توازن برجماتي: استراتيجية الصين تجاه الوضع في جنين

أكد تشانع جون المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة خلال الجلسة الخاصة،  التي عقدها مجلس الأمن الدولي يوم 27 يونيو لمناقشة الأوضاع في الشرق الأوسط، بما فيها القضية الفلسطينية، بأن قضية فلسطين، هي لب قضية الشرق الأوسط، وتتعلق بالسلام والاستقرار في المنطقة على المدى الطويل، كما أوضح تمسك الصين بالعدالة والانصاف الدائم، وتأييدها بقوة للقضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة.

موقف مدروس:

سياسي فلسطيني: عدوان جنين جريمة لن تمر - 03.07.2023, سبوتنيك عربي

أشار “جون” إلى ثلاث نقاط في سياق الموقف الصيني من تصاعد أعمال العنف في جنين، والتي تضمنت معارضة الصين الإجراءات الأحادية الجانب التي تزيد من حدة التوتر في الأراضي المحتلة رافضة السعي وراء الأمن المطلق على حساب أمن الطرف الآخر، وأكد علي تمسك بكين بدور الأمن الشامل والمشترك والتعاوني والمستدام من خلال الحوار والمفاوضات في إطار دور المجتمع الدولي، كما شدد علي التمسك بسيادة القانون الدولي متهم إسرائيل بأن جميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي المحتلة ينتهك فيها القانون الدولي ويتعارض مع متطلبات قرار مجلس الأمن رقم 2334.

 وقد أكد بأن المخرج الأساسي لتهدئة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية يكمن في استئناف محادثات السلام وتنفيذ “حل الدولتين”، مع انتقاد بشكل غير مباشر لدور مجلس الأمن غير المؤثر في تحمل المسؤوليات الموكلة إليه بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وتوفير الإشراف والضمان للوفاء بالالتزامات السياسية.

اتجاهات متكررة:

السفير الصيني لدى الأمم المتحدة: على الولايات المتحدة ألا تذهب أبعد من ذلك  في الطريق الخطأ

من الجدير بالذكر أن التصريحات السابقة، تتماشي مع التصريحات التي أدلى بها سفير الصين لدى منظمة الأمم المتحدة، يانغ جين، بشأن الوضع في فلسطين المحتلة في يوم 24 مايو 2023.

بالإضافة إلى زيارة الرئيس عباس للصين في يوم ١٣ مايو، وتوقيع البلدين “شراكة استراتيجية”، مع طرح ثلاث مقترحات بشأن القضية الفلسطينية: أولاً، يكمن الحل الأساسي للقضية الفلسطينية في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. ثانياً، يجب ضمان احتياجات الاقتصاد الفلسطيني، ويجب على المجتمع الدولي زيادة المساعدات الإنمائية والإنسانية لفلسطين. ثالثًا، مع ضرورة الالتزام بالاتجاه الصحيح لمحادثات السلام، واحترام تاريخ الأماكن المقدسة الدينية في القدس.

فهل الموقف الصيني البراغماتي يعكس استراتيجية التوازن البراغماتي بين الحفاظ على العلاقات التجارية مع إسرائيل مع محاولة كسب زخم سياسي في منطقة الشرق الأوسط من خلال القضية الفلسطينية؟ هل يمكن أن تلعب الصين دور صانع السلام في سياق العلاقات الصينية العربية، والصينية الإسرائيلية والصينية الامريكية.

توازن برجماتي:

بكين تتعهد بـ"الحكمة الصينية" في دعم القضية الفلسطينية | الشرق للأخبار

من خلال تحليل الخطابات الصينية التي تعكس موقفها تجاه جميع الصراعات والأزمات التي مرت على القضية الفلسطينية، نجد أن هناك تحول في الخطاب الصيني منذ عام ٢٠١٣، وهو مرتبط بالتحول في السياسة الداخلية والخارجية للصين من ناحية، والعلاقات الصينية الأمريكية والوضع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، والعلاقات الصينية العربية\الصينية- الاسرائيلية من ناحية أخرى.

فمنذ عام ٢٠١٣، تخلت السياسة الخارجية الصينية عن ” إخفاء القدرات”، واستبدلتها ” اظهار القدرات”، من خلال إطلاق” استراتيجية الحزام والطريق”، وتعزيز القوة الناعمة للصين، مع محاولة الانخراط الإيجابي في قضايا شؤون الأمن العالمي، ثم إطلاق مفاهيم جديدة “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، “مجتمع المصير المشترك” وتعاون الجنوب- الجنوب”، والدعوة الي نظام عالمي جديد.

كل التحولات، السابق ذكرها أدت الي تعزيز التعاون مع إسرائيل بشكل كبير، وخاصة بعد أن تزايدت الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة لبكين في اطار “طريق الحرير البحري”، نظر لحرص الصين علي الاستثمار في الموانئ الإسرائيلية، بالإضافة الي أهمية إسرائيل في الاستراتيجية الوطنية الصينية المتمثلة في “بناء دولة حديثة اشتراكية قوية”، والتي جعلت بكين تؤسس ” الشراكة الشاملة المبتكرة” مع إسرائيل، المتمثلة في التعاون في مجالات الابتكار العلمي والتكنولوجي، مثل التصنيع الذكي ، والمعدات المتطورة ، والتكنولوجيا الزراعي  والطاقة والمياه والمعدات العسكرية وغيرها. وفي مجال الاستثمار والتجارة، في إطار طريق الحزام الاقتصادي الصيني، تستثمر الصين بشكل كبير في البنية التحتية لإسرائيل.

وفقًا للبيانات الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك الصينية، في عام 2022، سيصل حجم التجارة بين الصين وإسرائيل إلى 25.45 مليار دولار أمريكي، لتصبح الصين في هذا العام أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا وثاني أكبر شريك تجاري في العالم، وكذلك أكبر مصدر لواردات إسرائيل.

من الجدير بالذكر، التعاون في التكنولوجيا والابتكار، هو أحد الركائز الأساسية للتنمية النشطة للعلاقات الثنائية بين الصين وإسرائيل اليوم. حيث تتميز الصناعة الزراعية في إسرائيل بالبحث المتعمق وتطوير الأنظمة المبتكرة، وتزويد العمال الزراعيين الصينين بالعديد من التقنيات والحلول المبتكرة.

ففي مارس من هذا العام، عقدت الجولة الثامنة من المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة بين الصين وإسرائيل في إسرائيل. أجرى الجانبان مشاورات متعمقة حول مواضيع مثل تجارة السلع، وقواعد المنشأ، والإجراءات الجمركية وتسهيل التجارة وغيرها.  وفي أبريل، مؤتمر التوفيق بين مقاطعة هوبي وإسرائيل للتعاون والابتكار في مجال التكنولوجيا الزراعية الحديثة من أجل تعزيز رواد الأعمال والخبراء في هوبي، وتبادلات متعمقة مع الشركات الإسرائيلية. ومايو، أقامت القنصلية العامة لإسرائيل في شنغهاي احتفالًا في شنغهاي بمناسبة “الذكرى 75 لتأسيس إسرائيل والذكرى الثلاثين لتأسيس المدن الشقيقة بين حيفا وشنغهاي”. وفي يوليو، زار وفد إسرائيلي لمقاطعة خنان بالصين، والتي تربطها تعاون وثيق مع إسرائيل في التكنولوجيا الزراعية، حيث قدمت الأخيرة اسهامات كبيرة في تطوير الزراعة الحديثة في المقاطعة. تأتي هذه الزيارات في ظل تفاقم الوضع في جنين.

فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعلاقات الصينية العربية، ساهم التحولات الجيوسياسة في منطقة الشرق الأوسط منذ ٢٠١٣، في تحولات في السياسة الصينية تجاه المنطقة والتي تركزت على استراتيجية” اغتنام الفرص” من خلال مراقبة الموقف وأيضا الانخراط بشكل نشط وفعال وذلك منذ عام ٢٠٢٠.

أسست الصين شراكة استراتيجية شاملة مع الكثير من الدول العربية، وعينت مبعوثا لها لقضايا الشرق الأوسط، وساهمت مصالحة بكين بين السعودية وإيران في تعزيز الدبلوماسية الصينية وتأكيد حضورها السياسي في المنطقة، رغم أنها تتعارض مع مصالح إسرائيل في المنطقة. ناهيك عن التحولات في السياسة الداخلية والخارجي للاعبون الإقليميون، حيث يعطون الأولوية الآن لتنميتهم الاقتصادية لضمان البقاء والازدهار في حقبة ما بعد النفط، وتتماشي خطط التنمية الوطنية للدول العربية مع استراتيجية الحزام والطريق، وقد انعكست هذه التغيرات في الموقف العربي من الحرب الأوكرانية الذي اتسم بالحياد والتوازن البراغماتي. كما يعتبر الكثير من الخبراء الغربيون بأن التحولات الجيوسياسية في المنطقة والانخراط السياسي للصين المتزايد يبرهن بأن المنطقة تحتضن حقبة جيوسياسية جديدة، لكن الولايات المتحدة فشلت في التكيف مع هذا الواقع الإقليمي الجديد ووقعت في عزلة.

كما صاغت الصين خارطة السلام بين الجانب الاسرائيل والفلسطيني عام ٢٠١٧، والذي رفضتها إسرائيل. كما أكدت في معظم منتديات التعاون الصيني العربي وأيضا القمم بأن القضية الفلسطينية محور السلام والاستقرار في المنطقة. أوضحت زيارة عباس رغبة الصين لأول مرة في استعدادها للعب دور فاعل في تحقيق المصالحة الداخلية بين الفصائل الفلسطينية وتعزيز عملية السلام الداخلية. يحرص المبعوث الخاص للحكومة الصينية بشأن قضية الشرق الأوسط على زيارة إسرائيل والأراضي الفلسطينية من حين لآخر.

في الواقع، تنظر الصين للقضية الفلسطينية في سياق مصالحها السياسية والتجارية والأيديولوجية. بمعني ان الصين تحاول من خلال التزامها بما ذكرته سابقا في خطاباتها تجاه القضية، لعب دور صانع السلام في سياق تعزيز القوة الناعمة لها في المنطقة، مع دعم الشعب الفلسطيني بالمساعدات الإنمائية والتي داعم من دعمها في المحافل الدولية في اطار “السلام التنموي الصيني” الذي يقوم علي أساس التنمية لتحقيق السلام، وأيضا تعزيز دورها كقوة كبري مسؤولة تحمل سياسة محايدة بخلاف الولايات المتحدة، وأيضا أهمية العالم العربي بالنسبة للصين في دعم بكين ضد الانتقادات الغربية تجاه حقوق الأقلية المسلمة في الصين، وأيضا تعاون “الجنوب- الجنوب” في سياق دعم بكين لأنشاء نظام عالمي جديد. بالإضافة الي، ضمان المصالح التجارية والاستثمارية للصين في منطقة الشرق الأوسط. وفي سياق الصراع الصيني- الأمريكي، تستغل بكين الدعم الاساسي للقيادة الامريكية لإسرائيل في سياق الصراع بينهما، وأيضا في ظل التنافس مع الولايات المتحدة في مجال السياسة الأمنية وما أن بكين لن ولا تريد أن يكون لها دور أمنى مثل الولايات المتحدة في المنطقة، فهي تعتمد على مبادرات أمنية عالمية” و “تتوسط في الصراع الأكثر تعقيدًا على الإطلاق” لسد هذه الفجوة.

 وإبراز الدور غير الإيجابي للمنظمات الدولية التي تدعو الصين الي تغيير قواعدها التي أسست على القواعد الغربية. مع حرص القيادة الصينية على تعزيز دبلوماسية السلام التي ترتبط بالأفكار الكونفوشيوسية التي تدعم الي الوئام والسلام العالمي والتعاون المشترك.

وعلى الرغم من تمتع الصين وإسرائيل بعلاقات قوية، لا سيما في المجال الاقتصادي، لكن الكثير من الدبلوماسية الصينية الأخيرة في الشرق الأوسط تركزت على الدول العربية، التي كانت من بين أكثر المدافعين صراحة عن القضية الفلسطينية على المسرح الدولي. كما إن استضافة الصين للزعيم الفلسطيني في وقت متوتر بشكل خاص في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأيضا توقيع شراكة استراتيجية مع فلسطين، ورغبتها في المشاركة في المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، خطوة أخرى في جهود الصين لكسب نفوذ سياسي واقتصادي في الشرق الأوسط.

في النهاية يمكن القول إن، العلاقات الصينية الإسرائيلية ستواجه المزيد من الضغوط الامريكية في السنوات القادمة، وايضا الوضع غير المستقر في إسرائيل داخليا في سياق القضية وتداعياتها على امن النظام، ناهيك عن الموقف الصيني من القضية الذي تعارضه إسرائيل وأيضا ترفض جميع مبادرات السلام الصيني.

فجميعها يفرض تحديات خطيرة للاستثمارات الصينية وأيضا مساحة متزايدة من عدم الثقة السياسية مع إسرائيل في المستقبل. بينما تظل القضية الفلسطينية وان كانت مهمشة على ارض الواقع، فهي قضية حيوية للأمن القومي العربي واستقرار المنطقة العربية، وهذا يجعل ميزان المصالح الصينية في اتجاه الجانب العربي أكثر، بالنظر لحجم الاستثمارات مع الدول العربية ودورها الاستراتيجي في طريق الحزام الاقتصادي وطريق الحزام البحري الصيني. ومن المتوقع، ان تواصل الصين التوازن البراغماتي بين الجانبين للحفاظ على مصالحها التجارية والسياسية والأيديولوجية مع الدعوة الي مؤتمر سلام عالمي للقضية الفلسطينية في إطار دورها كقوة كبري مسؤولة، تحاول ان تنأ بنفسها عن لعب دور أمنى في منطقة تنتمي لمصالحها الأساسية وليس الحيوية مثل شرق اسيا. بالإضافة الي الدعم المالي المتواصل للشعب الفلسطيني والموقف الثابت تجاه القضية في المحافل الدولية.

د. هند المحلى سلطان

كبير باحثي المركز، رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى