محددات الموقف الباكستاني من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

اتجهت باكستان للعب دور الوسيط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مع استمرار تعقد الصراع واتساع نطاق أضراره، وهو ما أتى بالتنسيق مع مختلف دول الإقليم اعتمادًا على تبادل اللقاءات إلى جانب التباحث مع أطراف الأزمة، للقيام بدور الوساطة الفاعلة وتعزيز جهود إنهاء الحرب، وهو ما تحقق فعليًا مع تقديم المقترح الأمريكي المُكون من 15 نقطة إلى الجانب الإيراني، الذي رأته طهران غير ملائمًا لتطلعاتها.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي ملامح الدور الباكستاني خلال فترة الحرب، اعتمادًا على قراءة الداخل، وبناءًا على جهود الوساطة الفاعلة لإسلام آباد، إضافة إلى إيضاح دوافع سلوك الدولة سواء كانت اقتصادية أو استراتيجية.
طبيعة الدور
ينبني السلوك الباكستاني بتلك الفترة على جانبين كلاهما بالغ الأهمية، الأول يتأثر بالتفاعلات الداخلية، والثاني يأتي نتاجًا لمدى أهمية السعي لتعزيز التوافق الإقليمي، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:
(&) بيئة حاكمة: تحكم الجغرافيا على باكستان بكونها طرف أساسي بمعادلة الحرب الحالية، في ظل الحدود المجاورة بينها وبين إيران، التي تنعكس على طبيعة التكوين الاجتماعي لها، وهو ما أفرز توترات بالداخل الباكستاني يمكن قرأتها من خلال ثلاث مشاهد، أولها كانت الاحتجاجات بمدينة كراتشي لاقتحام قنصلية الولايات المتحدة بالمدينة عقب بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، والتي أدت لمقتل 9 مواطنين، وثانيها التصريحات الحادة لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير خلال لقائه مع شخصيات وعلماء من الشيعة وجه فيها تهديدًا صريحًا لكل من يُبدي تعاطفًا مع طهران، ومؤكدًا ضرورة دعم السعودية باعتبارها أقرب الحلفاء للدولة، وهو ما أفرز عاملًا ثالثًا، المتمثل في خروج مظاهرات بمدينة سكردو في إقليم جلجت بلتستان، ومدينة جنك بإقليم البنجاب لتؤكد احتجاج المكون الشيعي على اغتيال المرشد الإيراني والحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران، مع التحذير من الفتنة الداخلية التي قد تنشب في أي لحظة.
ولذلك فمن المؤكد أن طبيعة الحرب الجارية تفرض على باكستان لعب دور محوري من أجل الحفاظ على الاستقرار الداخلي، ودعم التهدئة الإقليمية لما لها من تأثيرات إيجابية مباشرة على الوضع الداخلي للدولة.
(&) وساطة محورية: اعتمدت الدولة الباكستانية على طرفين فاعلين إقليميًا ودوليًا وهما قائد الجيش عاصم منير، ووزارة الخارجية، لبناء توجه الدولة خلال الحرب الجارية. وبقراءة توجه عاصم منير، نجد أن المستخلص من رسائله هو تأكيد الدعم المطلق للملكة العربية السعودية في ظل الضربات الإيرانية المتتالية على أراضي المملكة منذ بداية الحرب، مع إبراز مدى أهمية دعم جهود التهدئة بالفترة الحالية، في ظل الانعكاسات التي تأتي نتاجًا للحرب، على الداخل الباكستاني المُكون من طوائف دينية متباينة قد تسعى لاستغلال الأزمة للحصول على مكتسبات أو إثارة التوترات بالداخل. وقد بُني توجه إسلام آباد على إدراك أنه لا مفر من تأكيد دعم منطقة الخليج في ظل الدعم الاقتصادي الضخم من مختلف دولها، ولا سيما كلًا من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وعلى الجانب الآخر، تلعب الخارجية الباكستانية دورًا بارزًا بالفترة الحالية، ينبني على ثلاثة أركان، وهي على الترتيب: بناء قنوات تواصل مع مختلف الأطراف بداية من الولايات المتحدة الأمريكية حتى المسؤولين الإيرانيين الفاعليين بالفترة الحالية إضافة لدول الخليج ومصر وتركيا والأردن، وتخفيف حدة تصعيد الأزمة في ظل تشبث كل طرف بمطالبه وهو ما يزيد من تفاقم التوترات، ودعم جهود التهدئة من خلال بناء هيكل وساطة إقليمية ينبني على القوى الإقليمية الفاعلة المُتمتعة باستقرار نسبي، مع عدم كونها طرف أساسي في الحرب الجارية، وهو ما قد يؤدي إلى التوصل لحل مرضي بالفترة القادمة اعتمادًا على إسلام آباد كنقطة تلاقي لكافة الأطراف.
دوافع السلوك الباكستاني
تلعب التوترات الداخلية دورًا بالغ الأهمية في طبيعة تحركات باكستان إقليميًا، لا سيما إن كانت تستهدف بناء توازن يصعب تحقيقه في ظل الأزمات الاقتصادية التي تحيط بها، بالتوازي مع وجود موقف استراتيجي حرج، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:
(*) المحددات الداخلية: يُعد الوضع الداخلي لباكستان شديد التعقيد، في ظل ما تعانيه من أزمات داخلية تحيط بتماسك الدولة، على رأسها تداعيات الحرب على المكون الشيعي الداخلي، والمتقاطع مع التوترات الباكستانية الأفغانية مؤخرًا، كنتيجة لدعم الأخيرة لحركة طالبان الباكستانية المُستخدمة كأداة لإثارة الأزمات داخل حدود الدولة، وتؤوي الأراضي الأفغانية حركة “جيش تحرير بلوشستان” الانفصالية، والتي قد تستغل الوضع الراهن في إيران لفتح جبهة مزدوجة ضد الحكومة الباكستانية، نتيجة لضعف الرقابة على الحدود بينهما، ما يؤدي بالضرورة إلى تصعيد نطاق العمليات العسكرية لجيش بلوشستان الذي من الممكن أن يرى الحرب الحالية كفرصة لمضاعفة مكتسباته السياسية.
(*) التوازن الإقليمي: بالنظر إلى موقف الدولة الحرج، نجد أنها تأتي كأول المتضررين إن واجهت طهران خطر الانهيار، لما لذلك من تأثير على أمن الحدود كجزء من تداعيات أخرى أكثر عمقًا. وعلى الرغم من ذلك، ليس من المرغوب للسلطات الباكستانية أن تستمر إيران في توسيع قواعد الاشتباك في ظل ما يعنيه ذلك من اعتداءات على دول منطقة الخليج، لا سيما المملكة العربية السعودية بشكل خاص نظرًا لارتباط الطرفين بعلاقات تاريخية وثيقة تُوجت بتوقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك في سبتمبر 2025.
ومن جانب آخر، تأتي الحرب كجزء محوري من محاولة إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، من خلال إضعاف الخصوم وتعزيز التحالفات المعادية للقوى الإقليمية بالعالن الإسلامي، مما يجعل إسلام آباد متيقظة لمدى أهمية السعي لتعزيز استقرار المنطقة وإخراجها من حالة الفوضى التي تعصف بها منذ السابع من أكتوبر 2023.
وبناءًا على ذلك، تتجه باكستان في الفترة الحالية نحو خلق موقف متزن ينبني على إدراك التهديدات المحيطة بالدولة، مع الوضع في الاعتبار أهمية عدم الانجرار إلى الصراع الإقليمي الجاري لما لذلك من حسابات معقدة تُولد مخرجات لها تأثير على الأرض.
(*) معوقات اقتصادية: يعاني الاقتصاد الباكستاني من هشاشة واضحة تشمل ارتفاع الدين الخارجي الذي يصل إلى 138 مليار دولار أمريكي، وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي لحوالي 21 مليون دولار، علاوة على استيرادها الحصة الأكبر من حاجتها من النفط اعتمادًا مضيق هرمز الذي يواجه تحديات غير مسبوقة بالفترة الحالية، ما يعقد عملية الاستيراد من دول الخليج التي يتواجد بها حوالي 5 مليون باكستاني قادرين على دعم اقتصاد دولتهم الأم.
(*) المحددات الاستراتيجية: يزداد تعقيد الموقف الباكستاني نظرًا لكونها دولة جوار لإيران، التي يبلغ تعداد سكانها ما يزيد عن 93 مليون نسمة، وهو ما قد يُنتج أزمة نزوح واسعة النطاق تنعكس بشكل مباشر على كافة الدول المجاورة لها، مما قد يزيد من التوترات داخل الحدود الباكستانية، ولا سيما إن ارتبط ذلك بتحركات تستهدف انفصال “جيش تحرير بلوشستان”.
واستوردت الحكومة الباكستانية ثلثي احتياجات الغاز الطبيعي المسال من دول الخليج عبر مضيق هرمز، الذي واجه توترات غير مسبوقة كجزء من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مما يفرض ضغوطًا على صانع القرار الباكستاني لتبني سياسات تهدئة منعًا لتفاقم نقص إمدادات الطاقة المُنعكس بشكل مباشر على القوة الاقتصادية للدولة.
وختامًا، يمكن النظر للحدود المحيطة بالدور الباكستاني في ضوء تفاعلات الداخل، التي لا يمكن إخراجها من الاعتبار، في ظل الانعكاسات العميقة لأي خلل إقليمي، لا سيما إن ارتبطت بدولة مجاورة لها، قد تنتج الحرب تغيير غير مسبوق في طبيعة التفاعلات الإقليمية ومدى قوة الأطراف الفاعلة بالمنطقة.
علاوة على ذلك، تضع إسلام آباد بالاعتبار أزماتها الاقتصادية، التي تحجم من نطاق خياراتها السياسية في ظل ارتفاع معدل الدين وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي، والعواقب الناتجة عن التأثير على الملاحة بمضيق هرمز، ما يخلق تصورًا بأنه لا مفر للسلطات الباكستانية من التوجه نحو خيار لعب دور الوساطة بالتعاون مع القوى الإقليمية الأخرى مثل مصر وتركيا، لإيجاد مخرج يلبي تطلعات الطرفين أو على أقل تقدير يقلل من مدى الخسائر.