بعد ثلاث سنوات من عضوية بريكس… هل حان وقت جني الثمار؟
بين عضوية واعدة ومكاسب لم تكتمل بعد

وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى العاصمة الهندية نيودلهي، لترؤس وفد مصر في أعمال القمة الـ18 لتجمع بريكس، في ثالث مشاركة لمصر بالقمة منذ انضمامها رسميًا إلى التكتل في يناير 2024.
وتأتي المشاركة الجديدة في وقت تطرح فيه عضوية مصر في بريكس سؤالًا أكثر أهمية من مجرد الحضور السياسي، وهو ماذا حققت القاهرة فعليًا من عضويتها في التكتل الاقتصادي، وما المكاسب التي تحولت من أهداف معلنة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع؟
فمنذ أن دُعيت مصر للانضمام إلى بريكس، ارتبطت العضوية بعدد من الرهانات الاقتصادية، في مقدمتها زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري، وتعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي، والاستفادة من آليات التمويل التابعة للتكتل، إلى جانب تقليل الاعتماد على الدولار في بعض المعاملات التجارية.
وبعد نحو 3 سنوات، لم تعد المسألة تتعلق فقط بما يمكن أن تمنحه عضوية بريكس لمصر، وإنما بما حصلت عليه مصر بالفعل، وما تزال تسعى إلى تحقيقه.
تجارة أكبر.. ولكن هل زادت حصة مصر؟
تعد التجارة أحد أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس تطور العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول بريكس، وتشير البيانات إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى نحو 50.8 مليار دولار خلال 2024، بزيادة 19.5%، فيما بلغت الصادرات المصرية إلى دول التجمع نحو 9.4 مليار دولار.
ويمثل نمو التجارة مؤشرًا إيجابيًا على اتساع العلاقات الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه لا يكفي للحكم على حجم الاستفادة المصرية من العضوية، إذ يبقى التحدي الأساسي هو زيادة نصيب المنتجات المصرية من هذه الأسواق، خاصة مع ضخامة الطلب داخل دول التجمع وتنوع احتياجاتها.
وهنا تظهر أهمية تعزيز الإنتاج المحلي ورفع تنافسية المنتج المصري، حتى لا تتحول زيادة العلاقات التجارية إلى نمو في الواردات فقط، وإنما إلى فرصة حقيقية لزيادة الصادرات المصرية.
العملات المحلية.. مكسب محتمل وليس بديلًا كاملًا للدولار
منذ انضمام مصر إلى بريكس، ارتبطت العضوية أيضًا بإمكانية توسيع استخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية، وهو ما يمكن أن يساعد في تقليل الاعتماد على الدولار وتخفيف بعض الضغوط المرتبطة بتوفير العملة الأجنبية. لكن الخبراء يحذرون من التعامل مع هذه الخطوة باعتبارها حلًا لمشكلة الدولار، خاصة أن العملة الأمريكية لا تزال صاحبة الدور الرئيسي في التجارة والاحتياطيات العالمية.
وتكمن الفائدة الأكثر واقعية لمصر في استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات الثنائية، بما يقلل تكلفة التحويلات ويوفر بدائل في إدارة التجارة، لكن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بزيادة الصادرات المصرية؛ لأن وجود عجز تجاري كبير يعني استمرار الحاجة إلى العملات الأجنبية، حتى لو تغيرت عملة التسوية.
الاستثمارات.. الرهان على تحويل العضوية إلى مشروعات
وتأتي الاستثمارات في مقدمة الملفات التي يمكن أن تمنح عضوية بريكس عائدًا طويل الأجل، خاصة أن دول التكتل تمتلك قدرات كبيرة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والزراعة.
وتستطيع مصر توظيف عضويتها لجذب استثمارات إنتاجية من هذه الدول، وليس فقط رؤوس أموال تستهدف السوق المحلية، من خلال إقامة مشروعات صناعية وتكنولوجية يمكنها الاستفادة من موقع مصر وموانئها وقناة السويس، ثم التصدير منها إلى أسواق أخرى.
وهنا تصبح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى أهم نقاط القوة المصرية، بما توفره من قاعدة صناعية ولوجستية يمكن أن تجعل مصر مركزًا لشركات دول بريكس الراغبة في الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
بنك التنمية.. قناة تمويلية مهمة
ولا تقتصر الاستفادة المحتملة على جذب الاستثمارات، فمصر عضو في بنك التنمية الجديد منذ عام 2021، أي قبل انضمامها رسميًا إلى بريكس، وهو ما يوفر قناة تمويلية يمكن توظيفها في دعم مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة. وتزداد أهمية هذه الأداة في ظل حاجة الاقتصاد المصري إلى تنويع مصادر التمويل، خاصة في قطاعات النقل والطاقة والمياه والبنية التحتية، بما يجعل الاستفادة من البنك مرتبطة بحجم المشروعات والتمويلات التي يمكن جذبها، وليس بمجرد العضوية.
التكنولوجيا.. فرصة تتجاوز التجارة
وتمنح طبيعة دول بريكس مصر فرصة للاستفادة من خبرات اقتصادية متنوعة؛ فالصين تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية ضخمة، والهند تتميز في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات، وروسيا لديها خبرات واسعة في الطاقة والصناعات الثقيلة، بينما تتمتع البرازيل بخبرات كبيرة في الزراعة والصناعات الغذائية.
وبالتالي، فإن المكسب المحتمل لا يتوقف عند زيادة حجم التجارة، وإنما يمتد إلى نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وتطوير سلاسل الإنتاج، وهي مكاسب يمكن أن يكون تأثيرها أكبر على الاقتصاد المصري إذا تحولت إلى مشروعات وشراكات مستدامة.
مصر.. بوابة بريكس إلى أفريقيا
في المقابل تمتلك مصر ميزة إضافية داخل بريكس تتمثل في موقعها الجغرافي وعلاقاتها التجارية داخل القارة الأفريقية، خاصة مع وجود اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية. ويمكن استغلال هذه الميزة في جذب شركات من دول التكتل لإقامة مصانع في مصر، والاستفادة من البنية التحتية وقناة السويس، ثم النفاذ بالمنتجات إلى الأسواق الأفريقية.
وبذلك تستطيع مصر تقديم نفسها لدول بريكس ليس فقط كسوق، وإنما كقاعدة إنتاج وتصدير إلى أفريقيا، وهو ما يرفع القيمة الاقتصادية لعضويتها.
لماذا لم تتحول العضوية إلى طفرة حتى الآن؟
رغم اتساع الفرص، فإن عضوية بريكس لا تعني تلقائيًا تدفق الاستثمارات أو زيادة الصادرات، فالتكتل ليس اتحادًا اقتصاديًا متكاملًا يضمن لأعضائه امتيازات تجارية مماثلة للتكتلات الأكثر تكاملًا.
كما أن دول بريكس نفسها تختلف في هياكلها الاقتصادية ومصالحها وأولوياتها، وهو ما يجعل الانتقال من التعاون السياسي إلى التكامل الاقتصادي عملية تدريجية تحتاج إلى اتفاقات وآليات تنفيذ واضحة.
وبالنسبة لمصر، تظل القدرة على تعظيم العائد مرتبطة بعوامل داخلية، أهمها زيادة الإنتاج، تحسين القدرة التنافسية، تطوير بيئة الاستثمار، وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية وتصديرية.
بناء على ما سبق ، يمكن القول إن مصر حققت خلال السنوات الثلاث الأولى في عضويتها ببريكس مكاسب مهمة في توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية والتجارية، وتعزيز فرص التعاون مع اقتصادات كبرى، لكن في المقابل، فإن بعض أهم الرهانات التي صاحبت الانضمام ما زالت تحتاج إلى مزيد من التفعيل.
وبالتالي، فإن تقييم تجربة مصر داخل بريكس لا يمكن اختزاله في القول إن العضوية حققت مكاسب أو لم تحققها، وإنما في مدى قدرة مصر على تحويل الفرص التي توفرها العضوية إلى نتائج اقتصادية ملموسة.