على محمد الشرفاء الحمادي يكتب.. هجرة الرسول الكريم

لم تكن هجرة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة انتقالًا من مكان إلى آخر، ولم تكن بحثًا عن مأوى أو هروبًا من مسؤولية، وإنما جاءت بعد سنوات من الصبر على الظلم والحصار والتنكيل، وحين أصبح استمرار الرسول في مكة يهدد الأمانة التي حمّله الله إياها، فكانت الهجرة حفاظًا على رسالة الإسلام، واستمرارًا لدعوة تحمل للناس الرحمة والعدل والإحسان والسلام.
لقد هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام مضطرًا من مكة، البلد الذي وُلد فيه وكان الأقرب إلى قلبه، بعدما حاصره أعداء رسالة الإسلام وتحالفوا ضد دعوة الله التي جاءت لتهدي الناس إلى طريق الخير والصلاح، وتدعوهم إلى التراحم والتكاتف وإقامة العدل، حتى تعيش المجتمعات الإنسانية في أمن واستقرار وسلام.
ولم يكن ما لاقاه الرسول من ظلم ومعاناة متعلقًا بشخصه، بل كان بسبب الأمانة التي يحملها، فقد كُلّف بأن يبلغ الناس آيات الله وتشريعاته، وأن يبين لهم سبل الخير والسلام، وأن يحرر عقولهم من الخداع والزيف، ويقيم علاقتهم بخالقهم على أساس ما أنزله الله من هدى وتشريع.
ومن هنا يمكن فهم أسباب التحالف الذي تشكل ضد رسالة الإسلام، فقد خاف أصحاب المصالح على مكانتهم، وخشي آخرون ضياع نفوذهم، ورأى فريق في الرسالة الجديدة كشفًا لما صنعه من أكاذيب وروايات وأساطير وتحريف لما أنزله الله على أنبيائه لهداية الناس إلى طريق العدل والسلام.
وتلاقت تلك المصالح مع مصالح بعض قبائل قريش وغيرها ممن رأوا في دعوة الإسلام خطرًا على نفوذهم ومصالحهم، فكادوا للرسول عليه الصلاة والسلام، وحاصروه ونكّلوا بأصحابه، وحاولوا بكل الطرق وقف الرسالة ومنع وصولها إلى الناس.
لكن الرسول كان يدرك عظمة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وكان عليه أن يحافظ على الأمانة التي يحملها في القرآن ليبلغها للناس كما أمره الله سبحانه، نقية طاهرة دون تحريف أو تشويه أو تزوير. وحين ضاقت السبل في مكة ولم يعد أمامه طريق آمن لاستمرار الدعوة، كانت الهجرة إلى المدينة طريقًا لحماية الرسالة واستكمال تبليغها.
خرج الرسول من مكة وهو يحمل معه الخير للناس جميعًا، ويحمل شعلة من النور تضيء للإنسان طريق السلام والعدل والرحمة. لم تكن رسالته دعوة إلى صراع بين البشر، وإنما بشارة بحياة كريمة آمنة مستقرة، ودعوة إلى أن يعرف الإنسان طريق الفلاح والصلاح، وأن يدرك أن مصيره عند الله مرتبط بعمله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى اتباع كتاب الله والتقيد بتشريعاته وممارسة آداب القرآن وأخلاقياته، وهي السُّنة الحقيقية التي جسّدها في سلوكه مع أهله وأقربائه وأفراد مجتمعه، دون تفرقة بين الناس بسبب عقائدهم أو دياناتهم.
لقد عامل الناس كما أمره القرآن، إخوة في الإنسانية، ودعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وعرض عليهم هدي الآيات الذي يقودهم إلى حياة كريمة يسودها الأمن والسلام، ويحميهم من الشقاء والضنك، مصداقًا لقوله سبحانه: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ» (طه: 123-124).
ويبشر الله الذين آمنوا واستقاموا بقوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» (فصلت: 30).
وهكذا كان جهاد الرسول عليه الصلاة والسلام في سبيل الله؛ صبر على الغربة، وترك مكة التي وُلد ونشأ فيها، وابتعد عن أهله وأقربائه، وتحمل المشاق والمعاناة من أجل أن يؤدي الأمانة التي كلفه الله بها، ويحمل رسالة الإسلام في كتاب مبين إلى الناس جميعًا.
واجه المؤامرات بقوة اليقين في نصر الله، ولم يتراجع أمام الجبروت والطغيان، ولم تدفعه قسوة ما تعرض له إلى التخلي عن مبادئ رسالته، بل ظل ثابتًا على الدعوة إلى الرحمة والعدل والإحسان والسلام، حتى هُزمت المحاولات التي استهدفت القضاء على الرسالة أو منع وصولها إلى الناس.
ثم جاء اليوم الذي اكتملت فيه الرسالة، وأعلن الله سبحانه تمام الدين بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» (المائدة: 3)، لتكون تلك الرسالة أمانة بين أيدي المسلمين، ومسؤولية تقتضي منهم أن يتمسكوا بما جاء به القرآن من قيم وتشريعات، وأن يقدموا الإسلام للناس كما جاء به الرسول رحمة وعدلًا وسلامًا.
إن هجرة الرسول تعلمنا أن حماية المبادئ قد تحتاج إلى التضحية، وأن الثبات على الحق لا يعني الجمود في المكان، وأن الانتصار الحقيقي للرسالات لا يتحقق بالقوة والبطش، وإنما بالصبر واليقين والتمسك بالقيم التي أمر الله بها.
عليك السلام يا رسول الله، فقد كنت رحمة للعالمين وقدوة للناس في الأخلاق والسلوك، رحيمًا عفوًا محسنًا، ترفق بالفقراء والمساكين، وتدعو الناس إلى الخير، وكنت معلمًا عظيمًا للإنسانية وأسوة حسنة، كرّمك الله في صفاتك وأثنى عليك، ورفع قدرك، وختم بك رسالاته، وسماك رسول الله وخاتم النبيين.
عليك سلام الله ورضوانه يا محمد بن عبد الله؛ بلّغت الأمانة، وأديت الرسالة، وكنت هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وتركت للناس كتاب الله نورًا يهديهم إلى طريق الرحمة والعدل والسلام.