دكتور بلال بدوي يكتب.. كيف تتحرك مصر بميزان الاستقرار؟

تابعت خلال اليومين السابقين كلمة الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية، وكذلك كلمات الرئيس واتصالاته لوقف الحرب، إلى جانب بيانات وزارة الخارجية المصرية التي صدرت تباعًا بشأن التطورات الإقليمية المتسارعة. ومن خلال هذا المشهد المتكامل بدا واضحًا أن مصر تتحرك وفق منطق سياسي يقوم على إدارة التوازن، لا الانخراط في التصعيد، وعلى محاولة حماية الاستقرار في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

فكلمة الرئيس خلال إفطار الأسرة المصرية لم تكن مجرد خطاب تقليدي في مناسبة اجتماعية، بل حملت رسائل سياسية واقتصادية وإعلامية واضحة. فمن يتابع حديث الرئيس يلاحظ أنه حاول تقديم قدر من المصارحة مع المجتمع حول طبيعة المرحلة الراهنة، خصوصًا في ظل ما تمر به المنطقة من صراعات متلاحقة، وما ينعكس عنها من ضغوط اقتصادية وسياسية على الدول.

لقد بدأ الرئيس حديثه بالإشارة إلى المشهد الإقليمي المضطرب، وهو أمر لم يأتِ من فراغ. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة غير مسبوقة من التوترات العسكرية والسياسية، تمتد من الحرب في غزة، إلى التصعيد المتكرر في أكثر من ساحة إقليمية، وصولًا إلى التوترات الدولية التي تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

وفي هذا السياق، كان من الطبيعي أن يربط الرئيس بين التطورات الإقليمية وبين الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الدولة المصرية. فالعالم كله يعيش حالة من الاضطراب الاقتصادي نتيجة الحروب والتوترات الجيوسياسية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الدول النامية التي تتأثر بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وتقلبات الأسواق العالمية.

ومن هنا جاء حديث الرئيس عن بعض القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة، والتي قد تبدو للبعض صعبة أو غير شعبية. غير أن الرسالة الأساسية في هذا الجزء من الخطاب كانت واضحة: الدولة تحاول إدارة الاقتصاد في ظروف عالمية استثنائية، وتسعى في الوقت ذاته إلى حماية الفئات الأكثر احتياجًا عبر برامج الدعم الاجتماعي وتوفير السلع الأساسية.

لكن اللافت في خطاب الرئيس لم يكن فقط الحديث عن الاقتصاد أو الأوضاع الإقليمية، بل التأكيد على دور الوعي العام في مواجهة التحديات. فقد أشار الرئيس بوضوح إلى أهمية دور الإعلام والثقافة والأعمال الدرامية في تشكيل وعي المجتمع، مؤكدًا أن الحفاظ على تماسك الدولة لا يعتمد فقط على القرارات السياسية أو الاقتصادية، بل يحتاج أيضًا إلى مجتمع مدرك لطبيعة التحديات التي تحيط به.

وفي موازاة هذه الرسائل الداخلية، كانت التحركات المصرية على المستوى الخارجي تعكس النهج نفسه القائم على التوازن. فالاتصالات التي أجرتها القاهرة خلال الأيام الأخيرة مع عدد من العواصم الدولية والإقليمية ركزت على هدف أساسي هو خفض التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع في المنطقة.

كما عكست بيانات وزارة الخارجية المصرية موقفًا ثابتًا يقوم على الدعوة إلى وقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار الدبلوماسي لحل الأزمات. فمصر تدرك أن استمرار الحروب في المنطقة لن يقتصر تأثيره على أطراف الصراع فقط، بل سيمتد ليهدد أمن الطاقة والتجارة العالمية واستقرار العديد من الدول.

ولذلك تبدو السياسة المصرية في هذه المرحلة وكأنها تتحرك وفق ما يمكن تسميته بـ”ميزان الاستقرار”. فالقاهرة تحاول أن تحافظ على موقف متزن يرفض التصعيد العسكري، وفي الوقت ذاته يدافع عن أمن الدول العربية ويحذر من خطورة الانزلاق إلى صراعات أوسع.

هذا النهج ليس جديدًا على السياسة المصرية، بل يمثل امتدادًا لتقليد دبلوماسي طويل يقوم على البحث عن التوازن بين المصالح المختلفة، وتجنب الانخراط في صراعات المحاور، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني.

وفي لحظة إقليمية تتسم بكثرة الحسابات الخاطئة والتقديرات المتسرعة، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من السياسة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر التصعيد أو المغامرات العسكرية، بل من خلال تحركات عقلانية تدرك أن كلفة الحرب غالبًا ما تتجاوز مكاسبها.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة التي تحاول مصر توجيهها في هذه المرحلة: أن الحفاظ على الاستقرار ليس موقفًا سلبيًا أو حياديًا، بل هو خيار استراتيجي يتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة والصبر وإدارة التوازنات. وفي منطقة تعيش على وقع الأزمات المتلاحقة، تبقى هذه السياسة أحد أهم عوامل منع الانزلاق إلى فوضى أوسع قد يدفع الجميع ثمنها.

د. بلال بدوي

د. بلال بدوي- رئيس الهيئة الاستشارية لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، هو رجل أعمال مصري، أمين مساعد أمانة الاستثمار بحزب مستقبل وطن، هو خبير اقتصادي متخصص في دراسات الصناعة والطاقة، كما أنه رئيس مجلس إدارة شركة "نيو إيجا" للصناعات الكهربائية بمصر والشرق الأوسط، وعضو الهيئة الاستشارية العليا بمركز رع للدراسات الاستراتيجية، حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية البدنية والرياضية من جامعة حلوان في رسالة بعنوان " دور الاتصالات التسويقية المتكاملة بالشركات التجارية الراعية للرياضة في دعم الولاء للعلامة التجارية".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى