القاهرة تغير قواعد اللعبة.. كيف تعيد زيارة شي جين بينج رسم حسابات واشنطن في الشرق الأوسط؟

لم تعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة مجرد مناسبة لتطوير العلاقات المصرية – الصينية، أو احتفالاً بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وإنما جاءت في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية، يجعل منها محطة مهمة لقراءة التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط.

فالرئيس الصيني يصل إلى القاهرة في وقت تتغير فيه حسابات القوى الكبرى تجاه المنطقة، وتتزايد الحاجة إلى ترتيبات أمنية جديدة، بالتزامن مع تصاعد الأزمات الإقليمية واضطراب حركة التجارة والطاقة والملاحة. ومن هنا، فإن السؤال الذي تفرضه الزيارة لا يتعلق فقط بما ستضيفه إلى العلاقات بين القاهرة وبكين، وإنما يمتد إلى سؤال أكبر: كيف ستعيد الولايات المتحدة حساباتها في الشرق الأوسط مع اتساع الحضور الصيني في واحدة من أهم عواصم المنطقة؟

مصر •• ليست ساحة للمنافسة وإنما مركز للتوازن

اختيار القاهرة يحمل دلالة تتجاوز حجم العلاقات الثنائية، فمصر دولة محورية في النظام الإقليمي العربي، وتمتلك موقعاً استثنائياً عند ملتقى البحر المتوسط والبحر الأحمر، فضلاً عن قناة السويس وثقلها السياسي والدبلوماسي والعسكري. ومن ثم، فإن أي قوة دولية تسعى إلى تعزيز حضورها في الشرق الأوسط لا تستطيع تجاهل القاهرة. والصين تدرك هذه الحقيقة جيداً، لكن الأهم أن مصر تدركها أيضاً، ولهذا فإن تطوير العلاقات مع بكين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتقالاً مصرياً من واشنطن إلى الصين، وإنما باعتباره جزءاً من سياسة أوسع تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على هامش الحركة الاستراتيجية.

القاهرة ليست مطالبة بالاختيار بين قوتين عظميين، وإنما بإدارة علاقاتها معهما بما يخدم المصالح المصرية.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم الرؤية المصرية خلال المرحلة المقبلة.

رسالة الصين من القاهرة

الجانب الأكثر أهمية في الزيارة أن الرسالة الصينية لا تقف عند حدود التعاون الاقتصادي والاستثماري، وإنما تمتد إلى رؤية أوسع للمنطقة، تقوم على تعزيز الأمن الإقليمي والحد من التدخلات الخارجية والبحث عن ترتيبات أمنية أكثر ارتباطاً بدول المنطقة نفسها. وهنا تتجاوز الرسالة حدود العلاقات المصرية – الصينية.

فالصين لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد مصدر للطاقة أو سوقاً للاستثمار، وإنما أصبح استقرار المنطقة مرتبطاً بصورة مباشرة بمصالحها التجارية والاقتصادية وأمن طرق الإمداد والملاحة. وفي المقابل، ستقرأ الولايات المتحدة هذا التحرك باعتباره مؤشراً على اتساع مساحة المنافسة الدولية في المنطقة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستنسحب أو تتراجع، بل قد يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها وأدوات حضورها.

ماذا يمكن أن تفعل واشنطن؟

في تقديري، ستتجه الحسابات الأمريكية خلال المرحلة المقبلة إلى ثلاثة مسارات رئيسية، وهي:

أولاً: تعزيز العلاقات مع الحلفاء والشركاء التقليديين: كلما توسع الحضور الصيني في المنطقة، ازدادت أهمية الحفاظ على العلاقات الأمريكية مع الدول العربية المحورية، وفي مقدمتها مصر ودول الخليج.

ثانياً: زيادة الاهتمام بأمن الممرات البحرية: أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط لم يعد شأناً إقليمياً فقط، وإنما أصبح جزءاً من أمن التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.

ثالثاً: تقديم عروض أكثر تنافسية: المنافسة لم تعد عسكرية فقط، فالصين تقدم التمويل والاستثمار والبنية الأساسية والتكنولوجيا والتجارة، بينما تحتاج الولايات المتحدة إلى توسيع أدوات الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية، إذا أرادت الحفاظ على مستوى نفوذها التقليدي.

قناة السويس •• من موقع جغرافي إلى ورقة استراتيجية

هنا تظهر إحدى أهم الأوراق المصرية، فالصين تنظر إلى مصر باعتبارها نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما أن الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمنح بكين مصالح اقتصادية طويلة المدى في واحدة من أهم مناطق حركة التجارة الدولية.

أما الولايات المتحدة، فإن مصالحها في استمرار أمن الملاحة والتجارة العالمية تجعل استقرار مصر وقناة السويس عنصراً مهماً في حساباتها.

لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع قوة تفاوضية، فالقوة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع الدولة تحويل موقعها إلى صناعة واستثمار وتكنولوجيا وخدمات لوجستية ونفوذ سياسي، وهنا يكمن أحد أهم التحديات أمام مصر.

الأمن •• النقطة الأكثر حساسية

التوسع الصيني في التعاون الأمني والعسكري مع مصر يستحق قراءة دقيقة، ولكن بعيداً عن المبالغة. فمصر ترتبط منذ عقود بعلاقات دفاعية وأمنية واسعة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعمل على تنويع مصادر التعاون العسكري والتكنولوجي. وهذا التنويع لا يعني بالضرورة تغيير عقيدة التحالفات المصرية، وإنما يمنح الدولة مساحة أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار.

لكن هناك قاعدة يجب ألا تغيب عن الحسابات، وهي أن الأمن القومي المصري ليس مجالاً للمنافسة بين القوى الكبرى.

وأي تعاون خارجي يجب أن يخضع أولاً لمعيار المصلحة الوطنية المصرية، وحماية السيادة وأمن المعلومات والبنية التحتية الحيوية، وعدم تعريض القرار الوطني لأي ضغوط أو ارتباطات غير محسوبة.

هل بدأت مرحلة ما بعد النفوذ الأمريكي المنفرد؟

الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة. لا يمكن القول إن الولايات المتحدة فقدت نفوذها في الشرق الأوسط، فهذا استنتاج غير واقعي، كما أنه من المبكر الحديث عن انتقال مركز النفوذ من واشنطن إلى بكين. لكن يمكن القول إن الشرق الأوسط لم يعد يقبل بسهولة بنموذج القوة الواحدة. روسيا موجودة، والصين تتوسع، والقوى الإقليمية نفسها أصبحت أكثر قدرة على تنويع علاقاتها الدولية. وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى تعدد الشراكات ومراكز التأثير، والدولة التي تستطيع إدارة هذه التعددية بذكاء ستكون صاحبة اليد الأقوى، وهنا تأتي أهمية مصر.

القاهرة أمام فرصة حقيقية 

إذا أحسنت مصر إدارة علاقاتها الدولية، فإنها تستطيع أن تتحول من دولة تتأثر بالترتيبات الإقليمية إلى دولة تشارك في صياغتها. وهذا يتطلب ألا تكون القاهرة مجرد طرف في المنافسة الأمريكية – الصينية، بل أن تكون مساحة للحوار والتفاهم بين القوى المختلفة. مصر لديها ما يؤهلها لذلك: موقعها وثقلها العربي والأفريقي وعلاقاتها المتوازنة وخبرتها الدبلوماسية وقدرتها على التواصل مع أطراف متعددة.

وهذه العناصر يمكن أن تمنح القاهرة دوراً أكبر في أي نقاش مستقبلي حول أمن المنطقة.

توصيات استراتيجية

١- تثبيت سياسة التوازن الاستراتيجي: الحفاظ على العلاقات المصرية – الأمريكية، مع استمرار تطوير الشراكة المصرية – الصينية، دون تحويل أي منهما إلى علاقة صفرية على حساب الأخرى.

٢- تحويل قناة السويس إلى منظومة اقتصادية متكاملة: الانتقال من إدارة ممر ملاحي عالمي إلى بناء منظومة صناعية ولوجستية وتكنولوجية متكاملة حول القناة.

٣- حماية القطاعات الاستراتيجية: وضع ضوابط دقيقة للاستثمارات الأجنبية في قطاعات الاتصالات والبيانات والبنية التحتية الحيوية والطاقة، بما يحقق الاستفادة من الاستثمار دون المساس باعتبارات الأمن القومي.

٤- توطين التكنولوجيا: لا ينبغي أن يكون الهدف المصري جذب الاستثمارات الصينية أو الأمريكية فقط، وإنما الحصول على المعرفة والتكنولوجيا والتدريب وبناء القدرات المصرية.

٥- تعزيز الدور المصري في أمن الملاحة: تطوير الدور المصري في حماية أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط، بالتنسيق مع الدول العربية والشركاء الدوليين، ووفق قواعد القانون الدولي.

٦- عدم الدخول في محاور مغلقة: المرحلة المقبلة تحتاج إلى مرونة استراتيجية، ومصر يجب أن تحتفظ بعلاقات مفتوحة مع مختلف القوى، وأن تتجنب الانجرار إلى استقطاب دولي قد يفرض عليها اختيارات لا تتفق مع مصالحها.

٧- طرح رؤية مصرية مستقلة للأمن الإقليمي: بدلاً من انتظار المبادرات الخارجية، ينبغي أن تطرح القاهرة تصورها الخاص للأمن الإقليمي، قائماً على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية، وحماية الملاحة والتجارة، ومواجهة الإرهاب والتطرف.

٨- تحويل القاهرة إلى منصة للحوار الدولي: مصر مؤهلة لاستضافة حوارات تجمع القوى الدولية والإقليمية حول أمن البحر الأحمر والشرق الأوسط، بما يعزز مكانتها كدولة توازن، لا كطرف في صراع النفوذ.

في النهاية، زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة ليست إعلاناً عن خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، وليست إعلاناً عن دخول الصين مكانها. إنها، في تقديري، إشارة واضحة إلى أن قواعد اللعبة الإقليمية تتغير.

الصين تريد مساحة أكبر، والولايات المتحدة ستعيد حساباتها، والدول العربية تبحث عن خيارات أوسع، ومصر تقف في قلب هذا التحول بحكم موقعها وثقلها وعلاقاتها المتعددة. ومن الخطأ أن تنظر القاهرة إلى هذه المنافسة باعتبارها أزمة، بل يمكن أن تحولها إلى فرصة. فالهدف ليس أن تختار مصر بين واشنطن وبكين، وإنما أن تجعل المصلحة المصرية هي نقطة الالتقاء في علاقاتها مع الجميع.

وإذا نجحت القاهرة في إدارة هذه المعادلة، فإنها لن تكون مجرد دولة مهمة في ترتيبات الشرق الأوسط المقبلة، وإنما يمكن أن تصبح واحدة من الدول التي تشارك في صناعة هذه الترتيبات وتحديد اتجاهها. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لزيارة الرئيس الصيني إلى مصر، فالمنافسة بين الكبار قد تكون فرصة للصغار، أما بالنسبة لمصر فهي فرصة لدولة كبيرة تستطيع أن تجعل من موقعها وثقلها وعلاقاتها أدوات قوة في صناعة المستقبل.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى