قراءة فى تطورات الصراع فى أوكرانيا (٢ ــ ٢)

د. أحمد يوسف أحمد

رأينا فى مقالة الأسبوع الماضى أن التقدم الذى حققته القوات الأوكرانية مؤخرا لم يؤد إلى تغير الخطاب السياسى الروسى وإنما إلى بدء التلميح غير المباشر بالخيار النووى، كأنما للتذكير بأن القوى النووية لا يمكن أن تُهزم فى حرب بغض النظر عن النتائج واتخاذ إجراءات ضم ما تسميه روسيا بالمناطق المحررة، بما يعنى أن أى هجمات أوكرانية لاحقة ستُعد اعتداءً على أراضٍ روسية، علما بأن بعض هذه الأراضى لا يخضع حاليا للسيطرة الروسيةُ، وهكذا فإن التصعيد يبدو حتميا، ورأينا كذلك أن ضم روسيا لأراضٍ خاضعة للسيادة الأوكرانية بحجة أن سكانها روس أو من أصول روسية ليست مشكلة ثنائية بين روسيا وأوكرانيا وإنما هى ظاهرة نشأت عقب الحرب الباردة بسبب عدم تطابق الحدود السكانية مع الحدود السياسية وهو ما أفضى للتفكك الفعلى لعدة دول، ومحاولات لذلك لم تُكلل بالنجاح فى دول أخرى، وهى ظاهرة يمكن أن يؤدى تفاقمها لفوضى عارمة فى الساحة الدولية، ويكفى إلقاء نظرة لعديد من الدول فى جميع أنحاء العالم ومنها منطقتنا العربية والقارة الإفريقية لإدراك النطاق الذى يمكن أن تصل إليه هذه الفوضى، ولذلك فإن هذه الظاهرة تحتاج اهتماما فائقا وإمعان نظر من كل المهتمين بصون السلم والأمن الدوليين.

وقبل النظر فى التداعيات المُحتملة للتطورات الأخيرة على الصراع من المهم إلقاء نظرة على ردود الفعل الغربية على الخطوات الروسية الأخيرة، وهى ردود فعل متوقعة اتسمت طبعا بالإدانة الشديدة والتشهير الصارخ وتصعيد العقوبات، ولا شك كما سبقت الإشارة أن الخطوات الروسية لا غطاء لها من الشرعية الدولية، غير أنها من ناحية أخرى تعكس إشكالية حقيقية، كما رأينا ليست خاصة بالحالة الأوكرانية-الروسية وحدها، كما أن ردود الفعل الغربية لها تفضح بكل وضوح ازدواجية المعايير فى العلاقات الدولية، ولا أشير للغزو الأمريكى للعراق٢٠٠٣الذى بُنى على أكاذيب مطلقة وأدى إلى ما أدى إليه من كوارث سياسية ومادية وإنسانية، ولكنى أكتفى فى هذا السياق بحالة شبه مطابقة لحالة شرق أوكرانيا، وهى حالة إقليم كوسوفو الذى كان تابعا لجمهورية صربيا حتى ألغى رئيسها في١٩٨٩الحكم الذاتى الذى كان الإقليم يتمتع به وحكمه بقبضة حديدية فبدأ النضال السلمى من الغالبية العظمى لأهل الإقليم من أجل الانفصال عن صربيا، وتم تنظيم استفتاء فى يوليو١٩٩٠وافقت الغالبية العظمى فيه على الانفصال، واستمر النضال السلمى وصولا لانتخاب رئيس للإقليم فى مايو١٩٩٢وسُميت الدولة الجديدة جمهورية كوسوفو، وفي١٩٩٨بدأ التدخل العسكرى الصربى، واتُهم الجيش بارتكاب مجازر بحق المدنيين، وفى مارس١٩٩٩شن حلف الأطلنطى غارات على صربيا أجبرت الرئيس الصربى على سحب قواته وجرت مفاوضات بين الصرب والكوسوفيين انتهت بخطة استقلال تحت إشراف دولى دعمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، وتسهل المقارنة بين الحالتين لإظهار الازدواجية الصارخة فى المعايير، فصربيا هنا هى أوكرانيا وكوسوفو هى الدونباس وخيرسون وزابوريجيا وحلف الأطلنطى هو روسيا، أى أنه كما تدخل حلف الأطلنطى لفصل كوسوفو عن صربيا تدخلت روسيا لفصل الدونباس وخيرسون وزابوريجيا عن أوكرانيا، فهل هناك ما هو أكثر دلالة على ازدواجية المعايير من هذه المقارنة؟ وتتمة لهذه المقارنة الكاشفة فإن روسيا كانت هى التى تعترض على تدخل الأطلنطى فى صربيا تماما كما يعترض الأطلنطى الآن على تدخلها فى أوكرانيا، وهو درس بليغ لكل من لا ينتبه لأن المصالح وليست المبادئ هى التى تحرك العلاقات الدولية، ولكى أُزيد القارئ من الشعر بيتا فقد أجاب وزير الخارجية الأمريكى عندما سُئل فى ضوء إدانته لضم روسيا أراضٍى أوكرانية عن تأييد بلاده لضم إسرائيل الجولان بقوله: بغض النظر عن القانون الدولى فإن الجولان مهمة لإسرائيل، فليكف أصحاب المصالح إذن عن إزعاجنا بالتشدق بالمبادئ الزائفة.

فإذا عدنا إلى التداعيات المُحتملة للتطورات الأخيرة للصراع لتأكدنا أن السيناريو الأكيد فى المدى القريب هو التصعيد، بل إن التصعيد حاصل فعلا، فقد بدأ الأوكرانيون بدعم أمريكى أطلنطى هائل هجوما مضادا ضد روسيا حقق حتى الآن بعض النتائج، بل وبدأت بعض الأعمال التخريبية المهمة كعملية التفجير فى جسر القرم، وحديث القيادات الأوكرانية وحلفائها عن تحرير الأراضى التى سيطرت عليها روسيا وهزيمتها فى الحرب بات حديثا معتادا، وصب الرئيس الأوكرانى زيتا على النار بمطالبته بتوجيه ضربات استباقية نووية لروسيا، وإن جرت محاولات للتخفيف من مغزى هذه التصريحات، ومن ناحية أخرى فإن روسيا لا يمكن أن تتهاون فى تحرير ما تعتبره الآن أراضيها ناهيك بقبول انكسار عسكرى سوف يكون نهاية لنظام بوتين ونكسة وطنية مهينة لروسيا، وتُظهر متابعة الإعلام الروسى أن ثمة تحضيرات لعملية كبرى ربما يتوافق توقيتها مع اكتمال استعدادات الدفع بقوات جديدة للجبهة وتغير الظروف المناخية لصالح القوات الروسية، ومن المستحيل فى ظل المعلومات المتاحة للمحللين وتعقد الظواهر التى تتعدد أطرافها بحيث تكتسب طابعا عالميا التنبؤ الدقيق بمستقبل الصراع، ونظرا لأن خريطة الصراع بعد الدعم الأمريكى الأطلنطى الهائل لأوكرانيا تكشف عن حالة من التوازن فى القدرات العسكرية فإن المُرجح أن الصراع سيطول، وفى تقديرى أن العامل الحاسم فى مصيره سيكون للعوامل الداخلية، بمعنى أن للحرب تداعياتها الداخلية الأكيدة على أطراف الصراع، وسوف ينتصر فيه الطرف صاحب الجبهة الداخلية الأقوى، فأى تغيير داخلى فى أحد طرفى الصراع المباشرين سوف تكون له انعكاساته الأكيدة على مآل الصراع، ومن المهم الإشارة إلى أن هذه المعادلة تشمل الأطراف غير المباشرين فى الصراع، بمعنى أن تفاقم الغضب الأوروبى من تكلفة الصراع سيلعب دورا، وكذلك القرار الأخير لأوبك+ بخفض الإنتاج وهكذا، ويتطلب الحكم على صلابة الموقف الداخلى لأطراف الصراع المباشرين وغير المباشرين معلومات لا تتوافر للمحللين الأفراد.

نقلا عن جريدة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى