في حلقة نقاشية نظمتها رسالة السلام بنواكشوط: خبراء.. كتاب “الخديعة الكبرى” للشرفاء بمثابة حائط صد للمتطرفين

رباب الحكيم

انطلقت مساء اليوم الثلاثاء الماضي الـ 15 من مارس 2021 حلقة نقاشية نظمتها مؤسسة رسالة السلام العالمية تحت عنوان “الخديعة الكبرى”، ذلك بحضور وإشراف مستشار وزير الثقافة والصناعة التقليدية الموريتاني، سيدي ولد الأمجاد، الذي أبدى سعادته بحضور مثل هذا النشاط، مؤكداً على أن الإصدار المناقش- كتاب الخديعة الكبرى للمفكر العربي على محمد الشرفاء- ضمن الندوة، يعد ليس علامة مضيئة فقط، بل يعد بمثابة طريق للتواصل بين دولتي موريتانيا والإمارات العربية المتحدة، هذا بالإضافة إلى أنه ترميم علمي لبيت الحكمة، ورصيدها الفكري منذ أنشئت هذه الحاضنة، وأعتبر الأمجاد أن هذه المنصة الفكرية تعد إضافة لبناء هذه العلاقات بين موريتانيا والإمارات، وأن الاحتفاء بهذا الإصدار، هو تعبير عن وعينا بأهمية الفكر والثقافة. وقد تضمنت أيضاً حلقة النقاش عرض مضمون كتاب “ومضات على الطريق ، الجزء الثالث” للمؤلف المفكر العربي علي محمد الشرفاء.

 وقد انطلقت الندوة بحضور مفكرين وأكاديميين علي رأسهم الدكتور محمد ولد الرباني رئيس مدرسة الدكتوراه بجامعة نواكشوط والباحث في جامعة السربون بفرنسا عضو في مجلس رسالة السلام. من جهته الرئيس الإقليمي لمؤسسة رسالة السلام العالمية الأستاذ حي معاوية فقد رحب بالحضور من شخصيات رسمية، ومثقفين وأساتذة. وألقى حي كلمة مفصلة باسم مؤلف الكتاب المفكر العربي علي محمد الشرفاء، تحت عنوان الخديعة الكبرى جاء فيها:

لقد كانت البعثة النبوية بداية لمرحلة جديدة لإرساء خارطة طريق للإنسانية جمعاء بما أنزله الوحي على رسول الله محمد بن عبد الله من آيات بينات  فى القرآن الكريم ومن عبادات وتشريعات وعظات وأخلاقيات تؤسس لفجر جديد يشرق على البشرية، راسما لهم عناصر الحياة الكريمة في جو من السلام والإيمان والأمان، لكي تسعى المجتمعات الإنسانية لتعمير الأرض واكتشاف كنوزها لتسخير خيراتها لخير الإنسان في كل مكان، مما يحقق قيام المدينة الفاضلة ليعيش الناس فيها متساويين في الحقوق والواجبات في ظل العدل والرحمة والحرية والسلام تتنزل عليهم بركات السماء خيرا ورزقا.

وقد تسلط على الخطاب الإلهي، الذي أنزله الله على رسوله أقوام ابتعدوا عن كتاب الله الذي يدعوهم للخير والصلاح وانشأوا كتبا مغايرة للآيات وما تدعوا إليه من احترام العقل وتوظيفه في التدبر في مقاصد الآيات لمنفعة الإنسان وصلاحه ودعوة للتطور والبحث فى القران وما يدعو إليه لاستنباط الحقائق العبادية والالتزام بالتشريعات الإلهية وممارسة الآداب القرآنية قولا وسلوكا. فقد شوهوا التعليمات الإلهية للناس، مما أدى إلى تحريف رسالة الإسلام  باستحداث عشرات الآلاف من الروايات حتى طغت الروايات على الآيات وتحقق لأعداء الإسلام استهداف القرآن الكريم وعزله عن أن يكون المرجعية الإلهية للناس حتى جاءت شكوى الرسول عليه السلام لربه تؤكد تلك الحقيقة في قوله سبحانه: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30)، حدث ذلك بعد وفاة الرسول عليه السلام منذ أربعة عشر قرنا إلى اليوم، علما بأن الله سبحانه حدد بوضوح لا يقبل الشك والتأويل مهمة الرسول عليه السلام فى التكليف الإلهي مخاطبا سبحانه رسوله الكريم في قوله:

(1) (المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)) (الأعراف: 1-2)، (2) (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ) (المائدة: 67).

وقد جاء هذا ليبلغ الناس بآيات الله لتهديهم إلى الطريق المستقيم، وقد أكد سبحانه للرسول بقوله سبحانه: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ((44)) (الزخرف: 43 – 44)، يوصي رسوله بالتمسك بالقرآن الكريم ولا يحيد عنه ويذكر  به الناس وهو  ذكر  للرسول ولقومه وسوف يسألون عنه إتباعهم له يوم الحساب وما توضحه الآية الكريمة، هو أن التبليغ للناس لرسالة الإسلام يكون بتلاوة القرآن عليهم وشرح مقاصد آياته لمنفعة الناس وصلاحهم وتعريفهم بالتشريعات والعظات والأخلاقيات، كما قال سبحانه: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 151)، فلم ينزل الله بعد كتابه المبين والذكر الحكيم أحاديث قدسية أو غير قدسيه مستندة إلى روايات استحدثها أناس مغرضون ذوي أهداف خبيثة لإثارة الشك والالتباس والفتنة بين المسلمين لإضعاف الإسلام، وجعل المسلمين فى صراع دائم للبحث عن حقيقة رسالة الإسلام وهديه بعد أن التبس عليهم الحق والباطل، مما أدى إلى تفرق المسلمين وادعاء كل طائفة هي الوصية على الإسلام، وهي الأكثر معرفة بدين الله، فسالت بينهم أودية من الدماء عطلت مسيرة رسالة الإسلام، وأعاقت دعوة الرحمة والعدل والحرية والسلام لبناء المجتمعات الإنسانية المسالمة والمستقرة.

 لقد كلف الله سبحانه وتعالى رسوله بما جاء في الآيات الكريمة فقط، وبعلم الله الأزلي أن المسلمون سيهجرون القرآن، كما جاء فيما سبق في الآية (30) من سورة الفرقان، وأنه سيحل محل القرآن روايات افتريت على الرسول ومقولات استحدثت منسوبة إليه عن الصحابة وسميت بالأحاديث ليتم عزل القران كمرجعية وحيدة لرسالة الإسلام عن المسلمين، وتحل محله الروايات والإسرائيليات في توجيه خاطئ لرسالة الإسلام، تستهدف خلق الفتن بين المسلمين وتجعلهم في صراع دائم، وقتال مستمر ينتشر فيما بينهم خطاب الكراهية والريبة ليتفرقون طوائفاً وشيعا وأحزابا، كل له كتابه وأمامه ومنهجه.

لذلك يخاطب الله رسوله بقوله سبحانه في صيغة استنكاريه (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) (الجاثية: 6)، تؤكد هذه الآية عدم اعتراف الله سبحانه بما سمي بالأحاديث التي نسبوها للرسول ظلما وبهتانا، وهي تحذير للمسلمين بعدم إتباع تلك الروايات والإسرائيليات التي سميت بالأحاديث، لأنها ستتسبب في هجر القرآن واعتبارها المرجع الوحيد لرسالة الإسلام يستمدون منها التشريعات لتنظيم شؤون حياتهم، وهنا يختل ميزان العدل ويحدث الشقاق والنفاق وتنتشر الفتن، وذلك ما حدث فى الماضي منذ الربعة عشر قرنا، وما يحدث اليوم هو إعادة إنتاج نفس الفرق الضالة بأسماء مختلفة مثل “داعش” و”الإخوان” و”القاعدة” و”التكفيريون”، وغيرهم الكثير لأنهم هجروا كتاب الله واتبعوا روايات الشياطين فضلوا الطريق المستقيم.

كما أن الله سبحانه يخاطب رسوله أيضا بأمر يدعو المسلمين للوحدة والالتفاف حول الكتاب المبين والاعتصام به حتى لا يهجروا  كتاب الله، وهو يدعوهم بقوله سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103) ثم يحذرهم أيضا بقوله (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)، ويصف الذين فرقوا دينهم بقوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ) (الأنعام: 159) وقوله فى تفرق المسلمين أيضا (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ) (الروم :31-32)، حيث أن الله سبحانه يقول لرسوله إن المسلمين الذين فرقوا دينهم لست منهم،  كما أن الذين يسعون في خلق الفرقة بين المسلمين وصفهم الله سبحانه مثل المشركين لأنهم لم يتبعوا ما أنزل إليك من تشريعات في القرآن الكريم، بالرغم من دعوة صريحة لهم من الله سبحانه في قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3).

 وبالرغم من الحقائق القرآنية التي وردت في بعض الآيات أعلاه إلا أن الناس تم استغفالهم واستدراجهم بالروايات بما سمي بالأحاديث افتراءا على الله ورسوله الأمين، فاتجهوا اتجاها مغايرا لما يريده الله لهم من خير وصلاح وحياة، ينتشر فيها التعاون والمحبة والرحمة والحرية والسلام والعدل بين الناس، وقد ساهم الفقهاء ومن تمت تسميتهم بالعلماء والمفسرون الذين احتكروا فهم مقاصد القرآن ليصبحوا المرجعيات الوحيدة لرسالة الإسلام حتى يسيطروا على عقول المسلمين ويوجهونهم حيث يريدون، وقد وصل بهم تجاوز الفرض الإلهي، الذي أمر الناس بالتدبر فى آيات قرآنه والتفكر في مقاصد تشريعاته لخير الإنسانية جمعاء إلى أنهم أفتوا بقفل باب الاجتهاد والتوقف عن التفكر والتدبر فى آيات الله، رافضين أمر الله للناس بقوله سبحانه: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء: 82) وقوله سبحانه: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24) وقوله سبحانه: ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ) (المؤمنون: 68) وقوله سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ )(ص: 29).

فكيف قرر  شيوخ الدين (إقفال باب الاجتهاد)، فى موقف يتناقض مع تشريع الله وآياته وعصيان لأوامر الله وطاعته، وذلك بقولهم  بعدم جواز  استنباط جديد وفهم أمين يوضح للناس مقاصد آياته لما يحقق لهم الأمن والرحمة والعدل والحرية والسلام بالرغم أن الله سبحانه جعل التدبر فى آياته والتفكر فى تشريعاته فرض عين  على كل إنسان لديه القدرة على القراءة ومعرفة معاني الكلمات حيث يتحمل وحده مسؤولية فهم النص وإدراك مقاصده.

لذلك تفرقت بهم السبل وضلوا عن الطريق المستقيم، أربعة عشر قرنا من الزمان، حينما احتكر بعض الفقهاء فهم النصوص القرآنية وسوقوا لمفاهيمهم بمختلف الوسائل الدعائية من ترهيب  لمن يخالف فتاويهم، وتفسيراتهم وأحكامهم عن الحلال والحرام من العذاب يوم القيامة ومصيرهم جهنم وبئس المصير.

 لقد حذرهم الله سبحانه عن ذلك بقوله (وَلا تَقولوا لِما تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هـذا حَلالٌ وَهـذا حَرامٌ لِتَفتَروا عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ لا يُفلِحونَ) (النحل: 116)، ولمن يؤمن برواياتهم وفتاويهم ويكون تابعا لهم يسير خلفهم كالأعمى لا يرى غير ما يراه الفقهاء ويعطل فرض التفكر والتدبر في آيات القرآن الكريم يعدونه بأن سيجزيه الله جنات النعيم علما بأن الرسول عليه السلام قد بلغ الناس في حجة الوداع قول الله سبحانه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3)، وبهذا الإعلان الواضح من الرسول بانتهاء الخطاب الإلهي للناس فمن أين أتي من يسمونهم بالعلماء والأئمة وناقلي الروايات وغيرهم بروايات مفتراه بعشرات الآلاف مما أطلق عليها بالأحاديث ظلما وبهتانا بين ضعيف وحسن وقدسي وغير قدسي ومقبول ومقطوع.

فمن أنبأهم بذلك؟ هل نزل عليهم جبريل بكتب جديدة، وأحاديث غير أحاديث الله سبحانه في كتابه الكريم الذي أنزله  على رسوله بالرغم مما تدحضه الآيات التي سبق ذكرها في القرآن الكريم في قوله سبحانه (اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّـهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)(الزمر : 23) وقوله سبحانه (اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّـهِ حَدِيثًا ) (النساء: 87) وقوله سبحانه (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (المرسلات : 50) ومخاطبته لرسوله الكريم مستنكرا بقوله سبحانه (تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) (الجاثية: 6)، تلك الآيات تنفي الاعتراف بكل ما يسمى أحاديث بكل أنواعها أحاديث وروايات مرسلة أو ما يسمى بأحاديث قدسية فكلها محض افتراء وبهتان على رسول الله لأن الرسول مؤتمن على إيصال الرسالة الكلف بها إلى الناس.

 لا يمكن حذف أو إضافة من الرسالة المكلف بها من الله تأكيدا لقوله سبحانه (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48)) (الحاقة: 40-48)، تحذير الله مبلغا الناس الذين يستقبلون آيات الله عن رسوله الأمين بأن الله قد نبه رسوله الكريم بعدم التقول على الله وجزاء ذلك من يتقول على الله تأكيدا من الله سبحانه للناس ما ينطق به الرسول عليه السلام من آي الذكر  الحكيم آمنوا به وصدقوه واتبعوه بكل ما يبلغكم به عن ربه من عبادات وتشريعات وقواعد المعاملات بين الناس وما يعظكم به من الأخلاقيات ومبادئ قيم الفضيلة لتسمو به العلاقات الإنسانية.

ولذلك خاطب الله رسوله بقوله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 67)، وهذه الآية تأكيد إضافي للرسول الكريم بأنه مكلف فقط بتبليغ الناس بما أنزل إليه من آيات القرآن الكريم وليس بأي شيئ آخر مثل الروايات المغرضة إلى ألفها الغير  مؤتمنين على رسالة الإسلام والتي نسبوها للرسول عليه السلام افتراءا وبهتانا وأطلقوا عليها أحاديث منها القدسية ومنها أحاديث عادية مصنفة بعشرات الأنواع منها يتيه فيها المسلم في ظلمات لا يكاد يجد سبيلا للخروج منها بما فعله ناقلي الروايات، ومن قام بتسويقها للمسلمين ممن يسمونهم الفقهاء وشيوخ الدين على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن أفقدت رسالة الإسلام قيمها وأهدافها السامية لما تستهدفه من مصلحة الإنسان ومنفعته في الحياة الدنيا والآخرة، والتي يستشهد بها القرآن فى قوله سبحانه ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى (123) وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى (124) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَني أَعمى وَقَد كُنتُ بَصيرًا 125) قالَ كَذلِكَ أَتَتكَ آياتُنا فَنَسيتَها وَكَذلِكَ اليَومَ تُنسى (126) )(طه: 123-126).

ولقد خاطب الله رسوله ينبئه بما سيتبعه المسلمين فى المستقبل بصيغة استنكارية حيث قال سبحانه (تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) (الجاثية: 6)، يبين الله للناس ويحذرهم من إتباع ما سمي بالأحاديث لأن ذلك سيصرفهم عن تلاوة القرآن الكريم وهو رسالة الله للناس ودستورا لحياتهم ومماتهم يرشدهم إلى طريق الخير والسعادة والأمن والسلام.                                                                                                                            ومن هنا أصبح موضوع تصويب الخطاب الإسلامي هو العودة لأصل الرسالة التي أنزلها الله على رسوله في الكتاب المبين ليبين للناس طريق الهدى والخير والأمن والرحمة والعدل والسلام ويضع تشريعا يمنع به الناس من الاعتداء على بعضهم ويأمرهم بالتعامل بينهم بالحسنى وان حسابهم يوم القيامة ليس بأنسابهم ولا بقربهم من الرسول، إنما بأعمالهم وفق القاعدة الإلهية (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) (الزلزلة: 7-8).

وقوله سبحانه ( يَومَ تَأتي كُلُّ نَفسٍ تُجادِلُ عَن نَفسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت وَهُم لا يُظلَمونَ ) (النحل: 111)،  وقوله سبحانه يصف للناس يوم الحساب جزاء كل نفس بما كسبت فى الحياة الدنيا ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) (النساء: 173)،  ولذلك تفاديا لما سيواجهه الإنسان يوم القيامة أثناء الحساب على قاعدة المنهاج الإلهي وهو القران الكريم وآياته، والذي سيحاسب عليه الناس جميعا دون استثناء ليتحقق للإنسان الأمن يوم الحساب كما قال سبحانه (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء: 9)، وقوله سبحانه: (الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولـئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ ) ( الأنعام: 82).

وعلى المسلمين يجب التقيد بالآيات القرآنية ضرورة قصوى للإنسان ليؤمن يوم الحساب دون النظر إلى الاجتهادات البشرية والروايات المستحدثة وأقوال الفقهاء المرجفة فالمسلم مأمور بإتباع القرآن وهديه وإتباع مقاصد آياته وأنه في هذه اللحظة الفارقة بين رسالة الإسلام الحقيقية التي أنزلها الله على رسوله منذ أربعة عشر قرنا ( فى كتاب لا يضل ولا ينسى).

إن ما حدث خلال تلك العصور السابقة من تحريف وتزوير وافتراءات على الله ورسوله نقف اليوم أمام الله معاهدين بأن نرفع عن كتابه ما وقع عليه من ظلم وبهتان وهجر وتشويه لكتابه وأحكامه أمانة ومسؤولية عظيمة سيحاسب عليه الإنسان يوم القيام حتى لا يتهم العارفين باللغة العربية والمتعلمين بما قاله سبحانه (  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة: 159)، أمانة عظيمة يحملها كل من آمن بالله ورسوله واتبع كتاب الله وعرف مقاصد آياته وما تدعو إليه الناس من رحمة وعدل وحرية وسلام والمعاملة بالحسنى.

إن التكليف للرسول واضح والرسالة محددة بالتقيد بإبلاغ الناس بآيات القرآن الكريم والالتزام بإيصال الخطاب الإلهي وشرح مقاصده لما ينفع الناس في الدنيا والآخرة ويرشدهم إلى إتباع منهج القرآن الكريم،  كما قال سبحانه لرسوله فى خطاب التكليف (( قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (النور: 54)، تلك هي مهمته عليه السلام الذي أداها بكل الأمانة والإخلاص وبلغ قومه بآيات الله وشرح لهم مقاصدها لما يحقق منفعتهم وسعادتهم و يحقق لهم الأمن والسلام للمجتمعات الإنسانية.

فالله سبحانه قد كلفه يبلغ عباده بخطابه لهم وأن الرسول محمد بن عبد الله لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقول على الله ما لم يكلفه به في كتابه الكريم تؤكده الآيات السابقة من استحالة أن يضيف الرسول على كلام الله الذي أنزله عليه في قرآن مجيد أي قول من عنده، يؤكد ذلك تلك الآيات السابق ذكرها تنسف ما نقله وزوروه أهل الروايات على الرسول منسوبة للصحابة من أكاذيب وتحريف أسموها أحاديث، وما حشدوا لها من تسويق وانتشار في بقاع الأرض ليقوموا بعملهم الشائن في تشويه رسالة الإسلام الخالدة وما ترتب على الروايات والإسرائيليات من تفرق المسلمون، وتعدد مناهج دين الإسلام وخلق الطوائف والفرق أدت إلى التناحر بينهم والصراع، وسفك الدماء منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا. لقد وآن الأوان أن يتم إقفال الصفحة السوداء في تاريخ الدعوة الإسلامية لتعود من جديد كما بدأت بيضاء ناصعة كما أمر الله وكما بلغها رسوله للناس في آيات القرآن الكريم، أن يعتمد المسلمون كتاب الله المرجعية الوحيدة لرسالة الإسلام.

يبدو أن الجميع غير مدركين لعظمة المهمة وخطورتها، ولتوضيح أهميتها فلنعلم جميعا بأن كل من يفكر فى تصويب الخطاب الإسلامي بعدما هجره المسلمون وما تراكم على الخطاب الإلهي من كم هائل من الروايات والأقاويل المفتراة على  الرسول حتى خفت نور الرسالة وحولت تلك الإسرائيليات، والروايات المسلمين إلى أدوات يسوقهم دعاة الفرقة والتطرف إلى صراع دائم يأكل الأخضر واليابس.

فمنذ وفاة الرسول إلى اليوم والمسلمون يعيشون فى محنة وفتنة وقتال وصراع وكراهية ووحشية، وعدم تقبل الأخر والاستعلاء على الغير والله سبحانه يبين لهم بقوله (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص: 83).

إن كل ذلك قد يكون سببه عزل القران وهجره وطغيان الروايات على الآيات حينما تم تقديس أصحاب الروايات وافتراءاتهم وأوهموا الناس بأنها أقوال الرسول، وكيف تم توظيفها للاعتداء على الأوطان طمعا للسلطة والثروات واحتلال البلدان باسم الإسلام وما أحدثه المسلمون من قتل وسبي واغتصاب واحتلال باسم الفتوحات الإسلامية لنشر الإسلام أكذوبة انتشرت وقيادات وظفتها لتحقيق مأربا سياسية لا علاقة لها بالإسلام.

إن دعوة الناس للإسلام حددها الله سبحانه فى تكليفه لرسوله الأمين بقوله سبحانه ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(النحل: 125)، ولم يأمر الله رسوله بمقاتلة الناس ليكونوا مسلمين إنما خاطب الله رسوله عليه السلام بقوله (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ) (يونس : 99)،  وقال سبحانه أيضا: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر) (الكهف: 29).

 تلك الأوامر الإلهية للرسول فى الدعوة إلى الإسلام، فمن أين أتوا بدليل يسمح للمسلمين غزو الأوطان واحتلال البلدان وتشريد الأسر وسبي النساء والسيطرة على أملاك الناس والتمتع بها ظلما وعدوانا مرتكبين جريمة أخطر من الاحتلال هي تبرير أعمالهم الإجرامية باسم نشر الإسلام يفترون على الله ورسوله ظلما وبهتانا والله يأمر الناس جميعا بقوله سبحانه (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ ) (المائدة: 2).

المؤكد أن هناك حكم إلهي عام لكل الناس الامتناع عن العدوان بالمطلق وبكل أشكاله والتعاون على ما ينفعهم ويصلح أحوالهم كما تسببت تلك الروايات ليتوه المسلمون أربعة عشر قرنًا في سفك الدماء والتدمير والتشريد والحروب فيما بينهم لتهيئة المشهد في العالم العربي لسيطرة القوى الاستعمارية ومرشديهم من الصهاينة  الذين استطاعوا أن يزوروا تلك الأحاديث بأشكال مختلفة منها الحسن ومنها الضعيف ومنها المقطوع ومنها المتواتر والصحيح والآحاد القدسي وأسماء عدة وابتكروا وسائل إغراق العقول فى شكليات وقواعد منها الجرح والتعديل وعلم الرجال وصنوف من المصطلحات التي لا تمت لرسالة الإسلام بصلة.

لقد شغلوا المسلمون بكل ما سبق ليبعدوهم عن كتاب الله، الذى يدعوهم لتوظيف العقل والرحمة والحرية والسلام والعدل وحسن المعاملة والتواد وتحريم قتل النفس والتعاون وعدم الاعتداء على الناس ليحقق لهم الأمان ويوجههم لما ينفعهم ولا يضرهم بينما أكثر الروايات سببت الفتن ونشرت خطاب الكراهية والصراع فما أحوجنا اليوم لنعيد للعقل احترامه بما كرمنا الله به تدبرًا وتفكرا فى كتابه لنستنبط منه حقائق الحياة، ونتعرف على الكون ونوظف نعم الله فى الأرض لمصلحة الإنسان ونطوي صفحة سوداء عمرها أربعة عشر قرنًا لنعود ونستشعر أننا فى حضرة الرسول الأكرم عليه السلام يتلو علينا آيات القرآن الكريم ويبين للناس مقاصده الخيرة للناس جميعا ليتحقق لهم العيش الآمن والسلام والاستقرار ليقوم الناس بعبادة الله وممارسة الأعمال الصالحة وأداء واجباتهم من صلوات وصيام وحج والإنفاق فى سبيل الله لنشر كتاب الله عملا وقولا لكي تنتشر آياته وتشريعاته وعظاته وأخلاقياته  لتضيء فى الكون نورا وسلاما ورحمة ووئاما بين جميع خلق الله.

ما سبق، يصبح مهمة المخلصين من المتقين المتجردين فى خدمة رسالة الإسلام لمصلحة الإنسانية جمعاء لتصويب الخطاب الإسلامي مهمة عظيمة وليست جلسات ومداخلات إعلامية، وإنما عمل يبتغي من ورائه المفكرون وجه الله واسترجاع ما تم اختطافه من التشريعات الإلهية من خلال التزام بكامل الأجندة القرآنية واستكمال كل نقص وإزالة كل ما طرأ على الرسالة من تشويه مقاصد الخير للناس وتحديد موضوعات الرسالة كما أراد الله لها لتنقذ الإنسان من عبودية العقل لعباده من الأحياء والأموات مع تعدد المسميات من الصحابة أو أولياء اًو أهل البيت وكلهم لا ينفعون أنفسهم او غيرهم ولا يضرون تأكيدا لقوله سبحانه (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) (العنكبوت: 41).

بالرغم من أن الله سبحانه أمر الناس  بأمر واضح فى قوله سبحانه (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3)، وان تصويب الخطاب الإسلامي يجب أن تكون إرادة صادقة ونية مخلصة يبتغي أصحابها من ورائها رضي الله ورحمته من اجل تصحيح مسار رسالة الإسلام لخير البشرية ورفع ما وقع عليها من محاولات شريرة لخداع المسلمين ودفعهم لإتباع الطرق الخاطئة التي قد تؤدي بهم إلى مالا ما لا يحمد عقباه عند الحساب ليجدوا أنفسهم فى مأزق حين يسألهم الله سبحانه بقوله هل اتبعتم ما أنزل اليكم وأطعتم الرسول فيكون جوابهم (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (الأحزاب:67).

فطاعة الرسول فيما انزله الله عليه من آيات القران الكريم هداية للناس من رحمة وعدلً وحرية وسلام  وإحسان وتعاون على البر والتقوى وتعاملً راق مع كل البشر وفق أخلاقيات القران وتشريعاته وعظاته  لتعيش المجتمعات الإنسانية فى كل مكان فى عيش كريم وامن واستقرار بلا حروب ولا قتال ولا خوف ولا فزع  ولا ظلم بل اطمئنان وسكينة.

والكل يسعى فى مناكبه ويأكل من رزقه ترفرف عليهم بركات الله وتتنزل عليهم نعمه ورحماته لقد ارتكب المفسرون وأصحاب الروايات وناقليها وشيوخ الضلال اكبر جريمة فى تاريخ الإنسانية عندما عملوا على عزل القران من حياة الناس على مدى أربعة عشر قرنًا وجعلوهم يتوهون بين روايات مكذوبة وإسرائيليات موضوعة وأساطير مزورة إفتروها على رسول الله ونسبوها إليه وهم يعلمون حق العلم بأن التكليف الإلهي للرسول محدد والمهمة واضحة فى قوله سبحانه (المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)) (الأعراف: 1-2)، ثم تتبعها أية آمرة للناس بأن لا يتبعوا غير كتاب الله  سبحانه فى قوله (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3).

 ألم يتدبروا آياته الم يخافوا عذابه فى الدنيا والآخرة عندما ارتكبوا تلك الجريمة والتى أضلوا المسلمين بإتباعها ويؤمنون بتلك الروايات كأمر مسلم بها وصدقوا أن الرسول، هو الذى تحدث بها وهو لم يخوله الله بالتحدث نيابة عن الخطاب الإلهي القرآن الكريم إلا ما تلقاه من الوحي ليبلغ الناس بآيات قرانه وحين يقف الناس المخدوعين أمام الله يوم القيامة، حيث يقول سبحانه: (يَومَ نَدعو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم فَمَن أوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَأُولـئِكَ يَقرَءونَ كِتابَهُم وَلا يُظلَمونَ فَتيلًا (71) وَمَن كانَ في هـذِهِ أَعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمى وَأَضَلُّ سَبيلًا (72)) (الإسراء: 71-72).

ويستمر المشهد المأساوي حيث يبحث الإنسان عن عذر فلا يجد غير الندم في  قوله (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) (الفرقان: 28)، يوم يعض الظالم على يديه يقول (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) (الفرقان: 27)، وقوله سبحانه يصف الذي ضل سبيل القرآن (لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)) (الفرقان: 29-30)، انه مشهد تقشعر منه الأبدان ويتمنى أن يفر منه الإنسان وقد حذر الله سبحانه عباده من ذلك المشهد في قوله (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)(البقرة: 48).

نبأ عظيم  يبلغنا الله سبحانه قبل أربعة عشر قرنًا بان المسلمين سوف يهجرون القران إنذار استبق محاولات المجرمين فى طمس رسالة القران لتحل محله الروايات دون ان يتنبه المسلمون لهذا الإنذار بعد وفاة الرسول ويعملون على حماية كتاب الله من الشياطين الذين لا يريدون لنور الله أن ينتشر في الأرض يضيء للناس طريق الخير والصلاح والعدل والسلام وجاء تحذير الله أولئك المجرمين فى قوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)(البقرة: 159).

فقد كتموا ما أنزل الله من البينان واستبدلوه بروايات وأساطير وحكايات تستخف بالعقول وتنشر اللامعقول ليتوه الناس وينشغلون عن القرآن من أجل أن تستباح دول العربان ويسيطر العدوان على ثرواتهم ويتم استعبادهم فلا تقوم لهم قائمة ويتحقق حلم اليهود ويسيطر أبناء صهيون يستبيحون أوطاننا ويستعبدون شعوبنا وينهبوا ثرواتنا وتتحقق أحلامهم في دولة من النيل إلى الفرات، لذلك لابد من وقفة شجاعة نطوي فيها كلما جاءت به الروايات منذ وفاة الرسول عليهم السلام ونتبع ما أمره الله أن يبلغ الناس به فى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ) (المائدة: 67)، ويبين له سبحانه في مهمته أن يبلغ القران وآياته ويعلمهم الحكمة وتشريعاته ويعرفهم أخلاقياته يخاطبه ربه بقوله (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)) (الزخرف: 43 – 44)، ينبه الله سبحانه رسوله بالتمسك بالقران الكريم وانه ذكر له ولقومه وان الله ساءلهم عن إتباعه يوم القيامة.

لقد ارتكب ناقلي الروايات وبعض الفقهاء جريمة الظلم، الذى وقع على كتاب الله المبين من تحريف وتزوير وافتراءات على آياته ورسالته وما تدعو إليه من رحمة وعدل وحرية الاعتقاد وتمسك الناس بآداب القران وتشريعاته وأخلاقياته.

لقد أصبحت تلك الروايات والإسرائيليات مرجعيات القتل والتدمير والكراهية لكل فرق الإرهاب منذ عهد القرامطة الى عهد داعش والإخوان والقاعدة استمدوا عقيدتهم ومنهجهم الإجرامي مما تناقلته الألسن من تحريف رسالة الإسلام ومن التزوير على الله ورسوله، فرقت المسلمين إلى طوائف ومذاهب وفرق متناحرة فأنستهم آيات الله وضلوا الطريق وهم في ظلمات إلى أن يرجعون لكتاب الله يهديهم الطريق المستقيم الذي يصفه الله سبحانه مسؤولية رسوله ومهمته بقوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)) (يس: 69-70)، كما ينطبق على الذين ضلوا طريق الحق وأصبحوا مجرمين  وصف الآيات التالية في قوله سبحانه وتعالى لرسوله: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (81)) (النمل: 79-81).  وقوله سبحانه: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ (85)) (النمل: 83-85).

وحينئذ عندما يرون الموت وقد اقترب حسابهم يتوسلون لله وكلهم حسرة وفي حزن شديد حيث يصف الله حالهم بقوله سبحانه: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100))(المؤمنون: 99-100)، وهكذا تكون رحمة الله لعباده ينذر الناس من اليوم الموعود ومن حساب لكل من عمل صالحا ولكل من ضل طريق الهدى سيكون احدهما كما وصف الله يوم القيامة بقوله سبحانه ( يَومَ يَأتِ لا تَكَلَّمُ نَفسٌ إِلّا بِإِذنِهِ فَمِنهُم شَقِيٌّ وَسَعيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذينَ شَقوا فَفِي النّارِ لَهُم فيها زَفيرٌ وَشَهيقٌ (106) خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ إِلّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُريدُ (107) وَأَمَّا الَّذينَ سُعِدوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ إِلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيرَ مَجذوذٍ(108))(هود: 105-108)، فليختار الإنسان ما يشاء طريق الهدى وإتباع الكتاب المبين الذي بلغ الناس به الرسول الأمين وأما اختياره لطريق الشيطان واتبع الهوى وما روى شيوخ الدين من تضليل وروايات المنافقين وسيكون حسابهم عند ربهم على قاعدة قوله سبحانه (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد.

الخلاصة:

لم يعطي الله الحق في التكليف الإلهي لجميع رسله وأنبيائه بأن يأتوا بآيات أو أحاديث من تلقاء أنفسهم تأكيدا لقوله سبحانه مخاطبا رسوله عليه السلام ( وَلَقَد أَرسَلنا رُسُلًا مِن قَبلِكَ وَجَعَلنا لَهُم أَزواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسولٍ أَن يَأتِيَ بِآيَةٍ إِلّا بِإِذنِ اللَّـهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (الرعد: 38)، فكيف افتروا أصحاب الروايات على الله ورسوله بعد أن أعلن عليه السلام فى خطبة الوداع قول الله سبحانه ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة: 3)، وقوله سبحانه تأكيد الاستكمال  خطابه للناس بقوله (وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّميعُ العَليمُ ) (الأنعام: 115)، أليست تلك الآيتين تفضح وتدحض كل الروايات المنسوبة للرسول عليه السلام كذبا وافتراءا عليه، ثم يأمره فى خطاب التكليف بمسؤوليته فى إيصال رسالته للناس مخاطبا رسوله بقوله سبحانه ( وَإِن ما نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذي نَعِدُهُم أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ وَعَلَينَا الحِسابُ) (الرعد : 40)، وهكذا بكلمات واضحة وتعليمات مؤكدة لمهمة الرسول محصورة  في إبلاغ الناس رسالة الله لهم وشرح مقاصد آياته لما ينفعهم فى الدنيا والآخرة، ولهم حق الاختيار  بين الطريقين طريق الله وطريق الشيطان، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، أما حساب الناس فهو  عند الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو العادل السميع العليم، ولم يكلف سبحانه أيا من رسله وأنبيائه أن يكونوا وكلاء عنه على الناس فى الحياة الدنيا وحساب الناس جميعا عند ربهم يوم تقوم الساعة حيث وضع الله سبحانه قاعدة أزلية للحساب بقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّـهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (الحج: 17)، فليس من حق أي إنسان رسولا أو نبيا أو فقيها فى الدين أو عالما أن يكفر أي إنسان أو  يحكم على الناس على ما يراه فى الظاهر  بالتكفير.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى