السيناريو القادم لدول «أوبك»

وائل مهدي

كم يحب منتجو النفط وصول أسعاره عند 100 دولار، رغم أنها ليست من مصلحتهم على المدى البعيد. وهنا لا أقصد بالحديث دول منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) أو تحالفها مع باقي المنتجين تحت مظلة «أوبك»، بل أتحدث عن الجميع؛ دولاً وشركات.

بل، على العكس، فإن الشركات النفطية العالمية، مثل «إكسون موبيل» و«بريتيش بتروليم» وغيرهما، التي تختبئ خلف «أوبك»، وتستفيد من قراراتها، هي الأكثر سعادة بذلك، والدليل هو أرباحها هذا العام التي تضاعفت عن مستويات العام الماضي. ولكن إذا علَّمنا التاريخ درساً؛ فهو أن كل ارتفاع في أسعار النفط يعقبه كارثة من نوع ما.

في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، في الطفرة الأولى للأسعار، ارتفعت الأسعار بفضل «أوبك»، مما أدى لزيادة الإنتاج من دول خارج «أوبك»، مثل المكسيك والنرويج، لتنهار الأسعار وسط تراجع الطلب، بسبب تحول الكثير من الدول للبدائل.

نفس الأمر شهدناه في الفترة بين 2010 و2014، عندما ظلت الأسعار فوق 100 دولار، دخل العديد من المنتجين أصحاب التكلفة العالية إلى السوق، مما أدى إلى انهيار أسعار بصورة مؤلمة، أدى في الأخير إلى نشوء تحالف «أوبك».

واليوم، نحن أمام نفس الوضع، مع بقاء الأسعار فوق 100 دولار، إذ إن هذا بلا شك يسبب ألماً كبيراً للعديد من الدول التي سوف تعيد التفكير في التوسع في البدائل مجدداً، وزيادة الإنتاج من أصحاب التكلفة العالية.

حتى الآن لم يحدث هذا السيناريو، وعلى الأرجح فإن أسعار النفط قد تبقى عالية لفترة أطول، ولكن ليس بسبب سياسات «أوبك»، بل بسبب قصر نظر الدول الغربية والمستهلكة.

إن تراجع الاستثمار في النفط في عديد من الدول، والعزوف سياسياً عنه مؤخراً بحجة الحفاظ على البيئة، كان ثمنه أزمة أسعار خانقة هذا العام لا يوجد مخرج منها سوى المزيد من الألم، من خلال رفع معدلات الفائدة، وإدخال كثير من الاقتصادات في حالة من الركود.

تاريخياً، كانت دول «أوبك» سعيدة وفرحة بأسعار نفط عالية، كما هو الحال اليوم، ولكنها كانت لا تفعل شيئاً لخفضها، وبسبب ذلك تحملت الكثير من العواقب السيئة، مثل ثورة النفط الصخري التي هددت مكانة «أوبك».

هذا العام، فإن التحدي ليس أمام «أوبك»، بل هو التحدي الأول لتحالف «أوبك» أمام أسعار نفط مرتفعة، إذ إن هذا التحالف خُلِق للتعامل مع أسعار نفط منخفضة وليست عالية. وحتى الآن يتعامل التحالف مع الأزمة بكثير من العقلانية، ولا أتصور أن سياساته ضارة بالطلب أو بالعرض.

في الغالب ارتفاع أسعار النفط سببه تراجع إنتاج «أوبك»، ولكن هذه المرة «أوبك» تعطي كل ما لديها، بل وأكثر مما تستطيع، ومع هذا فإن الأسعار لن تهبط بشكل كبير. لقد انكشف السر أمام العالم، واكتشفنا أن السياسات العدائية للنفط وراء كل هذا.

إلا أن كل هذا لا يعني أن المخاطر زالت، بل لا تزال قائمة، وإذا ما استمرت الأسعار مرتفعة لعام آخر، فلا أحد يتمكن من التنبؤ حول النتيجة، لأن العالم، على الأرجح، لن يقبل بمزيد من التضخم والألم وتراجع الاقتصاد العالمي.

وسنرى ماذا سوف تقرر «مجموعة العشرين»، هذه المرة، وسط أزمة اقتصادية تصاحبها أزمة سياسية عالمية، وسنرى ما إذا كان لدى «أوبك» خطة طويلة المدى، إذ إن اجتماع التحالف، الأسبوع المقبل، قد لا يحمل الكثير من المفاجآت، ولكن قد يحمل بذرة للتفكير في 2023 وما وراءها.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى