دلالات زيارة قائد الجيش الوطني الليبي للقاهرة

أتت زيارة المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي إلى القاهرة في مرحلة توتر إقليمي يؤثر بشكل بالغ على كافة دول الشرق الأوسط، لاسيما ليبيا التي تعاني من الانقسام الداخلي. وتبرز أهمية تلك الزيارة على اعتبار أن القاهرة أحد أبرز شركاء سلطات شرق ليبيا في معالجة آثار الإعصار دانيال فضلًا عن التعاون في تأمين الحدود المشتركة. ومن جانب آخر، يمكن رؤية الزيارة في ضوء محاولة المشير حفتر توسيع دائرة تفاهماته إقليميًا ودوليًا بغرض المحافظة على الداعمين التقليديين، وكسب داعمين جدد قادرين على تغيير ميزان القوى داخل الأراضي الليبية لصالح الجيش الوطني.
تسوية متعثرة
جاءت الزيارة في سياق تعقيدات المشهد السياسي والمؤسسي المعقد في ليبيا، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:
(*) الانقسام المؤسسي: عانت ليبيا من الاضطراب السياسي والأمني منذ الإطاحة بحكم معمر القذافي في عام 2011. وجاء ذلك نتيجة لانقسام ليبيا بين قوتين داخليًا في الوقت الحالي وهما حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والمُسيطرة على غرب ليبيا وعاصمتها طرابلس، والحكومة المُكلفة من البرلمان الليبي بطبرق ورئيسها أسامة حماد المدعوم بشكل مباشر من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر الذي يسيطر على معظم شرق وجنوب ليبيا. وفشل الجيش الوطني في محاولة توسيع نفوذه بليبيا في العام 2019 من خلال محاولته إخضاع القوات التابعة لـ”حكومة الوفاق” في غرب ليبيا، مما أدى بدوره إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه في الأراضي الليبية رغم مخرجات ملتقى الحوار الليبي في جنيف الذي أتى بحكومة الدبيبة، مع عدم حدوث أي صدامات مباشرة بين كلا الطرفين حتى الآن.
وتوغلت تبعات الأزمة الليبية حتى سببت حالة من الانقسام على حق امتلاك واستغلال المؤسسات الوطنية للنفط، والذي ظهر بشكل كبير في الاتفاق المُوقع في سبتمبر 2020 بين حكومتي الشرق والغرب حول تقسيم عوائد البترول بالتساوي، مع الاختلاف حول مدى أحقية أي من الطرفين في رئاسة المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي باعتباره أول المُستلمين لعوائد النفط. علاوة على ذلك، مثلت البيئة القبلية التي تميز المجتمع الليبي تربة خصبة لتشكيل قوى داعمة لطرفي النزاع بهدف تحقيق مصالح مشتركة.
(*) الانسداد السياسي: تواجه الانتخابات الليبية بشكل عام، لاسيما انتخابات البلدية في الآونة الأخيرة عدة معوقات تحول دون إتمامها. ويظهر ذلك بشكل واضح من خلال عدم توافر البيئة المناسبة لإجراء الانتخابات البلدية بليبيا، نتيجة لما تشهده البلاد من انقسام، وما يعاني منه الغرب من توترات لاسيما بعد اغتيال عبد الغني الككلي رئيس “جهاز دعم الاستقرار” التابع للمجلس الرئاسي، وما تبعه من أحداث كانت من الممكن أن تؤدي إلى تغيير مجرى الأزمة الليبية ككل.
وعلى الرغم من إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بليبيا، في بيان رسمي، انطلاق عملية توزيع البطاقات الانتخابية في 62 دائرة انتخابية، بغرض إجراء الاستحقاق الانتخابي المحلي، إلا أن الانتخابات تواجه الكثير من المعوقات، نتيجة للتوترات الواقعة في الغرب، والتي من الممكن أن تؤدي إلى خلق تحشيدات عسكرية تؤدي إلى عرقلة تلك الانتخابات بشكل أو بآخر.
وعلى الجانب الآخر، لا تزال ليبيا المُنقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة تحت قيادة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة أسامة حماد المدعومة من مجلس النواب والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، لا تستطيع إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية نزيهة بهدف توحيد ليبيا من جديد بعد ما عانت منه من انقسام منذ رحيل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
(*) دور مصر في المشهد الليبي: تؤكد الدولة المصرية بكافة مؤسساتها أهمية وجود ليبيا موحدة، وغير خاضعة لأي نوع من التدخلات الخارجية التي تؤثر على استقلال الدولة ومؤسساتها. وتوجهت القيادة المصرية بدعم مسارات حل الأزمة الليبية بالتعاون مع المؤسسات الوطنية دون الانخراط في الصراع بهدف إخراج المرتزقة وتحجيم قدرات الميلشيات الموجودة في غرب ليبيا، كونها تمثل خطرًا مباشرًا على فكرة استعادة ليبيا كدولة مُوحدة ذات مؤسسات. وكانت الإدارة المصرية ممثلًا في الرئيس عبد الفتاح السيسي ومؤسسات صنع القرار تأكد دومًا على دعم القاهرة لجهود الجيش الوطني الليبي في مكافحة الجماعات الإرهابية في شرق ليبيا والتي تهدد الأمن القومي للبلدين.
وأتى ذلك في ظل التوتر الكبير بين مصر وتركيا نتيجة للخلاف على مجموعة من القضايا الإقليمية. وكانت ليبيا إحدى أكثر تلك النقاط اشتعالًا، نتيجة لامتلاكها حدود مشتركة مع مصر ومساعي أنقرة لاستغلال الصراع الداخلي في الصراع على ترسيم الحدود البحرية وتقاسم ثروات النفط والغاز في مياه شرق المتوسط. وظهر ذلك التراشق بشكل واضح من خلال دعم تركيا لحكومة الوفاق بطرابلس في غرب ليبيا من خلال توفير الدعم العسكري وتحديدًا عن طريق ضخ مرتزقة موجودين بسوريا لصالح تركيا إلى الأراضي الليبية، لدعم حكومة طرابلس وتحجيم نطاق سيطرة الجيش الوطني، قبل أن ينخفض حدة الأزمة بإعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي محور سرت-الجفرة خطًا أحمر بين الطرفين لوقف التصعيد العسكري في يونيو 2020.
وتوجهت مصر إلى الاعتراف بحكومة عبد الحميد الدبيبة المؤقتة، التي تم انتخابها في العام 2021 عن طريق ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي تم تنظيمه برعاية الأمم المتحدة. وبرز ذلك بشكل كبير من خلال تأكيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن انتخاب الدبيبة يمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار تسوية الأزمة الليبية، كما ظهر ذلك بشكل بارز من خلال زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بصحبة عدد من الوزراء إلى العاصمة الليبية طرابلس بغرض تعزيز التعاون الثنائي بين مصر وليبيا.
واتخذت العلاقة بين القيادة المصرية وحكومة عبد الحميد الدبيبة اتجاهًا مغايرًا منذ العام 2022، نتيجة لسحب الحكومة المصرية الاعتراف بحكومة عبد الحميد الدبيبة، والاتجاه نحو الاعتراف بالحكومة الجديدة تحت قيادة فتحي باشاغا رئيس الوزراء السابق في حكومة الوفاق، التي اختارها البرلمان الليبي في طبرق كبديل لحكومة عبد الحميد الدبيبة، الذي رفض تسليم السلطة على الرغم من انتهاء المدة القانونية للحكومة والتي كانت من المفترض أن تكون 12 شهرًا، نتيجة لكونها مؤقتة وليست دائمة وعدم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المتزامنة.
ومرت الأزمة الليبية بهدوء نسبي بعد وقف إطلاق النار وعدم تمكن أي من الطرفين من السيطرة على الدولة بشكل كامل. ومن جانب آخر، اتجهت العلاقات المصرية التركية في الفترة الآخيرة إلى مزيد من التهدئة التي انعكست بشكل واضح على الواقع الليبي، وآتى ذلك في إطار البراجماتية التركية في التعامل على المستوى الإقليمي في الآونة الأخيرة بغرض تحقيق المصالح التركية بناء على ما هو موجود من معطيات. وكان لزيارة صدام حفتر رئيس أركان القوات البرية للجيش الوطني إلى تركيا صدى كبير على موازين القوى في الداخل الليبي، وخصوصًا في ظل ما يوحيه به ذلك من احتمالية تراجع الدعم التركي للدبيبة لصالح خليفة حفتر، والذي بدوره يخلق حالة من التوافق بين الجانبين التركي والمصري في توقيت بالغ الأهمية يهدد فيه العدوان الإسرائيلي استقرار منطقة الشرق الأوسط.
رسائل القاهرة للمشهد الليبي
يمكن استعراض أبرز رسائل الزيارة على النحو التالي:
(&) تفاصيل الزيارة: التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي بالمشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي، إضافة إلى مجموعة من المسؤولين الليبيين رفيعي المستوى بمدينة العلمين في 30 يونيو 2025. وأتت تلك الزيارة في وقت تتصاعد فيه التوترات بالشرق الأوسط، والتي بدورها تخلق معادلات توازن مختلفة عن تلك التي كانت موجودة قبل السابع من أكتوبر. ويمكن الإشارة إلى أهمية زيارة حفتر إلى مصر، إضافة إلى أنها كانت وسيلة القاهرة لبعث رسائل مباشرة وغير مباشرة للقوى الموجودة على الأرض في ليبيا، لا سيما المشير حفتر من جانب، وعبد الحميد الدبيبة من جانب آخر.
(&) رسائل الزيارة: أشارت القاهرة خلال الزيارة إلى ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية من خلال العمل على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، إضافة إلى توضيح أهمية تحجيم التدخلات الخارجية بليبيا وذلك لعرقلة أي محاولة تهدف إلى استمرار الأزمة لفترة أطول لتحقيق مصالح وأهداف خاصة. كما أكدت القاهرة أنه من الضروري عدم السماح لأي تنظيم إرهابي بالتواجد والتغلغل في مفاصل الدولة الليبية لما له من انعكاسات على الإقليم ككل، ولاسيما مصر باعتبارها على حدود ليبيا الشرقية.
ومن جانب آخر، يمكن رؤية الزيارة كوسيلة لإعادة ترتيب أوراق المشهد الليبي، لا سيما ما قيل عن دعم المشير حفتر لقوات الدعم السريع لتتمكن من السيطرة على الجانب السوداني من المثلث الحدودي الرابط بين مصر والسودان وليبيا، والتي قد تُرى كمهدد للأمن القومي المصري، والذي قد يتم استغلاله كوسيلة للتهريب. علاوة على ذلك، تبرز أهمية الزيارة في إعادة التأكيد على أهمية الحضور المصري في ليبيا على الرغم من زيادة نفوذ روسيا في الآونة الأخير، وتحديدًا بعد انهيار حكم بشار الأسد في سوريا والاعتماد على ليبيا كحليف أول بانتشار القوات الروسية في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وتُعد النقطة الأبرز والدافعة وراء مثل هذا التنسيق هي إدراك الجانب المصري الخطر الوجودي الذي يواجه جميع دول الشرق الأوسط في ظل الانتهاك الإسرائيلي الغاشم لسيادة أي دولة غير قادرة على الدفاع عن نفسها بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن هنا برزت أهمية سعي الجانبين المصري والتركي إلى اتخاذ خطوة فعالة نحو دعم طرفي الأزمة الليبية لخلق تنسيق يهدف إلى لم شمل الدولة برئيس وبرلمان منتخبين، والذي ظهر بشكل واضح بعد زيارة صدام حفتر لتركيا في أبريل 2025، وزيارة المشير خليفة حفتر بصحبة وفد رفيع المستوى لمصر في الأيام السابقة.
هل تتغير معادلة الاستقرار في ليبيا؟
أتت تلك الزيارة في ظل زيادة مساحة التفاهمات بين المشير خليفة حفتر، وعدد من الدول المختلفة على المستويين الدولي والإقليمي. وتُعد تركيا واحدة من أبرز مكاسب حفتر في الآونة الأخيرة، لاسيما بعد استقبال صدام حفتر بحفاوة شديدة في أنقرة، مما يوحي باتجاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نحو تحجيم الدعم غير المشروط لحكومة الدبيبة، والفصائل الجهادية الداعمة لها في الشرق لصالح خليفة حفتر. ومن جانب آخر، يمكن النظر إلى التعاون بين تركيا وحكومة الدبيبة في الفترة الأخيرة في ضوء تصاعد التفاهمات المصرية التركية والمنعكسة على الوضع الداخلي في ليبيا ومدى دعم الأطراف المجاورة لطرفي الصراع الداخلي.
وعلى الجانب الآخر، تتزايد التوترات والانقسامات بشكل كبير في معسكر الغرب الليبي، لاسيما بعد اغتيال الككلي وما نتج عنه من تصاعد شديد للتوترات في غرب ليبيا. إضافة إلى افتقاد عبد الحميد الدبيبة لشرعية استمراره في الحكم بعد انقضاء مدته المؤقتة، مما يزيد من ضعف موقفه الداخلي والدولي، لاسيما بعد اتساع دائرة التفاهمات بين المشير خليفة حفتر وعدد من الدول ذات التأثير المباشر على الداخل الليبي. علاوة على ذلك، تأتي التوترات في غرب ليبيا وما يصاحبها من تقليص للدعم التركي كإشارة بأن الدبيبة لا يملك مشروع قومي قادر على حل الخلافات المستعصية بالدولة منذ العام 2011.
وبناءًا عليه، يمكن الإشارة إلى أن المشير خليفة حفتر الذي يقدم نفسه كضامن للاستقرار الليبي لكافة الدول، وقوة نظامية لا تهدد المصالح الدولية في ليبيا وإنما تعززها، يكتسب في هذه المرحلة موقف تفاوضي أقوى من عبد الحميد الدبيبة، غير القادر على إحكام سيطرته على غرب ليبيا بما فيها من تشكيلات مسلحة يُعتمد عليها كضامن لعدم السيطرة على الغرب الليبي من قبل قوات المشير حفتر.
ومن المُتوقع أن تشهد الفترة القادة تفاهمات تهدف إلى حلحلة الأزمة في ضوء تنازلات أكبر من حكومة الغرب الليبي، مع احتمالية سعي المشير خليفة حفتر كخيار أخير للقيام بعملية عسكرية جديدة تهدف إلى إنهاء الأزمة بشكل حاسم لصالحه شريطة وجود تفاهمات أوسع بين كافة الدول التي تمتلك مصالح مباشرة في الداخل الليبي، لاسيما مصر وتركيا.