأولويات والاحتياجات الفعلية للصعيد. الهدف في النهاية أن يكون هناك تراكم حقيقي في عمل الهيئة، بحيث كل مرحلة تبني على المرحلة التي سبقتها، وليس مجرد تغيير للمشروعات أو تكرار لما تم عمله من قبل.
س،- “رع”.. سيادة اللواء عمرو، ما الرسالة التي تريدون إيصالها للمستثمر الذي يفكر في الصعيد؟
رسالتي للمستثمر أن الصعيد لديه إمكانات حقيقية يمكن أن تتحول إلى فرص استثمارية ناجحة، لكن المستثمر الذي نبحث عنه هو المستثمر الجاد الذي يأتي بهدف إقامة مشروع وتشغيله والإنتاج، وليس الحصول على الأرض والاحتفاظ بها أو التعامل معها باعتبارها أصلًا للمضاربة. نحن نريد أن نساعد المستثمر على الوصول إلى المشروع المناسب للمكان المناسب. ولذلك لا ننظر فقط إلى قطعة الأرض، وإنما إلى ما حولها: المرافق، والطرق، والمواد الخام، والعمالة، والتدريب، والسوق، وإمكانية التوسع والتصنيع والتسويق.
فالصعيد لديه ميزات تنافسية كثيرة، سواء في الزراعة أو الحرف والصناعات المحلية أو الموارد الطبيعية، لكن المطلوب هو تحويل هذه المزايا إلى مشروعات اقتصادية حقيقية. فإذا كانت محافظة تتميز بمحصول معين، فمن الأفضل أن نبحث عن التصنيع المرتبط بهذا المحصول، وإذا كانت منطقة لديها حرفة مميزة، فيمكن تطويرها ورفع جودة منتجاتها وفتح أسواق جديدة لها.
وفي المقابل، نحن نحتاج إلى المستثمر الذي ينظر إلى المدى الطويل؛ لأن المشروع الناجح يقوم على دراسة كاملة لدورة الإنتاج، من توفير الخامات والعمالة وحتى الوصول إلى المستهلك والسوق.

س،- “رع”.. سيادة اللواء في النهاية نكون قد وصلنا للسؤال الأهم، وهو: كيف ترى هيئة تنمية الصعيد بعد عشر سنوات؟
أتمنى أن نصل إلى مرحلة لا نتحدث فيها عن الصعيد باعتباره منطقة تحتاج إلى تنمية، وإنما باعتباره منطقة منتجة. وأريد أن يكون لكل محافظة صورة اقتصادية واضحة، حيث نعرف هذه المحافظة ماذا تنتج، وهذه ماذا تصنع، وهذه لديها أي حرفة، وأين يمكن أن يأتي المستثمر. كما أريد أيضًا أن تكون هناك سلاسل إنتاج حقيقية، تبدأ من الأرض أو الخامة، ثم تدخل الصناعة، ثم تصل إلى السوق.







