مؤشرات الانقسام: قراءة في مواقف القوى الغربية من أزمة مضيق هرمز؟

ريهام السادات- باحثة بوحدة الدراسات الدولية
تشهد منطقة مضيق هرمز مرحلة شديدة الحساسية تُعيد رسم ملامح الصراع الدولي؛ إذ يظل هذا الممر البحري قلب نظام الطاقة العالمي وشريان التجارة البحرية الدولية. وقد حوّل التصعيد الأخير طبيعة التوتر من مجرد اضطراب محدود إلى مواجهة مباشرة، وهو ما كشف بوضوح عن التباينات في استراتيجيات القوى الغربية تجاه إدارة الأزمة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يعكس هذا التباين انقسامًا استراتيجيًا عميقًا داخل التحالف الغربي، أم أنه مجرد اختلاف في أدوات إدارة الأزمة ضمن إطار تحالف لا يزال قائمًا؟ وللإجابة عن هذا السؤال، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تجمع بين التفكيك الجيوسياسي والاستراتيجي والدولي.
الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز:
يُعدّ مضيق هرمز أحد أبرز المرتكزات الجيوسياسية في النظام الدولي المعاصر، إذ تتداخل فيه الجغرافيا مع منطق القوة، ليجسد بوضوح تلازم الموقع مع النفوذ. ومن هذا المنطلق، فإن المضيق ليس مجرد وصف لممر بحري ضيق، بل يمثل نقطة ارتكاز تتحكم في شرايين الاقتصاد العالمي. فهذا الممر، الذي لا يتجاوز عرضه في بعض نقاطه عشرات الكيلومترات، يشكّل شريانًا رئيسيًا لتدفقات الطاقة العالمية، حيث تمر عبره قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، فضلًا عن كونه معبرًا حيويًا للتجارة البحرية الدولية. وبناءً على ذلك، فإن أي اضطراب في الملاحة عبره لا يبقى شأنًا إقليميًا محدودًا، بل ينعكس مباشرة على توازنات الاقتصاد العالمي.
وانطلاقًا من هذه الحقيقة، تتجلى أهمية المضيق في كونه نموذجًا مكتملًا لما يُعرف بنقاط الاختناق الجيوسياسية، حيث تتكثف حركة العبور في نطاق جغرافي ضيق، بما يجعله عرضة للتعطيل أو التهديد بأدوات أقل كلفة وأكثر تأثيرًا. وهكذا تتحول الجغرافيا من مجرد إطار مكاني محايد إلى عنصر فاعل في معادلات القوة، إذ يمكن توظيفها لإعادة توزيع الأعباء والمكاسب بين القوى الدولية، ضمن ما يمكن وصفه باقتصاديات الإكراه الجيوسياسي.
وبالانتقال إلى أنماط الصراع المعاصر، يتضح أن المضيق لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح أداة مركزية في استراتيجيات الردع غير المتماثل. فقد أمكن تحويل ضيقه وكثافة الحركة فيه إلى مصدر قوة، عبر مقاربات تقوم على رفع مستوى المخاطر دون الحاجة إلى فرض سيطرة تقليدية كاملة. وفي هذا السياق، فإن التعطيل الفعلي لحركة الملاحة، من خلال التهديد المستمر، يكفي لإرباك أسواق الطاقة ورفع كلفة العبور، ومن ثم التأثير في قرارات الفاعلين الدوليين. ومن هنا، لم يعد الردع قائمًا على التماثل في القدرات، بل على القدرة على استهداف مواطن الهشاشة في البنية الاقتصادية العالمية.
ومع ذلك، ورغم إدراك بعض الدول لهذه المخاطر، سعت إلى تطوير بدائل استراتيجية مثل خطوط الأنابيب البرية لتقليص الاعتماد على المضيق. غير أن هذه البدائل، مهما بلغت أهميتها، تظل محدودة الأثر ولا تستوعب حجم التدفقات المعتادة، مما يُبقي مضيق هرمز في موقع “عنق الزجاجة” الذي تتوقف عنده استمرارية نظام الطاقة العالمي. وهكذا، يتضح أن المضيق لا يُختزل في كونه ممرًا مائيًا، بل يتجاوز ذلك ليغدو أداة فاعلة في صناعة الأزمات وتوجيه مساراتها، ومحددًا رئيسيًا لإعادة تشكيل توازنات القوة في النظام الدولي.
مواقف الأطراف الغربية من التوترات في المضيق:
تجسد أزمة مضيق هرمز، في لحظتها الراهنة، نقطة اشتباك عميقة داخل التحالف الغربي نفسه؛ إذ تكشف المواقف المتباينة للفاعلين الرئيسيين عن اختلاف جذري في فهم طبيعة التهديد وسبل مواجهته. ففي الجانب الأمريكي، لا يُنظر إلى تعطيل حركة الملاحة في المضيق باعتباره مجرد إزعاج لوجستي، بل يُعد تهديدًا مباشرًا لبنية الأمن الطاقي العالمي، وهو ما يستدعي ردًا حاسمًا يضعف قدرة الخصم ويعيد فرض الهيمنة على نقطة الاختناق الحيوية. وقد جسّدت الولايات المتحدة هذا المنحى عمليًا عبر ضربات جوية دقيقة استهدفت مواقع صاروخية إيرانية محصنة باستخدام ذخائر عالية الكلفة والدقة، في إشارة واضحة إلى أن القوة الصلبة ما تزال في صلب أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، وأن مفهوم الردع لا يتحقق إلا بإظهار الاستعداد للتصعيد والمواجهة.
وعلى النقيض، تكشف المواقف الأوروبية عن احتفاء واضح بمبدأ الاحتواء وتقليل المخاطر، مع رفض صريح للانزلاق نحو تورط عسكري مباشر. فقد أعلنت فرنسا أنها لا تعتزم الانخراط في عمليات قتالية لإعادة فتح المضيق في ظل الحرب الجارية، مؤكدة أن أي دور أوروبي يجب أن يكون ضمن عملية دولية واسعة تستند، أولًا، إلى خفض التصعيد وتبني الوساطة قبل اللجوء إلى القوة. أما ألمانيا، فأوضحت أن الأزمة الراهنة ليست ضمن أولوياتها العسكرية، وأن أي مشاركة محتملة يجب أن تكون محدودة ومفصولة عن الصراع القائم. وفي السياق ذاته، شددت بريطانيا على أهمية التعاون متعدد الأطراف، لكنها رفضت الانجرار إلى مواجهة أوسع، معتبرة أن الكلفة السياسية والعسكرية تفوق قدرة دولها على التحمل في هذا التوقيت.
أما إسبانيا، فقد أعلنت رفضها المشاركة في أي عمليات عسكرية، معتبرة أن الحلول الدبلوماسية متعددة الأطراف أكثر فعالية في إدارة الأزمة، بينما تدرس اليابان الوضع بدقة، مؤكدة أن نشر قوات حربية يتطلب التزامًا دستوريًا وقانونيًا، بما يعكس تخوفها من الانجرار إلى مواجهة مباشرة تهدد استقرار أسواق الطاقة. أما أستراليا، فاختارت موقفًا محافظًا، مؤكدة أن المشاركة العسكرية المباشرة غير مطلوبة حاليًا، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على استقرار الممر المائي باعتباره قضية عالمية. فيما اتخذت كوريا الجنوبية موقفًا احترازيًا، معلنة أنها ستدرس الطلب الأمريكي بعد مراجعة دقيقة مع البرلمان، حيث يتطلب أي نشر للقوات موافقة تشريعية، ويستند إلى تقييم شامل للظروف الأمنية والاستراتيجية الداخلية والخارجية. ولا يقتصر هذا التباين على اختلاف في الأسلوب، بل يعكس تباينًا أعمق في محددات القرار.
مؤشرات الانقسام:
تكشف أزمة مضيق هرمز عن عمق الانقسام الاستراتيجي داخل التحالف الغربي، وهو انقسام يتجلى في مستويات متعددة تبدأ من السياسة العسكرية وتمتد إلى الدبلوماسية والخطاب الإعلامي والسياسي، بما يعكس أن الأزمة ليست مجرد خلاف حول التكتيك، بل اختلاف في الرؤية الاستراتيجية ذاتها.
فعلى المستوى العسكري، برزت خلافات واضحة حول جدوى الرد المباشر على إيران؛ إذ دفعت الولايات المتحدة بقوة نحو تشكيل تحالف دولي لمرافقة السفن التجارية وتأمين الممر المائي الحيوي، بينما أبدت بريطانيا وفرنسا وألمانيا تحفظًا على الانخراط المباشر، مؤكدة أن الناتو تحالف دفاعي لا يمتلك صلاحية نشر قوات خارج أراضي أعضائه، وأن الصراع في هرمز لا يُعد حربًا تخص الناتو. وهنا يظهر أن الموقف العسكري لم يكن مجرد اختلاف في الوسائل، بل انعكاسًا لرؤية متباينة حول حدود الدور الغربي في الخليج.
ويعكس هذا التباين اختلافًا جوهريًا في الأولويات الاستراتيجية؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى أمن الملاحة في المضيق باعتباره قضية مركزية للأمن القومي، مرتبطة بدورها كضامن للنظام الدولي وحرية التجارة العالمية. أما أوروبا، فتركز على حماية مصالحها الاقتصادية، وتخشى الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تهدد استقرارها الداخلي وتفاقم أزماتها الطاقية والمالية. ومن هنا، فضّلت فرنسا وألمانيا الحلول الدبلوماسية، مؤكدة ضرورة إشراك إيران في مفاوضات مباشرة حول أمن الملاحة بدلًا من التصعيد العسكري، وهو ما يعكس اختلافًا في تعريف التهديد ذاته.
كما انعكس هذا الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي والناتو؛ إذ رفضت دول مثل بريطانيا وألمانيا واليونان المشاركة في أي عمليات عسكرية مباشرة، بينما أبدت دول أخرى، مثل إيطاليا وبولندا، استعدادًا لدراسة أي طلب أمريكي رسمي، مع تفضيل الحلول الدبلوماسية. وقد عبّرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي عن تحفظها على توسيع المهمة البحرية الأوروبية لتشمل هرمز، معتبرة أن الأولوية تكمن في تعزيز المهمة القائمة في البحر الأحمر. وهو ما يوضح أن الانقسام لم يكن بين الولايات المتحدة وأوروبا فحسب، بل امتد إلى داخل المؤسسات الغربية نفسها.
ولم يكن هذا الانقسام بمعزل عن الضغوط الداخلية؛ ففي الولايات المتحدة، واجهت الإدارة انتقادات متزايدة بسبب ارتفاع أسعار النفط وسقوط الجنود، وهو ما أثّر على الدعم الشعبي لأي مواجهة مع إيران. أما في أوروبا، فهناك تخوف من تكرار سيناريوهات الاستنزاف الطويل، كما حدث في العراق وأفغانستان، وهو ما جعل البرلمانات مترددة في منح تفويض واسع لأي تحالف عسكري بحري. وهكذا، يتضح أن الداخل السياسي كان عاملًا حاسمًا في صياغة المواقف الخارجية.
وعلى صعيد تدويل الأزمة، ضغطت الولايات المتحدة على الصين واليابان وكوريا الجنوبية للمشاركة في التحالف البحري، غير أن هذه الدول تحفظت أو رفضت الانخراط العسكري، مفضّلة الحلول الدبلوماسية ومراقبة التطورات عن كثب. في المقابل، دعت روسيا إلى حل سياسي طويل الأمد، محمّلة الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية التصعيد، وامتنعت عن دعم أي تحرك عسكري غربي. وهذا يبرز أن الانقسام الغربي ترافق مع تباين دولي أوسع، مما زاد من تعقيد المشهد.
يمكن القول إن حصيلة هذا الانقسام تمثلت في بطء اتخاذ القرار وتردد في تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة، وهو ما يضعف قدرة التحالف الغربي على السيطرة على المضيق أو ردع إيران، ويمنح الأخيرة هامش مناورة واسعًا لاستثمار الخلافات الغربية في تعزيز خطابها السياسي والدبلوماسي. وبذلك، تتحول الأزمة إلى اختبار عملي لمدى قدرة الغرب على إدارة الأزمات الدولية بصورة جماعية، في ظل تباين أولوياته ومحدداته الاستراتيجية.
انعكاسات إقليمية ودولية:
يثمر الانقسام الاستراتيجي داخل التحالف الغربي عن انعكاسات إقليمية ودولية عميقة، تكشف هشاشة النظام الدولي أمام صدمات الطاقة والأمن واضطراب موازين القوى.
فعلى المستوى الإقليمي، أثّر التباين الغربي في مواقف القوى الكبرى على استقرار منطقة الخليج، إذ أدى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى انهيار شبه كامل في حركة ناقلات النفط والغاز، وتعليق شحنات تعادل نحو خُمس الإمداد العالمي. وقد منح هذا الواقع إيران فرصة لتوسيع هامش المناورة، حيث استثمرت الانقسام الغربي لفرض واقع ميداني جديد، وأعاقت استعادة حركة الملاحة الحيوية بشكل سريع وفعّال. كما انعكس ذلك مباشرة على دول الخليج، التي اضطرت إلى الاعتماد على خطوط أنابيب بديلة، وهو ما كشف هشاشة أمن الطاقة الإقليمي واعتماده المفرط على نقاط اختناق جغرافية محددة.
وانطلاقًا من هذه التداعيات، امتدت الأزمة إلى الأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن، ما فرض ضغوطًا اقتصادية شديدة على الاقتصادات الكبرى، خاصة في آسيا وأوروبا التي تعتمد اعتمادًا واسعًا على واردات الطاقة من المضيق.
وعلى الصعيد الدولي، أضعف الانقسام الغربي قدرة التحالف على اتخاذ قرار موحد، وأبرز محدودية فعالية الناتو والتحالفات التقليدية في إدارة الأزمات خارج حدودها. وقد استغلت الصين هذا التباين لتعزيز دورها كوسيط دبلوماسي، داعية إلى وقف التصعيد وضمان استقرار الإمدادات، بينما عملت روسيا على تقديم دعم سياسي وتقني لطهران، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة لتعزيز موقعها الاقتصادي والسياسي في ملفات أخرى. وهكذا، تحولت الأزمة إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، حيث برزت محدودية الردع العسكري التقليدي في مواجهة استراتيجيات الحرب غير المتكافئة.
في النهائية، يمكن القول إن أزمة مضيق هرمز تمثل تجسيدًا مكثفًا لتحول عميق في قواعد الاشتباك الدولي، حيث تتراجع فعالية الهيمنة الأحادية لصالح تفاعلات أكثر سيولة وتعقيدًا. كما أظهرت الأزمة أن التفوق العسكري لم يعد وحده كافيًا لفرض الاستقرار، وأن الانقسام داخل التحالفات الغربية يقوّض قدرتها على إنتاج ردع متماسك، في مقابل صعود استراتيجيات غير متماثلة تُحسن توظيف الجغرافيا ومواطن الهشاشة في الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، يصبح المضيق ليس فقط عنق زجاجة للطاقة، بل رافعة لإعادة توزيع النفوذ، ومسرحًا تتقاطع فيه إرادات القوى الكبرى مع حسابات الكلفة والمخاطر. ومن ثم، فإن ما يجري يشير إلى إعادة تشكيل تدريجي للنظام الدولي، حيث تُدار الأزمات بميزان دقيق بين التصعيد والاحتواء.