مصر أمام معركة تتجاوز سد النهضة: استعادة الرواية الأفريقية من قادر علي كتابة القصة قد يفوز في المعركة

عادت “أديس أبابا” مجددًا إلى ممارسة ألاعبيها وضغوطها على “القاهرة” في ملف نهر النيل، بعدما تحدث وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا عن توجه بلاده لبناء سدود إضافية على النهر، وعن تنظيم تدفقات المياه إلى دولتي المصب. وبعيدًا عن تفاصيل هذه التصريحات وما تحمله من أبعاد مختلفة، فإنها تعيد إلى الواجهة حقيقة أكثر اتساعًا وهي أن معركة النيل لم تعد تدور حول المياه والمنشآت فقط، وإنما أصبحت أيضًا معركة على الرواية والصورة الذهنية ومَن ينجح في الوصول إلى العقل الأفريقي أولًا.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: كيف استطاعت إثيوبيا خلال السنوات الماضية تقديم نفسها أمام الرأي العام الأفريقي باعتبارها دولة تسعى إلى التنمية وتريد استغلال مواردها الطبيعية، بينما لم تنجح مصر بالقدر نفسه في تقديم صورتها الحقيقية، وشرح موقفها العادل، وإبراز ما تقوم به من جهود صادقة لدعم التنمية والاستقرار في القارة السمراء.

الإجابة هنا لا تتعلق فقط بقوة الرسالة، وإنما بطريقة صياغتها وتوقيت طرحها والجمهور الذي تخاطبه. فقد قدمت إثيوبيا قضيتها في قالب شديد البساطة؛ دولة فقيرة تريد الكهرباء والتنمية، وفي المقابل قوى تحاول منعها من استغلال مواردها. هذه الصياغة، مهما كانت اختزالية، فإنها تمتلك قدرة على الانتشار لأنها تخاطب المشاعر قبل التفاصيل، وتقدم قضية معقدة في صورة حكاية سهلة الفهم والتداول.

أما الموقف المصري، فيرتكز على الاعتبارات الفنية والقانونية، وقواعد الملء والتشغيل، والالتزام بمبادئ القانون الدولي، ورفض الإجراءات الأحادية التي قد تضر بالمصالح المصرية والسودانية. لكن قوة الحجج وحدها قض لا تضمن وصولها إلى الجمهور، إذا لم تتحول إلى خطاب يستطيع المواطن الأفريقي العادي فهمه وربطه بحياته ومصالحه ومستقبل بلاده.

وهنا تقتضي الحاجة تطوير الدبلوماسية الإعلامية المصرية، فالعالم لم يعد ينتظر البيانات الرسمية حتى يعرف القضايا الكبرى، وإنما يتلقى معلوماته من مقاطع قصيرة، وتقارير رقمية، ومؤثرين، ومنصات محلية، وقصص إنسانية. وبالتالي فإن ترك هذه المساحات دون حضور مصري مؤثر يعني ببساطة أن أطرافًا أخرى ستملؤها بالروايات التي تخدم رؤيتها.

لكن المطلوب ليس الدخول في حرب دعائية مع إثيوبيا، ولا تحويل الخطاب المصري إلى سلسلة من الردود والهجمات، وإنما تقديم رؤية متكاملة للعلاقة الوطيدة بين مصر والقارة الأفريقية. فالقاهرة لديها تاريخ طويل من التعاون مع دول القارة في مجالات عدة، إضافة إلى مشروعات ومبادرات تنموية متعددة. هذه الملفات لا ينبغي أن تظل مجرد أرقام في تقارير المؤسسات، بل يجب أن تتحول إلى قصص يعرفها المواطن الأفريقي ويرى أثرها.

ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال بناء محتوى إعلامي أفريقي متخصص، لا يكتفي بترجمة الرسائل المصرية إلى الإنجليزية أو الفرنسية، وإنما يفهم طبيعة كل مجتمع أفريقي ويخاطبه بلغته واهتماماته. ويمكن أن تترافق هذه الاستراتيجية مع شراكات حقيقية مع صحفيين ومؤثرين أفارقة، وإتاحة المعلومات والبيانات لهم، وتنظيم زيارات ميدانية إلى المشروعات المصرية والأفريقية، بما يسمح لهم بتكوين صورة مستقلة بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

الأهم من ذلك أن يكون الحضور المصري مستمرًا وليس مرتبطًا بالأزمات. فلا ينبغي أن تظهر أفريقيا في الخطاب الإعلامي المصري فقط عندما يحدث خلاف حول سد النهضة أو عندما تصدر تصريحات من أديس أبابا. فالعلاقات المصرية الأفريقية أوسع بكثير من ملف المياه، وإذا كانت مصر تريد بناء صورة مستقرة لها في القارة، فعليها أن تتحدث عن أفريقيا في أوقات الهدوء بقدر ما تتحدث عنها في أوقات الأزمات.

اتصالًا بما سبق فإن بناء هذه الاستراتيجية يحتاج إلى منح مساحة أكبر للأصوات الأفريقية في سرد تجربتها، وبناء شبكة أوسع من الشراكات مع الإعلاميين والمؤسسات الصحفية والجامعات ومراكز الأبحاث الأفريقية. فالحوار المباشر مع النخب الإعلامية والأكاديمية في القارة يمكن أن يفتح مساحة للنقاش الموضوعي حول قضايا المياه والتنمية، ويمنع اختزال العلاقة المصرية الأفريقية في صورة أزمة دائمة أو صراع على الموارد.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تنتقل مصر إلى مساحة الإعلام الدولي المؤثر، عبر طرح رؤيتها في المنابر التي تصنع النقاش العالمي حول القضايا الأفريقية، سواء من خلال مقالات تحليلية أو حوارات أو دراسات متخصصة في مؤسسات إعلامية دولية كبرى. فالحديث إلى الجمهور الأفريقي مهم، لكن التأثير في النخب الدولية وصناع القرار ومراكز التفكير لا يقل أهمية.

أن الوقت قد حان لمصر أن تدحض الرواية الإثيوبية، لا بمجرد الرد عليها، وإنما بتقديم رواية مصرية متكاملة عن أفريقيا؛ رواية تستند إلى الحقائق، وما تملكه مصر من تاريخ وعلاقات وتجارب ومشروعات ورؤية للتعاون.

فالقضية ليست أن ننتصر في كل سجال إعلامي مع إثيوبيا، وإنما أن نمنع اختزال صورة مصر في رواية يصوغها الآخرون. وإذا كانت إثيوبيا قد أدركت مبكرًا أن بناء السد لا يحتاج فقط إلى خرسانة وتوربينات، بل يحتاج أيضًا إلى رواية تبرر مشروعها أمام العالم، فإن مصر مطالبة اليوم واكثر من أي وقت مضى بأن تدرك أن حماية مصالحها في أفريقيا تحتاج بدورها إلى حضور إعلامي يشرح، ويقنع، ويبني الثقة.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى