توظيف محسوب: كيف تغير الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط؟

لم يعد الحضور الباكستاني في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية مجرد امتداد للعلاقات التاريخية التي ربطت إسلام آباد بعدد من دول المنطقة، ولا سيما المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج، وإنما بدأ يتخذ تدريجيًا طابعًا استراتيجيًا أكثر اتساعًا وتعددًا في الوظائف. فباكستان التي ارتبط حضورها الإقليمي لعقود بالتعاون العسكري والتدريب والدعم الدفاعي، أخذت تتحرك وعلى وجه التحديد خلال عامي 2025 و2026 في دوائر أكثر امتدادًا، تشمل بناء ترتيبات دفاع جماعي، والمشاركة في إدارة الأزمات، والوساطة بين القوى المتصارعة في المنطقة، والانخراط في أطر التشاور الإقليمي، وتطوير الشراكات الدفاعية والتكنولوجية. ومن ثم فإن التحول الأكثر أهمية لا يتمثل في زيادة حجم الحضور الباكستاني بقدر ما يتمثل في تغير طبيعة هذا الحضور ووظيفته.

وتكشف التطورات الأخيرة والمتسارعة في إقليم الشرق الأوسط بأن إسلام آباد أصبحت تتحرك فيه عبر مجموعة من الأدوات المتزامنة، فهي من ناحية شريك أمني وعسكري للمملكة العربية السعودية، ومن ناحية أخرى وسيط مقبول لدى إيران والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه شريك دفاعي متنامٍ لتركيا، وعضو في آليات التشاور مع مصر وغيرها من الأطراف السابقة. ولذلك فإن الحضور الباكستاني لم يعد أحادي الأبعاد، بل أصبح يجمع بين القوة الصلبة، والدبلوماسية، والوساطة، والشراكات الدفاعية، والتموضع متعدد الأطراف. وهذه التعددية هي التي تمنح هذا التواجد دلالاته الاستراتيجية الأوسع.

وعليه، يقدم هذا التحليل قراءة متعمقة في الدور الباكستاني في منطقة الشرق الأوسط بداية من جذور التواجد، ثم التحول الوظيفي في هذا الدور عبر العديد من المؤشرات، ودلالات هذا التحول وحدوده.

ما بين جذور التواجد والتحول

يمكن فهم هذا التحول في طبيعة دور باكستان بالعودة إلى جذور علاقاتها بدول المنطقة وتحديدًا الخليجية منها. فقد كان التعاون الدفاعي بين باكستان والسعودية قائمًا منذ عقود، وشمل تدريب القوات السعودية والتعاون العسكري وتبادل الخبرات والوجود العسكري الباكستاني في المملكة في فترات مختلفة. وبالتالي فإن الحديث عن وجود باكستاني في الخليج ليس جديدًا. الجديد هو أن هذا الوجود أخذ يتحول من علاقة دفاعية ذات طابع ثنائي ووظيفي إلى ترتيب أمني أكثر مؤسسية ووضوحًا. ويُشكل توقيع الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025 على اتفاق الدفاع المتبادل الاستراتيجي نقطة تحول مهمة في هذا المسار، إذ نص الاتفاق على اعتبار أن “أي عدوان على إحدى الدولتين يُعد عدوانًا على الأخرى”، وهو ما نقل العلاقة من مستوى التعاون الدفاعي التقليدي إلى مستوى أقرب إلى الردع المشترك. وقد تم اعتبار هذا الاتفاق في الأوساط السياسية الإقليمية أنه قد أوجد روابط أمنية جديدة بين جنوب آسيا والشرق الأوسط، وأنه يمكن أن يؤثر في حسابات عدد من القوى النووية والقوى الإقليمية بشكل عام.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن العلاقة لم تعد قائمة فقط على “تبادل المصالح” وإنما أصبحت تحمل بُعدًا يتعلق بإعادة توزيع مصادر الضمان الأمني في الخليج. فالسعودية رغم استمرار شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، تتحرك وبصورة متزايدة نحو تنويع علاقاتها الأمنية وعدم حصر خياراتها الدفاعية تحت مظلة واحدة. وفي هذا السياق، فإن الاستعانة بباكستان تُتيح للملكة الوصول إلى دولة تمتلك جيشًا كبيرًا، وخبرة عسكرية واسعة، وقاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وقدرات صاروخية ونووية، فضلًا عن خبرة طويلة في البيئة الخليجية. وفي المقابل تحصل باكستان على موطئ قدم أمني أكثر رسوخًا في الخليج العربي، وعلى مكاسب اقتصادية وسياسية واستراتيجية أوسع، ولذلك فإن الاتفاق لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد تحالف سعودي-باكستاني، وإنما بوصفه آلية لتنويع مصادر القوة والردع داخل المنطقة.

غير أن التحول الأكثر دلالة ظهر في 2026، عندما انتقلت باكستان من موقع الشريك الأمني التقليدي إلى موقع الفاعل الدبلوماسي في إدارة كبرى أزمات المنطقة والتي تمس قلب النظام الأمني في الشرق الأوسط برمته. فقد لعبت إسلام آباد دورًا متزايدًا في تسهيل الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، عقب الحرب بينهما والتي بدأت بمهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران في فبراير 2026، ما استدعى ردًا إيرانيًا كانت تداعياته على المنطقة كاملة، واستضافت جولات من المحادثات، وحافظت على قنوات اتصال مفتوحة بين الطرفين، إلى أن أسفرت الجهود عن توقيع “مذكرة إسلام آباد” بين واشنطن وطهران في يونيو 2026. ووفقًا للخارجية الباكستانية، لم يكن الدور الباكستاني مجرد استضافة للمفاوضات، بل استمر في إطار الوساطة والتيسير، بما في ذلك المشاركة مع قطر في اجتماعات تنفيذ المذكرة.

حلقة وصل

تظهر إحدى أهم المفارقات الاستراتيجية في الدور الباكستاني في منطقة الشرق الأوسط، وذلك عبر ملف الوساطة في الأوضاع التي شهدتها المنطقة في 2026، فالدولة التي عززت التزاماتها الأمنية تجاه السعودية، وهي الدولة التي تقع في قلب المعادلة الخليجية، لم تتحول في الوقت نفسه إلى طرف في الاستقطاب السعودي-الإيراني جراء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران وتداعياتها على دول الخليج، وإنما حافظت إسلام آباد على قنواتها مع طهران واستخدمتها لتسهيل التواصل بينها وبين واشنطن. وهذا يعني أن باكستان تحاول بناء دورها الإقليمي على القدرة على التواصل مع أطراف متعارضة بدلًا من الاصطفاف الكامل مع أحدها.

وهذه النقطة على وجه التحديد تفسر لماذا أصبحت باكستان قابلة للعب دور الوسيط، فهي ليست طرفًا في هذه الحرب، ولا تحمل إرثًا استعماريًا في المنطقة، ولديها علاقات وثيقة مع السعودية، وفي الوقت نفسه حدود مشتركة وعلاقات تاريخية مع إيران، فضلًا عن علاقاتها مع الولايات المتحدة. وبالتالي فإن موقعها يسمح لها نظريًا بالعمل كـ”قوة وصل” بين دوائر أمنية وسياسية مختلفة. أي قو ارتكاز وحلقة وصل بين مسارح جيوسياسية مختلفة، مستفيدة من علاقاتها مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية.

والأهم أن الوساطة الباكستانية لم تكن مجرد نشاط دبلوماسي منفصل عن بقية سياساتها، وإنما جاءت بالتوازي مع تصاعد حضورها الأمني. والذي حضورها الأمني المتزايد أيضًا والذي كانت أخر صوره هو الاتفاق الثلاثي أو كما عُرف إعلاميًا باتفاق مكة الثلاثي للدفاع المشترك بين كل من المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا في 7 أغسطس الجاري 2026. وهذه الازدواجية هي التي تمنح الدور الباكستاني خصوصيته. فباكستان لا تحاول أن تكون وسيطًا محايدًا بالمعنى التقليدي، وإنما تسعى إلى أن تكون شريكًا أمنيًا لبعض الأطراف، مع الحفاظ على القدرة على التواصل مع أطراف أخرى.

لكن قيمة هذا الدور الدبلوماسي لا تكمن فقط في نجاح الوساطة من عدمه. فحتى مع تعثر تنفيذ مذكرة إسلام آباد لاحقًا، تظل التجربة الباكستانية ذات دلالة استراتيجية؛ لأنها أظهرت أن إسلام آباد أصبحت طرفًا يمكن أن تُفتح عبره قنوات اتصال بين خصمين رئيسيين. وفي يوليو 2026، أكدت الخارجية الباكستانية أن المذكرة تواجه تحديات، لكنها لا تزال تعتبرها إطارًا صالحًا للعودة إلى التفاوض. ومع تجدد التوتر في أغسطس، ظلت باكستان ضمن مجموعة الوسطاء التي تحاول إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحًا. ومن هنا يمكن القول إن القيمة الاستراتيجية للوساطة بالنسبة لباكستان لا تتوقف على قدرتها على إنهاء الصراع، وإنما على قدرتها على إنتاج فكر دبلوماسي غير تقليدي. فكلما أصبحت إسلام آباد قناة اتصال مقبولة لدى أطراف متعارضة، ازدادت قدرتها على الحصول على موقع داخل ترتيبات الأمن الإقليمي مستقبلًا، حتى وإن لم تكن تمتلك القوة الاقتصادية أو العسكرية التي تمتلكها القوى الكبرى.

توسيع الدائرة

لقد أخذت باكستان توسع وجودها أيضًا داخل الأطر متعددة الأطراف في إقليم الشرق الأوسط. ويظهر ذلك بوضوح في الإطار التشاوري الذي يجمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان. فقد عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعهم الرابع في القاهرة في 21 يونيو 2026، وأكدوا أهمية استمرار التشاور والتنسيق بشأن السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، كما رحبوا بمذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران. وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه يعكس انتقال باكستان من العلاقات الثنائية إلى شبكات الأمن الإقليمي الأوسع. فوجودها إلى جانب القاهرة والرياض وأنقرة، يعنى أنها لم تعد تتعامل مع الإقليم عبر بوابة الخليج فحسب، وإنما بدأت تشارك في نقاشات أوسع تتعلق بمستقبل النظام الإقليمي ككل. وبذلك يصبح الحضور الباكستاني أكثر استقلالًا عن العلاقة السعودية–الباكستانية، وإن كانت الأخيرة تمثل أحد أهم مرتكزاته على الإطلاق.

ثم جاء التطور الأكثر وضوحًا كما ذكرنا سلفًا في أغسطس 2026، وهو انضمام باكستان مع السعودية وتركيا ل اتفاق مكة الثلاثي للدفاع المشترك، لذا يمكن القول إن العلاقة الباكستانية انتقلت من التحالف الثنائي إلى ترتيب دفاعي ثلاثي عابر للأقاليم. والأهم أن هذا الاتفاق لا يقتصر على التعهد السياسي بالدفاع المتبادل فحسب، وإنما يتضمن إنشاء آليات للتنسيق السياسي والعسكري، وتدريبات مشتركة برية وبحرية وجوية وسيبرانية، والتعاون في مجالات الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تطوير الصناعات الدفاعية والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا.

ومن هنا تتضح دلالة استراتيجية أخرى لتوسع الحضور الباكستاني، حيث أن إسلام آباد لا تقدم فقط قوة عسكرية أو بشرية للخليج، وإنما تدخل تدريجيًا في سلاسل إنتاج القوة العسكرية نفسها. فالتعاون مع أنقرة، التي تمتلك قطاعًا دفاعيًا متقدمًا في الطائرات المسيّرة والسفن والأنظمة الإلكترونية، يفتح المجال أمام شراكة دفاعية أكثر تعقيدًا. كما أن التعاون التركي–الباكستاني كان قد شهد بالفعل توسعًا في الصناعات الدفاعية، بما في ذلك برنامج السفن الحربية ونقل التكنولوجيا العسكرية.

وبالتالي يمكن قراءة هذا الاتفاق الثلاثي باعتباره بداية انتقال من التعاون العسكري إلى التكامل الدفاعي الجزئي. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن مستقبل نفوذ باكستان في الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بعدد القوات التي يمكن أن تنشرها، وإنما بقدرتها على الاندماج في منظومات التدريب والتسليح والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية الإقليمية.واللافت أيضًا أن الاتفاق جاء في لحظة شديدة الحساسية أمنيًا. فقد ارتبطت عملية إعادة ترتيب الأمن الإقليمي بتزايد المخاطر المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإيرانية، والهجمات على دول الخليج، وتهديدات الملاحة والطاقة.لذلك فإن القيمة الحالية للاتفاق تتمثل بدرجة كبيرة في الردع السياسي والاستراتيجي وإرسال رسالة بوجود قدرة جماعية على الاستجابة، بينما سيظل اختبار مصداقيته مرتبطًا بمدى تحويل الالتزامات السياسية إلى ترتيبات عسكرية فعلية.

دلالات الحضور الباكستاني

إن التواجد الباكستاني المتصاعد في المنطقة حاليًا، يعكس أيضًا إعادة تعريف لمفهوم الأمن الإقليمي نفسه. فالأمن في الشرق الأوسط لم يعد يُبنى فقط على تحالفات ثنائية بين دولة عربية وقوة كبرى خارج المنطقة، وإنما بدأت تظهر ترتيبات أكثر مرونة تجمع قوى من مناطق جغرافية مختلفة. السعودية وتركيا وباكستان ليست كتلة متجانسة، أو حتى متشابهة في القدرات والإمكانات، لكنها تشترك في مجموعة من المصالح منها: مواجهة التهديدات العابرة للحدود، حماية الدول من الضغوط العسكرية، تطوير القدرات الدفاعية، وتوسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي عن مظلة القوى الكبرى.

وهنا يصبح وجود باكستان في المنطقة ذا دلالة تتجاوز العلاقة مع السعودية. فإسلام آباد توفر للترتيب الثلاثي بُعدًا نوويًا وعسكريًا، بينما توفر أنقرة بُعدًا صناعيًا وعسكريًا وتكنولوجيًا، وتوفر الرياض الوزن الاقتصادي والجغرافي وموقعها المركزي في الخليج والعالم العربي والإسلامي معًا. وبالتالي يمكن النظر إلى الترتيب باعتباره تجميعًا متكاملًا نسبيًا لمصادر مختلفة من القوة، وليس تحالفًا تقليديًا قائمًا فقط على التشابه السياسي.

وهذا يقود إلى دلالة أخرى مهمة، وهي تدويل الأمن في الشرق الأوسط من خلال فاعلين إقليميين غير شرق أوسطيين. فوجود باكستان وتركيا في ترتيبات أمن الخليج يعني أن حدود النظام الأمني للمنطقة أصبحت أكثر مرونة. ولم تعد جنوب آسيا أو شرق المتوسط مناطق منفصلة تمامًا عن أمن الخليج، فالممرات البحرية والطاقة والإرهاب والتكنولوجيا العسكرية والصواريخ والطائرات المسيرة تجعل الأمن مترابطًا بين الأقاليمومن ثم فإن باكستان قد تكون بصدد استثمار موقعها الجغرافي في تحويل نفسها من دولة تقع خارج النظام الشرق أوسطي إلى دولة تتصل به عبر شبكات الأمن والدفاع والدبلوماسية. وهذا ما يجعل مصطلح “الحضور العابر للأقاليم” أكثر دقة في وصف دورها الحالي.

حدود الحضور الباكستاني

على الرغم مما سبق حول صعود الدور الباكستاني في الشرق الأوسط فإن هذا الصعود لا يعني أنها أصبحت قوة مهيمنة أو حتى قوة إقليمية داخل المنطقة. وهنا ينبغي أن يكون التحليل متوازنًا. فباكستان تواجه قيودًا اقتصادية وأمنية داخلية، ولديها تحديات كبيرة سواءً مع الهند، أم على حدودها مع أفغانستان، كما أن قدرتها على الانتشار العسكري المستمر خارج حدودها محدودة مقارنة بالولايات المتحدة أو القوى الكبرى. كما أن التزامها الأمني تجاه السعودية يمكن أن يخلق لها مشكلة مع إيران، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى إدارة علاقتها مع الأخيرة بسبب الجغرافيا والحدود المشتركة. ولذلك فإن اتساع الدور قد ينتج في الوقت نفسه اتساعًا في حجم المخاطر التي تتحملها إسلام آباد لاحقًا.

وتظهر هذه المعضلة بوضوح في العلاقة بين الالتزام الأمني والوساطة. فكلما أصبحت باكستان أكثر ارتباطًا بالسعودية وتركيا عسكريًا، قد يصبح من الأصعب عليها الحفاظ على صورة الوسيط المتوازن لدى إيران. وبالعكس، كلما نجحت في الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران، أمكنها أن تعزز قيمة دورها كوسيط. ومن ثم فإن مستقبل الدور الباكستاني سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على إدارة التناقض بين وظيفة الضامن الأمني ووظيفة الوسيط.كما أن هناك حدودًا أخرى تتعلق بمصداقية الردع، فالاتفاقات الدفاعية لا تنتج بالضرورة قدرة ردع فعلية ما لم تكن الأطراف مستعدة لتحمل تكاليف المواجهة. وقد أشارت التحليلات المتعلقة بالاتفاق السعودي–الباكستاني تحديدًا إلى أن الغموض حول تفاصيل التنفيذ يمثل عنصرًا مهمًا في تقييم قيمته الاستراتيجية.

لكن حتى مع هذه الحدود، فإن مجرد انتقال باكستان إلى مركز هذه الترتيبات يمثل تحولًا في موقعها داخل النظام الإقليمي. فمن دولة كان حضورها في الشرق الأوسط غالبًا وظيفيًا تقليديًا يشمل (تدريب، تعاون عسكري، عمالة، علاقات اقتصادية، دعم سياسي) تتحول تدريجيًا إلى دولة تمتلك أدوارًا استراتيجية متعددة مثل(شريك في الردع، ووسيط في الأزمات، وشريك في الصناعات الدفاعية، وعضو في ترتيبات تشاورية إقليمية، وطرف في بناء شبكات أمنية جديدة).

وختامًا، فإن القراءة الأعمق للحضور الباكستاني في المنطقة لا تتمثل في أن باكستان تدخل الشرق الأوسط، لأنها تتواجد فيها بالفعل منذ عقود، وإنما في أنها تعيد تعريف طريقة وجودها داخله. فسابقًا كان حضورها يقوم على العلاقة الثنائية مع دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، أما في الوقت الراهن فأصبح هذا الحضور متعدد المستويات مع العديد من الفواعل الإقليمية وتعمق في ملفات وقضايا المنطقة، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

ومن هنا يمكن القول إن إسلام آباد تتحرك باتجاه نموذج من “التموضع الاستراتيجي متعدد المسارات”، فهي لا تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة في المنطقة، ولا إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، ولا إلى بناء تحالف مغلق ضد طرف بعينه، وإنما تحاول زيادة قيمتها الاستراتيجية لدى أكبر عدد ممكن من الأطراف المحورية في الإقليم. وهذا هو لُب التحول الوظيفي في دورها.

فباكستان لم تصبح دولة شرق أوسطية، ولم تتحول إلى قوة مهيمنة في المنطقة، لكنها أصبحت أكثر حضورًا في عملية إنتاج الأمن الإقليمي،ما يعني أنها لم تعد باكستان تكتفي بالتكيف مع ترتيبات الأمن في الشرق الأوسط، وإنما بدأت تشارك في صياغة بعضها عبر استثمارها في الجغرافيا، والقدرات العسكرية، والشبكات الدبلوماسية، والعلاقات الاقتصادية، والشراكات الدفاعية، لإنتاج أدوار عابرة للحدود.

وبالتالي، فإن التواجد الباكستاني المتصاعد يمكن اعتباره أحد مؤشرات التحول من نظام أمني شرق أوسطي قائم على الضمانات الخارجية التقليدية، إلى بيئة أمنية أكثر تعددًا في مراكز القوة، وأكثر اعتمادًا على التحالفات المرنة والشراكات المتقاطعة والوساطات الإقليمية. وبقدر ما تستطيع إسلام آباد المحافظة على التوازن بين التزاماتها الأمنية وقدرتها على الوساطة “أي إدارة التناقضات التي أفرزها توسع حضورها”، فإنها قد تنتقل من مجرد شريك أمني مهم، إلى فاعل مؤثر في إدارة التوازنات الإقليمية نفسها، ولعل هذه النقطة على وجه التحديد هي التي ستحدد مستقبل الدور الباكستاني في المنطقة.

سارة أمين

سارة أمين- باحث أول بالمركز في شئون الشرق الأوسط والأمن الإقليمي، ورئيس برنامج دراسات الخليج العربي. الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية. وهي كاتبة في العديد من مراكز الفكر والدراسات العربية، ومتعاونة مع المؤسسات الدولية الحقوقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى