علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب.. حرمة الاتجار بالشر في القرآن

في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر 2026، الذي يأتي هذا العام تحت عنوان حددته الأمم المتحدة “عالقون في فخ الاحتيال”، في إشارة إلى تنامي ظاهرة الاتجار بالبشر بغرض الإكراه على ارتكاب الجرائم ضمن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت، ندعو العالم أجمع، في ذكرى الثلاثين من أغسطس من كل عام، إلى الوقوف صفا واحدا في مواجهة جرائم الاتجار بالبشر، والعودة إلى ما جاء في القرآن الكريم من تشريعات تحفظ للإنسان حريته وكرامته وحقوقه.
فالقرآن حرم استعباد البشر واستغلالهم وسلب حقوقهم، وصان كرامة الإنسان، وحمى النساء والأطفال من الظلم والاعتداء والاستغلال، ودعا إلى التكافل الاجتماعي والرحمة والتسامح والتعاون على البر والتقوى، وهي قيم وتشريعات إذا التزم بها الإنسان وأصبحت أساسا في علاقته بأخيه الإنسان، فلن يجد الاتجار بالبشر ولا استغلال الضعفاء ولا سلب الحقوق طريقا إلى المجتمعات.

يقول الله سبحانه وتعالى في آياته “ما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين”، فالله سبحانه وتعالى لم يمنح أي إنسان حق التشريع في جميع الأديان بل دعوة الله للناس جميعاً أن يعيشوا في الحياة الدنيا في أمن وسلام ومحبة وتعاون على البر والتقوى، ونهى الله سبحانه عن التعاون على الإثم والعدوان.

وكل الموروث والتقاليد البالية لدى المسلمين لا تمت بصلة لرسالة رب العالمين، رسالة الرحمة والتسامح والمحبة والتسابق في الخيرات ومحاربة الكراهية والأحقاد والكبرياء والتعالي على الناس، فكل الناس سواسية أمام الله وأمام القانون، فلا ميزة لقوم على غيرهم، والله بواسطة رسوله عليه السلام بين لهم أنهم جميعاً إخوة في الخلق، كما وضحه فى الكتاب المبين قول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) النساء (١).

فنحن أشقاء فى الخلق، أمرنا الله سبحانه بنشر السلام والتعاون فيما بين الناس جميعاً في أمره سبحانه للناس جميعاً بقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ) المائدة (٢).

ودعا الله كل الناس للدخول في السلم كافة فى تشريعاته بقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) البقرة (٢٠٨).

وهذا التشريع والأمر الإلهي للناس جميعاً يحذر الناس أن كل من يدعو للكراهية من الناس جميعاً لقد اتبع خطوات الشيطان، وقد كلف الله رسوله عليه السلام بإبلاغ الناس بأمره سبحانه: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) الإسراء (٥٣).

كما أمر الله سبحانه الناس جميعاً بإفشاء السلام في قوله بما نطق عنه رسول الله: (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) النساء (٨٦) .

لقد وضع الله في كتابه الكريم قواعدًا لسلوك المسلم، ومن يخالف تلك القواعد الأساسية في معاملة المسلم من الناس فقد نقض عهده مع الله ولم تعد له صلة بالإسلام، فالإسلام نظام إجتماعي وقواعد للسلوك والمعاملات يستهدف أن يعيش الناس جميعاً في مجتمعاتهم إخوة متحابين ومتعاونين يحترم بعضهم بعضاً ويدافع كل منهم عن حق الإنسان في إختيار دينه ومذهبه ونمط حياته، فالله خلق الناس أحرارًا، فلم يعين وصيًّا ليراقب الناس في أديانهم ويفتش عليهم في أداء شعائرهم.

كما تدعو آيات القرآن الكريم دومًا إلى ضرورة التعاون بين البشر ومساعدة المحتاجين والفقراء. قال تعالى: «.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» (المائدة: 2).

تضمن القرآن الكريم العديد من الآيات التي ترشد المسلمين إلى ضرورة اتباع الصدقة والإنفاق في سبيل الله، حيث قال تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة: 60). وقال الله تعالى: «مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (البقرة: 261).

إن تحرير العقل من طغيان الروايات على الآيات هو السبيل الحقيقي لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وسيظل القرآن حيًّا إلى قيام الساعة، يخاطب الأحياء، ويرشدهم إلى سبل الخيرات والحياة الطيبة. منهجه يحقق كرامة الإنسان ويقيم ميزان العدل بين الناس، رجالًا ونساءً، دون تمييز، لأن الخطاب الإلهي موجه للإنسان.

إن صون كرامة المرأة ليس شعارًا يُرفع، بل التزامًا عمليًا بالرجوع إلى كتاب الله، والاحتكام إلى تشريعه العادل. فحين تُصان الأسرة على أساس الرحمة، وتُحفظ حقوق المرأة باعتبارها شريكًا أصيلًا في بناء المجتمع، يتحقق أمن المجتمع واستقراره، ويعود الميزان إلى نصابه كما أراده الله.

لقد بعث الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ليحمل للناس كافة كتبا مباركا ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وليهديهم طريق الخير والصلاح إذ يقول سبحانه وتعالى لنبيه محمد “ص” :” كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ”.

المفكر على محمد الشرفاء

مفكر وكاتب عربي مشغول بهموم أمته.. لديه رؤية ومشروع استراتيجي لإعادة بناء النظام العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.. وينفذ مشروع عربي لنشر الفكر التنويري العقلاني وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.. الكاتب قدم للمكتبة العربية عدداً من المؤلفات التي تدور في معظمها حول أزمة الخطاب الديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى