المرأة في خطاب المفكر علي الشرفاء الحمادي

د. حسن حماد- المستشار بمركز رع للدراسات

تحتل قضية المرأة أهمية خاصة في كتابات الأستاذ علي الشرفاء، ولا يكاد يخلو كتاب من كتاباته من التعرض لقضايا المرأة العربية، ويبدو أن الدافع الذي حدا بمفكرنا إلى الاهتمام بأزمة المرأة هو ما تعانيه المرأة المسلمة من ظلم ومن قسوة ومن تحقير نتيجة للمعالجة الدينية الخاطئة لوضعية المرأة في المجتمع العربي – الإسلامي.

  ومن جانب آخر كان لهذه الرؤية المشوهة للمرأة دوراً مباشراً في ترسيخ صورة منفرة عن موقف الإسلام من المرأة، لذلك وضع الأستاذ علي الشرفاء مسألة وضعية المرأة المسلمة في مقدمة كتاباته وأفرد لها فصولاً في معظم كتبه ومؤلفاته، ولم يكتف بهذا بل اختص بها كتاباً كاملاً عن قضية من أهم القضايا التي تهدد أمن الأسرة المصرية، وهي قضية الطلاق، فكتب كتاباً بهذا العنوان: “الطلاق يُهدد أمن المجتمع”، والكتاب في حقيقة الأمر لا يتناول فقط مشكلة الطلاق، ولكنه دفاع عن حق المرأة في الحياة والوجود، وانتصار لكرامة وشرف الأنثى، وتأكيد مساواتها بالرجل. وهذا الكتاب ليس دفاعاً عن المرأة فحسب، بل هو أيضاً دفاع عن الإسلام، ودحض لفكرة ذكورية الإسلام وتحطيم للصورة الذهنية المتأصلة في الوجدان الإسلامي عن دونية المرأة بوصفها أقل قيمة من الرجل.

       وينطلق الشرفاء في رؤيته المستنيرة حول حقوق المرأة من التشريع في القرآن الكريم. ففي العديد من الآيات نجد تأكيداً على وحدة الخلق والمساواة التامة بين الذكر والأنثى، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } (النساء: 1). وفي قوله أيضاً: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } (الأعراف: 189). ولقد كرم الله عز وجل الرجل والمرأة بالتكليف على حد سواء، ودون تمييز، وترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية، فهما متساويان في العمل، قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } (آل عمران: 195).

       ولو تدبرنا آيات القرآن الكريم سنجد عشرات من الآيات التي تؤكد حقوق المرأة وتتضمن أحكاماً وتشريعات تصون لها الحق في الحياة الإنسانية الكريمة.

       ويرى الأستاذ الشرفاء أن هيمنة الصورة السلبية عن المرأة في الخطاب الإسلامي تسربت إلى التراث وإلى التاريخ الإسلامي من خلال كتب الفقه والمرويات والأحاديث التي نُسبت زوراً للنبي محمد صلي الله عليه وسلم.

       فعندما احتكر الذكور وضع كتب الفقه، تم إغفال حق الأنثى واستباحة ما أنصفها الله به في شريعته السمحاء. وبدلاً من أن تكون آيات الله هي مصدر التشريع في قوانين الأحوال الشخصية في البلدان العربية والإسلامية أصبح الفقه والروايات الملفقة والمدسوسة هي أساس هذا التشريع !

       ومن المسائل المهمة التي يتوقف عندها الأستاذ الشرفاء موضوع مسئولية الخطيئة، التوراة حملت حواء الخطيئة، ومن ثم جعلتها المسئولة عن دخول الشر والموت إلى العالم، القرآن جعل المسئولية مشتركة فيما بينهما، وحذرهم من غواية الشيطان، فقال سبحانه وتعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } (الأعراف: 20)، وقوله تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } (الأعراف: 22). تلك الآية تفيد بتحمل الذكر والأنثى المسئولية مشتركة في عصيان الأمر الإلهي بالنهي عن الكل من الشجرة التي حرمها الله عليهما وليس كما أدعت الشرائع اليهودية التي ذهبت إلي  تحميل المرأة مسئولية خروج آدم من الجنة، وإلقاء اللوم عليها مما جعلهم يتخذون منها موقفاً سلبياً بوصفها مسئولة الخطيئة وأساس الشر في هذا العالم.

       ويؤكد الشرفاء أن القرآن لم يجعل للرجل أية أفضلية على الأنثى، وهذا واضح في قول الله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } (البقرة: 187). وقوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } (البقرة: 228). إن الآيات الكريمة تعني أن على الزوجين أن يتعاونا معاً في الحياة الزوجية على حد سواء فلها مثل الذي عليها من الحق المشترك، وهذا التماثل يعني التساوي في الحقوق والواجبات، وهذا يتأكد في قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } (النحل: 97).

       ويذهب الشرفاء إلى أن من أهم الآثار الكارثية التي نتجت عن هجران المسلمين للقرآن واعتمادهم على آراء الفقهاء والمرويات ظاهرة “الطلاق الشفاهي”، وهي كلمة نزوائية تخرج من الرجل في حالة غضب جراء حالة ظرفية طارئة، فتكون النتيجة تدمير الأسرة وتشريد الأطفال وضياع الزوجة. وللأسف تقف فتاوى الفقهاء وراء هذا العبث الذي يؤدي إلى خراب البيوت وهدم الأسر وتفكك المجتمع.

       وقد وضع التشريع الإلهي ضوابط محكمة وواضحة وحاسبة للعلاقة بين الزوجين وللحفاظ على استمرار العلاقة بينهما، وهي كما يلي:-

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } (الطلاق:١)

الأمر الذي يعني إنه إذا عزم الإنسان وعقد النية على الطلاق لا يتم الانفصال إلا بالتراضي والتشاور بين الزوجين، وفي حالة اتفاقهما على الانفصال أمر الله سبحانه عدم خروج الزوجة من بيتها خلال فترة العِدة كما قال سبحانه: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } (الطلاق: 1)، لماذا لعل الله بعد ذلك يُحدث أمراً يتم التصالح بينهما قبل انتهاء العدة كما قال الله سبحانه: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } (الطلاق: 1)، مما يعني أنه يتوجب على الزوج إبلاغُ زوجته نيته بالانفصال في غضون مدة العِدة. وهي مهلة للزوجين لمراجعة علاقتهما، إما بالإمساك بالمعروف إذا تصالحا، وإما التسريح بالإحسان إذا لم تتحقق المصالحة.

       إن الكثير من فقه الأسرة والعلاقات الزوجية والأسرية متأثر بالتشريعات اليهودية والمسيحية السابقة على نزول الإسلام، وهذه التعاليم تتناقض وتتعارض مع الشريعة الإلهية الواضحة في القرآن الكريم.

       إن هذا الموروث من الفقه والفتاوى والأحاديث هو مجرد اجتهادات بشرية وصلتنا عبر أقوال متواترة لا تستند إلى التشريع الإلهي الذي يستهدف منفعة الإنسان، وتحقيق أمنه واستقراره في الحياة الدنيا وما ينتظره من خير الجزاء في الآخرة ليحيا حياة طيبة، ولكن للأسف حلت الروايات محل الآيات في القرآن وكونت أعرافاً وعادات وتقاليد وشريعة اصبحت تتناقض مع التشريع الإلهي، ومن ثم فقط أصبحت مرجعية الفقهاء بديلاً عن مرجعية الإله في كتابه المبين، ولا منقذ لنا من عثرتنا ومن ضلالنا سوى في العودة إلى كتاب الله وهجر كل ما عداه من موروثات وأقوال بشرية لا تنتمي إلا لقائليها.

       إن المسلمين اليوم – كما يرى الأستاذ الشرفاء – يقفون  في مفترق الطرق، وليس أمامهم سوى سبيلين لا ثالث لهما: إما أن يؤمنوا بالله الواحد الأحد وبكتابه القرآن الكريم، وإما أن يتبعوا الروايات التي تم إقحامها في قناعات المسلمين وفي معتقداتهم فكانت سبباً في تفرقهم وتشرذمهم وضياع قوتهم وقلة حيلتهم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى