الكتلة الحائرة.. لماذا برزت الأحزاب العربية في المشهد السياسي الإسرائيلي؟

أعادت نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 الأحزاب العربية إلى صدارة المشهد السياسي، بعدما حققت تمثيلًا برلمانيًا غير مسبوق بحصولها على 19 مقعدًا داخل الكنيست. ولم يكن هذا التقدم مجرد زيادة عددية في المقاعد، وإنما عكس تحولًا في وزن الأحزاب العربية وقدرتها على التأثير في التوازنات السياسية الإسرائيلية، خاصة في ظل احتدام المنافسة بين التكتلات الحزبية، وعجز أي من المعسكرين الرئيسيين عن حسم الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
ويكتسب هذا التحول أهميته من أن الأحزاب العربية، رغم حضورها البرلماني منذ عقود، لم تتمكن في معظم المراحل السابقة من توظيف ثقلها الانتخابي بصورة مؤثرة في تشكيل الحكومات، بينما أفرزت الانتخابات الحالية واقعًا مختلفًا، أصبحت فيه مقاعدها عنصرًا مهمًا في حسابات الائتلافات المقبلة، وسط تباين واضح في مواقف الأحزاب الإسرائيلية من إمكانية التعاون معها.
وتأسيسًا على ما سبق، يتناول التحليل نشأة الأحزاب العربية وتطور حضورها السياسي، وحجم مكاسبها في الانتخابات الأخيرة، ومواقف حزب الليكود وأحزاب المعارضة من صعودها، فضلًا عن العوامل السياسية والأمنية التي أسهمت في تعزيز تمثيلها البرلماني، والتحديات التي يفرضها هذا التحول على مستقبل تشكيل الحكومة الإسرائيلية.
النشأة والظهور:
بدأ التمثيل السياسي للعرب داخل الكنيست منذ الانتخابات الإسرائيلية الأولى عام 1949، من خلال قوائم عربية ارتبط معظمها بحزب “مباي”، الذي أصبح لاحقًا جزءًا من حزب العمل، إلى جانب مشاركة العرب في الأحزاب الشيوعية. وخلال تلك المرحلة، لم تكن الأحزاب العربية تتمتع باستقلال سياسي واسع، نظرًا لارتباط جزء كبير من تمثيلها البرلماني بالأحزاب الإسرائيلية القائمة.
ومع التحولات السياسية التي شهدتها إسرائيل خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بدأت تتشكل أطر حزبية أكثر استقلالًا، من أبرزها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة “حداش”، التي تأسست عام 1977، والحزب الديمقراطي العربي الذي تأسس عام 1988، ثم ظهر التجمع الوطني الديمقراطي “بلد” والقائمة العربية الموحدة “رعم” عام 1996.
إلا أن التحول الأبرز في مسار الأحزاب العربية جاء عام 2015، عندما توحدت أربعة مكونات سياسية، هي “حداش” و”بلد” و”تعال” و”رعم”، تحت مظلة “القائمة المشتركة”، بهدف تجميع أصوات الناخبين العرب، وتجاوز نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست، وتعزيز التمثيل البرلماني دون الارتباط بالأحزاب الإسرائيلية الأخرى.
وفي عام 2021، انفصلت القائمة العربية الموحدة بقيادة “منصور عباس” عن القائمة المشتركة، نتيجة اختلافات سياسية بشأن حدود التعامل والتعاون مع الأحزاب الإسرائيلية. ففي الوقت الذي اتجهت فيه مكونات القائمة المشتركة إلى التحفظ على المشاركة المباشرة في الائتلافات الحكومية، تبنت “رعم” نهجًا أكثر براجماتية يقوم على التعاون مع الأحزاب الإسرائيلية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية للمواطنين العرب، وهو ما انعكس في مشاركتها بالائتلاف الحكومي الذي تشكل بقيادة “نفتالي بينيت” و”يائير لابيد” عام 2021.
حجم مكاسب الأحزاب العربية:
سجلت الأحزاب العربية في انتخابات أكتوبر 2026 مكاسب برلمانية غير مسبوقة، بعدما حصلت على 19 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا داخل الكنيست، توزعت بين 11 مقعدًا للقائمة العربية المشتركة و8 مقاعد للقائمة العربية الموحدة “رعم”، بما يعكس نموًا ملحوظًا في حجم تمثيلها مقارنة بالانتخابات السابقة.
ففي انتخابات عام 2022، حصلت الأحزاب العربية على 10 مقاعد فقط، بينما سجلت أعلى تمثيل سابق لها في انتخابات عام 2020، عندما فازت القائمة المشتركة بـ15 مقعدًا. ورغم أهمية تلك النتائج، فإن تأثيرها في تشكيل الحكومات ظل محدودًا بفعل التوازنات السياسية وقدرة الأحزاب الأخرى على بناء ائتلافات دون الحاجة إلى الاعتماد على الكتلة العربية.
أما الانتخابات الحالية، فقد أفرزت معادلة مختلفة، بعدما حصل معسكر “بنيامين نتنياهو” على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة “غادي آيزنكوت”، في حين أصبحت الأحزاب العربية تمتلك 19 مقعدًا، وهو ما جعلها طرفًا مؤثرًا في حسابات تشكيل الحكومة الجديدة.
وتسعى الأحزاب العربية إلى استثمار هذا الثقل البرلماني في منع عودة الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة نتنياهو، إلى جانب انتزاع التزامات واضحة من أحزاب المعارضة تتعلق بالمساواة بين المواطنين العرب واليهود، وتعزيز الحقوق الاقتصادية والسياسية للعرب، وضمان عدم إقصائهم من الترتيبات السياسية المقبلة.
ومع ذلك، فإن امتلاك هذه المقاعد لا يعني بالضرورة مشاركة جميع الأحزاب العربية في الحكومة، في ظل اختلاف مواقفها بشأن الانضمام إلى الائتلافات الإسرائيلية أو الاكتفاء بتقديم دعم برلماني من خارجها.
موقف حزب الليكود:
تبنى حزب الليكود بقيادة “بنيامين نتنياهو” موقفًا معارضًا لصعود الأحزاب العربية، إذ اتهمها بمحاولة “سرقة الانتخابات”، مستندًا إلى واقعة توقيف ثلاثة أشخاص في جنوب إسرائيل للاشتباه في تورطهم بمحاولة شراء أصوات انتخابية لصالح القائمة العربية الموحدة.
وكان نتنياهو قد صرح عقب إدلائه بصوته بأن ثلاثة مسؤولين بارزين في حزب عربي إسرائيلي اعتُقلوا وبحوزتهم مظاريف تحتوي على أموال نقدية، مطالبًا بفتح تحقيق شامل في الواقعة. ورغم تأكيد الشرطة توقيف مشتبه بهم والتحقيق في شبهات رشوة انتخابية، فإن الاتهامات المتعلقة بوجود عملية تزوير واسعة النطاق لم تثبت، كما رفضت لجنة الانتخابات المركزية اعتبار الواقعة دليلًا على سرقة الانتخابات.
ولم تقتصر مواقف نتنياهو على التشكيك في العملية الانتخابية، وإنما امتدت إلى رفض التعاون السياسي مع الأحزاب العربية، التي وصفها بأنها “معادية للصهيونية”، مشددًا على رفض تشكيل حكومة تعتمد على دعمها، باعتبار أن ذلك يمثل، من وجهة نظره، تهديدًا لطبيعة الدولة الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، دعا “إيتمار بن غفير”، وزير الأمن القومي وزعيم حزب “القوة اليهودية”، عبر منصة “إكس”، إلى اعتقال رؤساء الأحزاب العربية المشتبه في ارتباطهم بتمويل قطري، حال توافر أساس قانوني لذلك، في ظل اتهامات لم تثبت بشأن تدخلات خارجية في الانتخابات.
ويعكس هذا الخطاب حجم القلق داخل معسكر اليمين من تنامي التأثير البرلماني للأحزاب العربية، خاصة أن هذا الصعود قد يحد من قدرة نتنياهو على إعادة تشكيل ائتلافه الحكومي، ويفتح المجال أمام ترتيبات سياسية لا يكون الليكود طرفًا فيها.
موقف أحزاب المعارضة:
كشفت نتائج الانتخابات عن تباين واضح داخل معسكر المعارضة بشأن إمكانية التعاون مع الأحزاب العربية لتشكيل حكومة جديدة، رغم أن مجموع مقاعد المعارضة والأحزاب العربية يصل إلى 67 مقعدًا، وهو عدد يتجاوز الأغلبية المطلوبة داخل الكنيست.
فقد دعا “يائير غولان”، زعيم حزب الديمقراطيين اليساري، شركاءه في المعارضة إلى اعتبار الأحزاب العربية جزءًا من التكتل السياسي الساعي إلى إنهاء حكم نتنياهو، رافضًا ما وصفه بـ”التقسيم العنصري” بين أصوات الناخبين اليهود والعرب، ومؤكدًا ضرورة التعامل مع جميع الأصوات باعتبارها متساوية في قيمتها السياسية والانتخابية.
وفي المقابل، أعلن “نفتالي بينيت” و”أفيغدور ليبرمان”، وهما من أبرز قيادات الأحزاب المنضوية ضمن معسكر المعارضة، رفضهما تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، في ظل الاختلافات الأيديولوجية والمخاوف المتعلقة بمواقف الناخبين اليهود من هذا التعاون، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من تحولات أمنية وسياسية داخل إسرائيل.
ويضع هذا التباين زعيم المعارضة “غادي آيزنكوت” أمام معضلة سياسية، إذ إن التعاون مع الأحزاب العربية قد يوفر أغلبية برلمانية قادرة على إنهاء حكم نتنياهو، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى خلافات بين مكونات معسكر المعارضة، التي لا تتبنى موقفًا موحدًا تجاه مشاركة العرب في الائتلاف الحكومي.
كما أن أي اتفاق سياسي مع الأحزاب العربية سيظل مرتبطًا بطبيعة المطالب التي تطرحها، وفي مقدمتها تحقيق المساواة للمواطنين العرب، وتعزيز جهود مكافحة العنف والجريمة داخل التجمعات العربية، وتخصيص الميزانيات اللازمة للمجالس المحلية، فضلًا عن ضمان عدم استبعادهم من التفاهمات السياسية المقبلة.
وبالتالي، فإن التحدي الذي تواجهه المعارضة لا يقتصر على جمع المقاعد اللازمة لتشكيل الحكومة، وإنما يمتد إلى قدرتها على التوفيق بين مواقف أحزابها المختلفة، والتوصل إلى صيغة تعاون مقبولة مع الأحزاب العربية، سواء من خلال المشاركة المباشرة في الائتلاف أو تقديم دعم برلماني من خارجه.
أسباب صعود الأحزاب العربية:
يرتبط تنامي الثقل البرلماني للأحزاب العربية بمجموعة من العوامل السياسية والأمنية التي أسهمت في زيادة مشاركة الناخبين العرب، وتعزيز قدرة الأحزاب الممثلة لهم على التأثير في التوازنات الداخلية الإسرائيلية، ويمكن تناول أبرز هذه العوامل على النحو التالي:
(*) العوامل السياسية: تمثل إعادة توحيد عدد من المكونات الحزبية العربية أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في تعزيز تمثيلها البرلماني، إذ ساعد تجمع أحزاب “حداش” و”تعال” و”بلد” ضمن القائمة المشتركة، مقابل استمرار القائمة العربية الموحدة في خوض الانتخابات بصورة مستقلة، على تنظيم المنافسة الانتخابية وتقليل احتمالات إهدار الأصوات نتيجة تشتتها بين قوائم متعددة.
وقد اكتسب هذا العامل أهمية خاصة في ظل نسبة الحسم الانتخابية البالغة 3.25%، والتي تجعل قدرة الأحزاب الصغيرة على تجاوزها مسألة حاسمة في ضمان التمثيل داخل الكنيست.
كما أسهمت الرغبة لدى قطاعات من الناخبين العرب في منع عودة الائتلاف الحكومي اليميني بقيادة نتنياهو في تعزيز المشاركة الانتخابية، خاصة في ظل الخطاب السياسي الذي تبنته بعض أحزاب اليمين تجاه المواطنين العرب، وتصوير مشاركتهم السياسية باعتبارها تهديدًا لطبيعة الدولة الإسرائيلية.
ومن ثم، فإن ارتفاع نسبة المشاركة بين الناخبين العرب لم يكن مرتبطًا بالانتماء الحزبي وحده، وإنما عكس أيضًا رغبة في توظيف التصويت باعتباره وسيلة للتأثير في مستقبل الحكومة الإسرائيلية، والدفاع عن المصالح السياسية والاقتصادية للمجتمع العربي.
(*) العوامل الأمنية: أسهمت التطورات الأمنية التي شهدتها إسرائيل منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 في تعميق الانقسامات السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، واتساع نطاق المواجهات والتوترات الإقليمية المرتبطة بلبنان وسوريا وإيران واليمن.
وقد أدت تداعيات هذه التطورات إلى تزايد الانتقادات الموجهة للحكومة الإسرائيلية بشأن إدارتها للملفات الأمنية، ومدى قدرتها على تحقيق الاستقرار وحماية المجتمع الإسرائيلي من آثار المواجهات العسكرية الممتدة.
وانعكس ذلك على اتجاهات التصويت، إذ اتجهت قطاعات من الناخبين المعارضين لسياسات الحكومة إلى دعم أحزاب المعارضة، في حين شهدت التجمعات العربية تعبئة انتخابية ملحوظة، ارتبطت برفض سياسات اليمين الحاكم، والمطالبة بمعالجة المشكلات الأمنية والاجتماعية التي تواجه المواطنين العرب.
ويأتي في مقدمة هذه المشكلات تصاعد معدلات العنف والجريمة داخل التجمعات العربية، وما يرتبط بها من انتقادات لأداء المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، وهو ما دفع قطاعات من الناخبين العرب إلى دعم الأحزاب التي تضع هذه القضايا ضمن أولوياتها السياسية.
وعليه، فإن صعود الأحزاب العربية لم يكن نتيجة التحولات الأمنية وحدها، وإنما جاء في سياق تداخل هذه التطورات مع حالة الاستقطاب السياسي وتراجع الثقة في الحكومة لدى قطاعات من الناخبين، بما أسهم في تعقيد المشهد السياسي وإضعاف قدرة أي من التكتلات الرئيسية على الانفراد بتشكيل الحكومة.
ختامًا، كشفت نتائج الانتخابات الإسرائيلية عن تحول في موازين القوى داخل الكنيست، بعدما عجز كل من معسكر نتنياهو ومعسكر المعارضة عن تحقيق الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة، في مقابل صعود الأحزاب العربية إلى مستوى غير مسبوق من التمثيل السياسي، جعل مقاعدها عنصرًا مؤثرًا في حسابات المرحلة المقبلة.
ويعكس هذا التحول جانبًا من التداعيات السياسية والأمنية للسياسات التي انتهجتها الحكومة اليمينية، وما ارتبط بها من حالة استقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، وتزايد الانتقادات الموجهة لإدارة الملفات الأمنية، فضلًا عن ارتفاع مشاركة الناخبين العرب ورغبتهم في التأثير في مستقبل الحكم.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي بين أحزاب المعارضة بقيادة “غادي آيزنكوت” والأحزاب العربية، يقوم على منع إعادة تشكيل ائتلاف حكومي يميني، مقابل تقديم التزامات تتعلق بتعزيز الحقوق السياسية والاقتصادية والأمنية للمواطنين العرب داخل إسرائيل.
إلا أن تحقيق هذا التفاهم يظل مرهونًا بقدرة المعارضة على تجاوز خلافاتها الداخلية، خاصة مع رفض بعض مكوناتها الاعتماد على الأحزاب العربية، إلى جانب اختلاف مواقف الأخيرة بشأن المشاركة المباشرة في الحكومة أو دعمها من خارج الائتلاف.
وبذلك، فإن أهمية صعود الأحزاب العربية لا تتوقف عند حجم المقاعد التي حصلت عليها، وإنما تمتد إلى قدرتها على تحويل هذا التمثيل البرلماني إلى تأثير سياسي فعلي في تشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما ستحدده طبيعة التفاهمات بين الأحزاب، وحدود الاستعداد الإسرائيلي لقبول مشاركة العرب في معادلة الحكم.