النيل ليس مجرد ماء.. إثيوبيا تفتح باب السدود الجديدة ومصر أمام اختبار جديد

هناك أخبار تمر علينا فنقرأها ثم ننساها، وهناك أخبار يجب ألا نسمح لها بأن تمر مرور الكرام؛ لأنها تحمل في داخلها مؤشرات لما يمكن أن يحدث غداً، ومن هذا النوع جاءت التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن التوجه لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، بعد سنوات طويلة من أزمة سد النهضة، التي لم تعد مجرد خلاف فني حول سد، وإنما أصبحت واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المصرية الإثيوبية.
وبحسب ما أعلنته إثيوبيا، فإن المشروعات الجديدة تشمل سدود كارادوبي وماندايا وبيكو آبو، باستثمارات تتخطى مليار دولار أمريكي، وتستهدف بالأساس إنتاج الطاقة الكهرومائية، في إطار رؤية إثيوبية أوسع لتطوير مواردها المائية والطاقة.
وقد يرى البعض أن إثيوبيا من حقها أن تبحث عن الكهرباء والتنمية، وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على مصر ليس: هل من حق إثيوبيا أن تتنمى؟ السؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن تتم التنمية في دولة منبع دون أن يكون لها تأثير على حقوق ومصالح دول المصب؟ وهنا تبدأ القضية الحقيقية.
من سد النهضة إلى منظومة سدود •• هل تغيرت قواعد اللعبة؟
عندما بدأ الحديث عن سد النهضة، كان التعامل معه باعتباره مشروعاً واحداً، وكان الخلاف يدور حول فترة الملء وقواعد التشغيل وتأثير ذلك على مصر والسودان.
أما اليوم، فإن الحديث عن سدود أخرى يجعلنا أمام سؤال مختلف تماماً: ماذا لو أصبح النيل الأزرق أمام سلسلة من المنشآت المائية، لكل منها وظيفة، ولكنها تعمل في النهاية داخل حوض مائي واحد؟
لا أقول إن كل سد جديد يمثل خطراً تلقائياً على مصر، ولا أرى أن من الحكمة إطلاق أحكام نهائية قبل معرفة الدراسات والتصميمات وقواعد التشغيل، لكنني أقول إن مصر لا تملك رفاهية الانتظار حتى تكتمل الصورة ثم تبدأ في البحث عن حلول؛ فالسياسة الرشيدة لا تنتظر وقوع المشكلة حتى تبدأ في التفكير فيها.
نحن لا نعادي التنمية الإثيوبية •• ولكننا لا نقبل أن ندفع ثمنها
أعتقد أن هذه الجملة يجب أن تكون عنوان الموقف المصري كله. إثيوبيا دولة إفريقية كبيرة، ولها شعب من حقه أن يعيش حياة أفضل، وأن يحصل على الكهرباء، وأن يبني اقتصاده ويستثمر موارده، ومصر لا يجب أن تكون ضد ذلك، لكن التنمية لا تعني أن يمتلك طرف واحد القرار في مورد تتشارك فيه عدة دول.
النيل الأزرق يبدأ من إثيوبيا، لكنه لا ينتهي عند الحدود الإثيوبية، والماء الذي يمر من إثيوبيا يصل إلى السودان ثم مصر، وبالتالي فإن أي تغيير جوهري في طريقة إدارة المياه يمكن أن تكون له آثار تتجاوز حدود الدولة التي أقامت المشروع. وهنا يأتي دور القانون والعقل والتفاوض. حق التنمية يقابله حق الحياة، والحل ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن نجد صيغة تحقق التنمية وتحفظ الحقوق في الوقت نفسه.
أخطر ما في القضية ليس السد •• وإنما ما بعد السد
في تقديري، هذه هي النقطة التي يجب أن تحظى بأكبر قدر من الاهتمام؛ فالسد في حد ذاته منشأة هندسية، لكن طريقة تشغيله هي التي تحدد تأثيره. وهنا يجب أن تسأل مصر منذ الآن: كيف ستعمل السدود الجديدة إذا تم تنفيذها؟ كيف سيتم التنسيق بينها وبين سد النهضة؟ ماذا سيحدث في سنوات الجفاف؟ هل توجد قواعد واضحة لتبادل المعلومات؟ هل توجد آلية للتعامل مع الظروف الاستثنائية؟ وهل هناك التزام قانوني يمنع اتخاذ قرارات منفردة يمكن أن تؤثر في دول المصب؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي أسئلة طبيعية بين دول تشترك في مورد مائي واحد.
لا نريد معركة تصريحات نريد معركة معلومات:
من أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننجر إلى استنتاجات إعلامية كلما خرج مسؤول إثيوبي بتصريح. مسؤول إثيوبي يقول شيئاً، فيرد عليه مسؤول مصري، ثم يدخل الإعلام، ثم مواقع التواصل، ثم تتحول القضية إلى حالة من الغضب الشعبي، وفي النهاية ماذا تغير؟ لا شيء.
لذلك أرى أن مصر يجب أن تنتقل من الرد على التصريحات إلى جمع المعلومات. كل مشروع جديد يجب أن تكون أمامنا تفاصيله: موقعه، ووظيفته، وحجمه، وموعده، ومصادر تمويله، وآثاره المحتملة، وعلاقته بالمشروعات الأخرى، وما الذي يعنيه لمصر والسودان. هذه هي لغة الدول.
(*) الحل الأول: أن نعرف ما الذي سيحدث قبل أن يحدث. وهنا أقترح أن يكون لدينا جهاز أو مركز وطني متخصص يتابع كل ما يتعلق بالنيل الأزرق ودول المنبع، ويعمل بصورة مستمرة وليس وقت الأزمات. ليس مركزاً للضجيج الإعلامي، وإنما مركزاً للمعلومة، يرصد المشروعات، ويتابع الدراسات، ويحلل التصريحات، ويتابع التمويل الدولي، ويراقب التطورات المناخية، ويقدم لصانع القرار سيناريوهات واضحة.
فإذا عرفنا ما الذي يمكن أن يحدث خلال خمس سنوات أو عشر سنوات، نستطيع أن نستعد له من الآن. أما أن ننتظر حتى يصبح المشروع واقعاً ثم نسأل: ماذا نفعل؟ فهذه ليست إدارة استراتيجية.
(*) الحل الثاني: تحويل ملف النيل إلى مشروع مصري إفريقي. هناك خطأ يجب أن نتجنبه؛ لا ينبغي أن نترك القضية تظهر أمام العالم باعتبارها خلافاً مصرياً إثيوبياً فقط. النيل قضية إفريقية، ومصر دولة إفريقية، والسودان دولة إفريقية، وإثيوبيا دولة إفريقية، ودول حوض النيل كلها معنية بأن يكون هناك نموذج للتعاون، وليس نموذجاً للصراع.
ومن هنا تستطيع مصر أن تطرح مبادرة أوسع، مبادرة إفريقية لإدارة الأنهار المشتركة، تقوم على مبدأ بسيط: لا دولة تمنع دولة من التنمية، ولا دولة تمارس التنمية بطريقة تضر بجيرانها. وهكذا تتحول مصر من طرف يدافع عن نفسه إلى طرف يقود نقاشاً إفريقياً أوسع، وهذه في رأيي قوة سياسية حقيقية.
(*) الحل الثالث: السودان ليس هامشاً في المعادلة. لا يمكن أن تكون هناك استراتيجية مصرية ناجحة للنيل بدون السودان. السودان هو الأقرب جغرافياً إلى السدود الإثيوبية، وهو أول دولة مصب تتأثر بما يحدث على النيل الأزرق. ومن هنا فإن استقرار السودان وتماسك مؤسساته ودعم قدرته على حماية مصالحه ليست قضية منفصلة عن الأمن المصري. نحن لا نتحدث عن تحالف ضد أحد، بل عن تنسيق طبيعي بين دولتين تشتركان في مورد واحد ومصالح مشتركة.
(*) الحل الرابع: القانون يجب أن يكون حاضراً قبل الأزمة. القانون الدولي ليس سيفاً سحرياً أو عصا موسى تحل كل شيء، لكنه أحد أهم أدوات الدولة عندما يكون مدعوماً بالمعلومات والوثائق والتحرك السياسي. ولذلك يجب على مصر أن تحتفظ بملف قانوني متكامل ومحدَّث لكل مشروع مائي جديد في النيل الأزرق. كل تصريح، وكل دراسة، وكل اتفاق، وكل مناقصة، وكل إعلان رسمي، وكل مشروع تمويل يجب أن يكون موثقاً، حتى لا نبدأ من الصفر عند كل أزمة. الدولة التي تملك الوثيقة تملك جزءاً مهماً من حجتها.
(*) الحل الخامس: أقوى رد على أي ضغط مائي هو أن نقوي أنفسنا. لا يمكن أن يكون مستقبل مصر المائي مرهوناً بالكامل بما يحدث خارج حدودها، وهنا يجب أن نستمر في بناء قوة مائية داخلية حقيقية. نحن بحاجة إلى كل قطرة ماء: إعادة استخدام المياه، وتحلية مياه البحر، وتطوير الري، وتقليل الفاقد، وتغيير بعض أنماط الزراعة، والتوسع في المحاصيل التي تحتاج إلى مياه أقل حيث يكون ذلك مناسباً، وتطوير التكنولوجيا المصرية في مجال المياه.
هذه ليست حلولاً بديلة عن حماية حقوق مصر في النيل، بل هي جزء من حماية هذه الحقوق؛ فكلما أصبحت مصر أكثر كفاءة في إدارة مياهها، أصبحت أكثر قدرة على مواجهة أي ظروف مستقبلية.
(*) الحل السادس: لا تجعلوا المواطن يعيش في حالة رعب. هناك جانب اجتماعي مهم للغاية. يجب أن نكون صريحين مع المواطن المصري، ولكن دون تخويف. لا يصح أن يتحول كل تصريح إثيوبي إلى عنوان يقول إن مصر ستعطش غداً. هذا الكلام يضر أكثر مما ينفع. المواطن يحتاج إلى معرفة الحقيقة، وليس إلى حالة من الهلع، والحقيقة أن مصر لديها مؤسسات وخبرات ومشروعات مائية وقدرات كبيرة، لكنها في الوقت نفسه أمام قضية تحتاج إلى متابعة مستمرة واستعداد طويل المدى.
وهنا يجب أن يقوم الإعلام بدوره في التوعية لا التخويف. وماذا عن احتمال التصعيد؟ لا أعتقد أن من الحكمة أن تتحول قضية سدود النيل إلى مزايدات عسكرية في وسائل الإعلام. القرارات الكبرى للدول لا تُتخذ تحت ضغط الجمهور أو مواقع التواصل، ولا ينبغي أن نسمح لأي تصريح مستفز بأن يدفعنا إلى رد فعل غير محسوب. القوة الحقيقية ليست في أن نعلن ماذا سنفعل. القوة الحقيقية أن تكون الدولة قادرة على حماية مصالحها عندما تتطلب الظروف ذلك، دون أن تكشف كل أوراقها، وهذه قاعدة أعرفها جيداً بحكم خبرتي العسكرية. الردع الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج.
درس مهم من تجربة سد النهضة:
أعتقد أن التجربة كلها أعطتنا درساً لا يجب أن ننساه. الأزمات الاستراتيجية لا تبدأ عندما تصبح على شاشات التلفزيون، هي تبدأ قبل ذلك بسنوات؛ تبدأ بفكرة، ثم دراسة، ثم تخطيط، ثم تمويل، ثم تنفيذ، ثم يصبح الأمر واقعاً. ومن هنا فإن الدرس الأهم لمصر هو: (راقب مبكراً وخطط مبكراً وتحرك مبكراً).
مصر تحتاج إلى استراتيجية مائية لا إلى رد فعل مائي:
وهنا أصل إلى النقطة الأهم. أعتقد أن الوقت قد حان لوضع استراتيجية مصرية بعيدة المدى للأمن المائي تمتد إلى عام 2050، ولا تكون مرتبطة بشخص أو حكومة أو أزمة. استراتيجية تعرف: ماذا نريد؟ وما هي حقوقنا؟ وما هي المخاطر؟ وما هي البدائل؟ ومن هم شركاؤنا؟ وكيف نتحرك إفريقياً؟ وكيف نتحرك قانونياً؟ وكيف نحمي الداخل المصري؟ وكيف نستعد لسنوات الجفاف؟ وكيف نستخدم التكنولوجيا؟ وكيف نحول المياه من مصدر للقلق إلى مجال للقوة والتقدم؟
في النهاية، أنا لا أرى أن مصر أمام معركة يجب أن نخوضها غداً، ولكنني أرى أننا أمام اختبار جديد للعقل المصري في إدارة قضية من أخطر قضايا الأمن القومي، ولا أعتقد أن أفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نغضب من التصريحات الإثيوبية. الأفضل أن نفهمها، ثم ندرسها، ثم نبني على أساسها، ثم نتحرك سياسياً وقانونياً وإفريقياً، وإذا احتاج الأمر إلى موقف أكثر حزماً، فليكن موقف دولة تعرف ماذا تريد ولا تتحرك تحت تأثير الانفعال.
إثيوبيا من حقها أن تبحث عن التنمية، ومصر من حقها أن تحمي أمنها المائي، والسودان من حقه أن يطمئن على مصالحه، والشعوب الثلاثة من حقها أن تعيش بعيداً عن الصراع. إذن لماذا لا يكون الحل في قاعدة بسيطة: تنمية بلا إضرار، وتعاون بلا هيمنة، واتفاق بلا فرض للأمر الواقع؟
هذه هي المعادلة التي يجب أن تسعى إليها مصر؛ فالنيل ليس ملكاً لدولة وحدها، وليس ورقة سياسية، وليس مجرد رقم في تقارير المياه. النيل بالنسبة لمصر حياة وطن، وحماية حياة الوطن لا تعني أن نبحث عن الحرب، بل تعني أن نمتلك الحكمة التي تمنع الحرب، والقوة التي تحمي الحقوق، والدبلوماسية التي تفتح الأبواب، والعلم الذي يكشف المخاطر قبل وقوعها.
فإنني أؤمن أن مصر لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها حتى يسمعها الآخرون، يكفي أن تكون واضحة وثابتة ومستعدة وقادرة، وهكذا تُدار الدول القوية أزماتها.