الحرب الروسية الأوكرانية إلى أين؟

عبد السلام فاروق

قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 دارت مفاوضات ومناوشات وكان من الممكن تلافى الحرب، إلا أن طرفى الصراع كليهما أراد لها أن تقوم. ولكل منهما أهدافه المعلنة ومن خلفها أهداف أخرى طى الكتمان.

جذور الأزمة

 يمكننا أن نعود بالأزمة إلى تسعينيات القرن الماضي .بل قبل هذا بكثير وبالتحديد منذ معاهدة بيرياسلاف التى تم توقيعها عام 1654 لتوحيد أوكرانيا “هتمانات القوزاق” مع روسيا القيصرية، وفى فترة تاريخية تالية انشطرت أوكرانيا وذهب معظمها للامبراطورية الروسية والباقى ذهب لبولندا والنمسا. ثم تحولت أوكرانيا بعد الحرب العالمية الأولى وبالتحديد عام 1922 إلى دولة مؤسسة للاتحاد السوفيتى !

  معنى هذا أن روسيا تعتبر أوكرانيا بالذات جزءاً لا يتجزأ من كيانها الجغرافى وحقها التاريخى.حتى بعد تفكك الاتحاد السوفيتى أواخر عام 1991 وذهاب كل جمهورية إلى حال سبيلها. ظلت روسيا متمسكة لا بالدول العشر التى استقلت وإنما بأوكرانيا أكثر. فى أعقاب التفكك عمدت روسيا لعقد الاتحادات الاقتصادية مع دولها العشر المفقودة، لكن نظرتها تغيرت منذ عام 1999 عندما بدأ حلف الناتو فى توسيع نطاق نفوذه ليشمل سائر الدول المتاخمة لروسيا من الغرب. فحتى ذلك العام كان قوام الناتو 16 دولة فقط. ثم ضم إليه 3 دول من بينها بولندا، وفى عام 2004 ضم سبعة دول من بينها دول البلطيق الثلاثة ، واستمر الناتو فى عملية التعبئة وتوسيع النفوذ حتى وصل بأعضائه إلى ما يزيد الآن عن 30 دولة. واعتبر أوكرانيا دولة تابعة له رغم أنها لا تنطبق عليها شروط الضم.

  لابد أن نذكر أن نشأة حلف شمال الأطلسي”الناتو” جاءت فى الأصل لمواجهة التهديدات المشتركة وفى مقدمتها التهديد الشرقى لأوروبا والمتمثل فى القطب الثانى من أقطاب النفوذ العالمى آنذاك وهو الاتحاد السوفيتى؛ وهذا ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية عضو مؤسس للناتو منذ نشأته. معنى هذا أن توسع نفوذ الحلف ليشمل سائر الحدود الروسية الغربية كان يمثل تهديداً ضخما لروسيا خاصةً بعد نشر الفيالق الدفاعية للناتو فى دول البلطيق ورومانيا وجاء الدور على أوكرانيا لتنضم إلى الموكب الأوروبى.

 هنا شعر الدب الروسي بالخطر وبدأ منذ عام 2014 فى محاولات حثيثة لصد هذا الخطر الزاحف نحوه بدأب وإصرار منها ضم جزيرة القرم الاستراتيجية لحماية أسطول روسيا فى البحر الأسود، واستقلال أقاليم دونتسيك ولوهانسك وتوقيع معاهدة تتخلى بها أوكرانيا عن أسلحتها النووية.

كل هذا لم يكن كافياً لروسيا فى مفاوضاتها المستمرة مع الناتو والولايات المتحدة الأمريكية واعتبرت أن مسار المفاوضات وصل إلى حده النهائى وأن أمريكا ترفض منحها الحد الأدنى من الضمانات الأمنية وفى مقدمتها تعهد أوكرانيا بعدم الانضمام للناتو. هكذا حشدت روسيا قواتها منذ مارس 2021 ثم بدأ الزحف فى 24 فبراير 2022.

الأطراف والأهداف

 النظرة السطحية للأمور تقول إن الصراع الدائر هو بين روسيا من جهة وأوكرانيا من جهة وانتهينا، لهذا يتم اختزال المصطلح إلى الأزمة الروسية الأوكرانية أو الحرب بينهما أو الغزو الروسي لأوكرانيا وكلها لا تعبر عما يدور فعليا؛ لأن الطرف الروسي ليس بمفرده وإنما لديه أعوان وداعمين بالكلمة والسلاح والأرض مثل بيلاروسيا وإيران والشيشان وربما كوريا الشمالية وكوبا والصين وغيرهم. وعلى الناحية الأخرى يقف الناتو بكل دوله الثلاثين وفى مقدمتهم أمريكا. أما أوكرانيا فليست إلا ساحة الحرب،ثمة مخاوف من أن تتسع الساحة أكثر إلى ما هو أبعد منها !

  الحشود الروسية التى ظلت تتراكم على مدى عام كامل كان من المخطط لها أن تنهى مهمتها سريعاً فى غضون أسابيع أو شهور قليلة، لكن ما حدث أن الدب الروسي فوجئ بحشود أخرى مضادة غابت عن ناظريه، وبمدد لا ينقطع من الذخيرة والعتاد من أمريكا وأوروبا بل وأكثر من هذا بعقوبات غير مسبوقة شلت حركة روسيا سياسياً واقتصادياً. هكذا امتد أمد الحرب واشتدت وطأتها أكثر على الجانبين.

  الهدف الظاهر لدى روسيا من الحرب هو تأمين حدودها بمنع أوكرانيا قسراً من الانضمام للاتحاد الأوروبى بإعادة ضمها إلى روسيا. لكنه فى الأصل هدف تاريخى يمتد إلى أيام الحرب الباردة والصراع القديم بين أمريكا وروسيا. لهذا فإن أمريكا بدا أنها كانت أحرص من روسيا على إشعال الحرب، وأن التعنت والتضييق على روسيا بالعقوبات وعرقلة المفاوضات دفعا بالدب الروسي دفعا للحرب.

  هذا معناه أن أمريكا لها أهداف أخري من وراء الحرب لا روسيا وحدها. فما هدفها؟

باستطاعتنا أن نستشف المخطط الأمريكي من خلال أحداث وتداعيات جاءت فى أثناء احتدام الحرب. أولها ما حدث من محاولة جر الصين جرا إلى احتلال تايوان. ومنها ارتفاع الدولار أمام سائر العملات حتى اليورو، ومنها رفع سعر البترول والغاز الأمريكيين أمام السوق الأوروبى الذى بات متعطشاً للطاقة. وما خفى كان أعظم..

الخسائر والمكاسب

  كلا الجانبين يزعم أنه كسب الحرب أو أنه فى طريقه للانتصار!

دعونا نتأكد من صدق هذه المزاعم بالحقائق والأرقام التى تتضارب وتتعارض بطبيعة الحال، هناك رواية أمريكية وأخرى روسية وغيرها هنا أو هناك. أمريكا تقول إنها استطاعت استنزاف الذخيرة الروسية وأن جيشها بعد الحرب لن يعود إلى سابق عهده، وتقول إن الروس فقدوا نحو 200 ألف جندى وأن اقتصادها ينهار جراء العقوبات والحرب. أغلب وسائل الإعلام تشترك فى أن ما حدث لأوكرانيا حتى الآن مهول وأن خسائر البنية التحتية طبقا لصندوق النقد تحتاج إلى نحو 750 مليار دولار لإعادة بناءها ناهيك عن بضعة ملايين من السكان تفرقوا فى أوروبا وبعضهم أخذته روسيا.

  أكبر الخاسرين فى هذه الحرب أوروبا.. إذ لم تكد تفيق من تداعيات جائحة كورونا حتى صدمتها الحرب الروسية، وأثناء هذا حدثت لها موجات جفاف غير مسبوقة، تلاها هجوم البرد والثلوج فى غياب الغاز الروسي بعد أن قطعت روسيا الإمدادات إزاء ما واجهته من عقوبات! اتجهت أوروبا لشريكها الأمريكي ليسعفها باحتياجاتها الضرورية من الغاز والنفط فجاوبها بمضاعفة الأسعار استغلالاً للظروف وانتهازاً للفرصة السانحة! هنا ظهر من دعا أوروبا للاعتماد على إفريقيا لتوفير الطاقة. فرفعت الجزائر إمداداتها من البترول والغاز لأوروبا، وظهرت اكتشافات جديدة فى الغرب الإفريقي وباتت أوروبا تعيش اليوم على الطاقة القادمة من دول كالكونغو ونيجيريا والسنغال وساحل العاج !

ورغم هذا فأزمة أوروبا مع الطاقة مستمرة. ناهيك عن النزيف المستمر فى الذخيرة والعتاد من الجانبين الأوروبى والأمريكي؛ البيانات تصل بالأراقام إلى نحو 150 مليار دولار نفقات ذخيرة وأسلحة تم إنفاقها لمواجهة روسيا خلال عام واحد، ماذا لو استمرت الحرب وتوسعت أكثر فكم ستكون الخسائر؟

  أكثر من هذا الأعداد المهولة من اللاجئين التى انساحت فى أنحاء أوروبا، وهو ما حدا ببعض الجهات لاستغلال اللاجئين فى الإتجار بالبشر وما هو أسوأ. الاقتصاديون يؤكدون أن الاستثمار فى أوروبا الآن بدأ يتقلص نتيجة مخاوف متزايدة من كبار المستثمرين لما يحدث فى أوروبا من متغيرات ومخاطر.

وفيما يزعم أطراف الصراف أنهم جميعاً يكسبون الحرب إلا أن كلا الجانبين مخطئ. فالجميع خاسرون إلا المستغلون من أغنياء الحروب!

مآلات الحرب

 لاشك أن الشرق الأوسط تأثر من بين من تأثر بهذه الحرب. أسعار النفط ارتفعت ومعها سعر الدولار وسائر العملات، والتضخم تضاعفت أرقامه، وواردات القمح باتت فى خطر.

  الصين تتزعم اليوم منصة الصلح بين الأطراف، وخرجت على العالم فى تتمة العام بوثيقة لتسوية الأزمة الروسية الأوكرانية مكونة من 12 بنداً كلها تبدو مثالية ونموذجية أكثر من اللازم. فلا الطرف الأمريكي على استعداد لسحب عقوباته التى فرضها على روسيا، ولا الناتو مستعد للتخلى عن تمسكه بأوكرانيا، ولا الروس بإمكانهم أن يتركوا الساحة ولم يتحقق لهم بعد أى هدف من أهداف الحرب. فهل ينسحبوا بخسائرهم؟ أمريكا تريد لروسيا أن تكتفى بالقدر الذى حققته من المكاسب، وهو ما يبلغ نحو 22% من مساحة أوكرانيا المتاخم لروسيا. وأن تذهب أوروبا بما تبقى من أوكرانيا، وهو ما يعنى أن الخطر الذى كانت روسيا تخشاه ما زال قائماً لكنه تزحزح عنها بضعة أمتار!

  ما يتوقعه الجميع، وما يبدو لسائر المراقبين أن الحرب أمدها سيمتد ونطاقها سيتسع وأن مفاوضات التسوية لن يكتب لها حياة. ما يعنى أن الجميع عليهم أن يستعدوا لعام آخر من عناء الحرب.

abdelsalamfarouk@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى