المعضلة العراقية.. طريقتان للتعامل

د. نيفين مسعد

فى التفكير فى كيفية حل المعضلة العراقية الراهنة توجد طريقتان للتعامل، الطريقة الأولى تتعامل مع الأعراض، والطريقة الثانية تتعامل مع الجذور والأسباب. إذا أخذنا بالطريقة الأولى فسوف نعتبر أن المشكلة تنبع من نتائج الانتخابات البرلمانية فى أكتوبر ٢٠٢١ التى ترتّب عليها فوز الكتلة الصدرية بالنصيب الأكبر من المقاعد لكن من دون أن يتمكن الصدر مع حلفائه من السنة والأكراد من تحقيق أغلبية الثلثين التى تمكنهم من تسمية رئيس الجمهورية ومن ثمّ تسمية رئيس الحكومة.ولو سرنا وراء هذا الخيط فسوف نفكّر فى حل البرلمان الحالى لأنه فعليًا لم يعد يعبر عن إرادة الناخبين بدليل أن صاحب أكبر عدد من المقاعد أى التيار الصدرى لم يعد ممثلًا فى البرلمان،صحيح أن الصدر نفسه هو الذى أمر نوابه بتقديم استقالاتهم من البرلمان وانصاعوا من فورهم،لكن النتيجة واحدة وهى أن الفائز الأول صار هو الخاسر الأكبر.ويترتب على حل البرلمان الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة تشرف على إجرائها حكومة جديدة خلفًا لحكومة تصريف الأعمال التى يرأسها السيد مصطفى الكاظمى، والدخول فى تفاصيل تخص القانون الذى ستجرى الانتخابات على أساسه، وهنا سنجد من يدعو للتراجع عن النظام الفردى الذى تم تطبيقه لأول مرة فى انتخابات ٢٠٢١ بعد أن صار العمل فى كل الانتخابات السابقة وفق نظام القائمة، وبالتأكيد أيضًا سنجد مَن يدعو إلى الأخذ بنظام الفرز اليدوى للأصوات بسبب المخالفات الكثيرة التى شابت عملية الفرز الإلكترونى، وربما نجد كذلك مَن يدعو المحكمة الاتحادية لمراجعة تفسيرها لمفهوم الكتلة الأكبر التى يحق لها تسمية رئيس الوزراء بحيث تكون هى الكتلة الحاصلة على أكبر عدد من الأصوات الانتخابية وليس القادرة على عقد تحالفات مع القوى السياسية الأخرى تحت قبة البرلمان.وعلى الرغم من أهمية هذه الأفكار التى تهدف للخروج من عنق الزجاجة الحالى،فإنها لا تضمن ألا يُحشر العراق مجددًا فى عنق الزجاجة،فحتى لو أخذنا بأكثر الحلول جذرية فى التعامل مع أعراض الأزمة،مثل الحل الذى اقترحه السيد مقتدى الصدر بتنحى كل الطبقة السياسية الحاكمة منذ ٢٠٠٣ فإن هذا يطرح السؤال:إن تلك الطبقة الحاكمة تشكّل كل الأحزاب الموجودة على الساحة العراقية فهل يعنى ذلك إجراء انتخابات بلا أحزاب؟ ومَن الذى سيعوّض الفراغ السياسى الكبير الناجم عن تنحيها؟

الطريقة الثانية فى التعامل مع المعضلة العراقية هى التعامل مع الأسباب لا العوارض، وهنا يمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسة تؤدى لإعادة إنتاج نفس الأزمات من وقت لآخر. السبب الأول يتعلق بهيكلية الدولة العراقية نفسها، والنظام الفيدرالى الذى يتمتع به إقليم كردستان دون سواه ولا يشبه فى شيء أيًا من النظم الفيدرالية المعمول بها فى العالم، بحيث يمكن القول إننا ازاء وضع انفصالى لإقليم كردستان لكن بمسمّى أو بواجهة فيدرالية. هذا الوضع يسمح للإقليم بأن يكون له جيشه الخاص (البشمركة) الذى لا يأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وبالتالى فعندما نناقش مسألة السلاح المنفلت لابد من أخذ سلاح البشمركة أيضًا بعين الاعتبار، كما أن هذا الوضع يسمح لكردستان بالتصرف فى نفط الإقليم بما يخالف الدستور مع التمسك بحصة الإقليم فى الميزانية الاتحادية للدولة. إلا أن الوضع الفريد لإقليم كردستان يعطى له الحق فى الاحتفاظ برئاسة الجمهورية دون أى سند دستورى، مقابل احتفاظ الشيعة برئاسة الحكومة، واحتفاظ السنة برئاسة البرلمان. ولكل هذا تتجدد الأزمات بين حكومة الإقليم وحكومة بغداد فى مناسبات مختلفة. السبب الثانى هو وضع الأحزاب السياسية، وهى فى معظمها أحزاب دينية، ومن هنا فإن علاقة رؤساء الأحزاب بقواعدهم الحزبية هى علاقة روحية وليست سياسية، فمن المستحيل تفسير الانصياع التام لأوامر السيد مقتدى الصدر بمعزل عن المرجعية الدينية لوالده السيد محمد الصدر،ومَن يستمع لأقوال بعض أتباع الصدر يُذهل من حجم القداسة التى يخلعونها عليه ما يجعل تنفيذ أوامره فرضًا واجبًا.ثم إن معظم هذه الأحزاب لها أذرع عسكرية، تلك البدعة التى رأيناها مع حزب الله فى لبنان ثم شاعت،ومن المفهوم أن اللجوء للسياسة يبطل الحاجة للسلاح، أما إسناد السياسة بالسلاح ففيه إفساد للسياسة وإخلال بالتوازن مع الأحزاب السياسية غير المسلحة.لقد لعب الحشد الشعبى دورًا مهمًا فى التصدى لخطر داعش والقضاء على الخلافة المزعومة لأبى بكر البغدادى، هذا صحيح، لكنه لا يبرر أن يكون الحشد جيشًا موازيًا. ومادمنا جئنا لقضية السلاح وأدخلنا فيها البشمركة والحشد فلابد أن ندخل أيضًا سلاح العشائر الذى لا سلطان عليه للدولة بينما أحد تعريفات الدولة هو أنها تحتكر السلاح.يتفرع عن السبب الثانى الخاص بطبيعة الأحزاب السياسية العراقية،السبب الخاص بالنظام البرلمانى المعمول به فى العراق والذى ثبت حيثما طبق فى وطننا العربى أنه غير مناسب لأنه لا توجد أحزاب قوية يستند عليها.بطبيعة الحال هناك مخاوف مفهومة من الميراث الثقيل لحكم الرئيس السابق صدام حسين،لكن مَن الذى قال إن النموذج الذى كان مطبقًا فى العراق ينتمى للنظام الرئاسى بشكله المتعارف عليه؟ كذلك يبدى البعض قلقه من أنه فى حال صار رئيس العراق شيعيًا فإن هذا لن يصادف ارتياحًا عربيًا، وهو قلق مردود عليه بأن رئيس الوزراء فى النظام البرلمانى العراقى الحالى أى الشخص الأهم شيعى المذهب، والمشكلة ليست فى التشيع أو التسنن لكن المشكلة فى التصويت فى الانتخابات تأثرًا بالانتماء الطائفى لا باعتبارات الكفاءة.

تبقى قضية التدخلات الخارجية فى الشأن العراقى قضية كبيرة ومؤثرة لكنها لا تفعل فعلها إلا إن كان الداخل يسمح لها بذلك،ولهذا ركّز المقال على ما يتعلّق بالدولة والنظام العراقيين لأنهما الأصل والأساس، وتصوّرى أنه متى بدأ الساسة العراقيون يضعون أياديهم على مكامن الخلل وليس على أعراض الخلل، وشرعوا فى رسم خطة ولو متوسطة المدى لمعالجتها، فإن العراق يكون قد خطا أول خطوة على طريق التعافى.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى