تجاوز العقيدة.. ماذا يكشف تقارب الحوثيين وحركة الشباب عن تحولات الإرهاب؟

شهدت الأسابيع الأخيرة عودة لافتة للتصعيد الحوثي في اليمن والبحر الأحمر، مع استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة واستمرار الضغوط على حركة الملاحة في منطقة باب المندب، بالتزامن مع تصاعد الاهتمام الدولي بعلاقة الحوثيين بحركة الشباب الصومالية. فقد ناقش مجلس الأمن بصورة مباشرة تنامي العلاقة بين الطرفين وتدفقات السلاح من اليمن إلى الصومال.
ففي آخر تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، الصادر في ١٥ أكتوبر ٢٠٢٥، حذر الخبراء من تطور العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، مؤكدين أن التعاون بين الطرفين لم يعد يقتصر على الاتصالات، وإنما امتد إلى تهريب الأسلحة والتدريب التقني والعملياتي وتبادل الدعم اللوجستي. وكشف التقرير عن تزايد عمليات التهريب بين اليمن والصومال، وتدريب عناصر من حركة الشباب في اليمن على تصنيع العبوات الناسفة المتطورة وتقنيات الطائرات المسيرة، إلى جانب رصد مسارات لتهريب الأسلحة بين البلدين.
وتبدو أهمية الجمع بين التطورين في أن التصعيد الحوثي يكشف عن القدرات التي راكمتها الجماعة خلال سنوات الحرب، بينما تكشف علاقتها بحركة الشباب عن احتمال انتقال جانب من هذه القدرات والخبرات إلى مسرح إرهابي مختلف على الضفة الأخرى من خليج عدن. فالحوثيون طوروا خبرة في استخدام المسيرات والصواريخ والمتفجرات والعمليات البحرية، في الوقت الذي تسعى فيه حركة الشباب، باعتبارها أحد أفرع تنظيم القاعدة نشاطًا في أفريقيا، إلى تطوير أدواتها القتالية والحفاظ على قدرتها على الاستمرار والتكيف مع الضغوط العسكرية والأمنية.
وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى المفارقة العقائدية التي تحكم العلاقة بين الطرفين؛ فالحوثيون ينتمون إلى المرجعية الزيدية، بينما تنتمي حركة الشباب إلى التيار الجهادي السني، وهي مرجعية تحمل موقفًا تاريخيًا معاديًا للتيارات الشيعية. مع ذلك، استطاعت المصالح العملياتية فتح مساحة للتعاون، بما يعيد إلى الواجهة نمطًا سبق أن ظهر في علاقات إيران ببعض التنظيمات السنية، لكنه يتخذ هذه المرة صورة مختلفة ترتبط مباشرة بالسلاح والتدريب وشبكات التهريب بين فاعلين من غير الدول.
وتأسيسًا على ذلك؛ ينطلق التحليل من سؤال رئيسي يتعلق بمدى تعبير التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب عن تحول في طبيعة العلاقات بين التنظيمات الإرهابية السنية والجماعات المسلحة الشيعية، يسمح للمصلحة القتالية بتجاوز الاختلاف العقدي، وما إذا كان ذلك يؤشر إلى تشكل نمط أكثر مرونة من شبكات الإرهاب العابر للحدود.
تحالف الضرورة:
كشفت علاقات إيران بحركات وتنظيمات سنية خلال مراحل سابقة عن قدرة الضرورة القتالية على تجاوز التناقض العقدي، وهي مسألة أصبحت حاضرة في تفسير سلوك التنظيمات والجماعات المسلحة. إلا أن حالة الحوثيين وحركة الشباب تدفع بهذه البراغماتية إلى مستوى أكثر تقدمًا؛ فالعلاقة لا تقوم هذه المرة بين دولة تستخدم التنظيمات ضمن شبكة نفوذ إقليمية، وإنما بين فاعلين مسلحين من غير الدول، لكل منهما ساحته ومرجعيته وأهدافه، ويلتقيان عند مصلحة يحتاج إليها كل طرف.
إذ تشير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية باليمن إلى تكثف التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب ليشمل تهريب الأسلحة والتدريب الفني والدعم اللوجستي، كما أوردت معلومات تتعلق بتدريب عناصر مرتبطة بالحركة على تقنيات المتفجرات والطائرات المسيرة. تكتسب هذه المعلومات أهميتها من طبيعة ما يجري تبادله؛ فالسلاح يمثل المستوى الأبسط في التعاون بين الجماعات المسلحة، بينما يعني التدريب ونقل المعرفة التقنية أن العلاقة تقترب من مستوى أخطر يتعلق بعملية إنتاج منظومة القدرة الإرهابية، وليس مجرد تمويلها أو تسليحها.
ومن هذا المنطلق؛ يمكن وصف العلاقة بأنها انتقال من تحالف الضرورة إلى ما تطلق عليه بعض الدراسات “شراكة الوظيفة”، وهي علاقة لا يشترط استمرارها وجود مشروع سياسي أو عقائدي مشترك، وإنما استمرار حاجة كل طرف إلى وظيفة يستطيع الآخر تقديمها. ويجعل ذلك هذا النمط أكثر مرونة من التحالفات التقليدية؛ لأنه قادر على العمل مع استمرار الخلاف العقائدي، كما يمكنه التمدد أو الانكماش بحسب تغير المصالح.
لذلك؛ تفرض طبيعة هذا النوع من التعاون إعادة النظر في مدى خطورته، حيث لا يتوقف تقييم الأمر على حجم التعاون. فالمؤشر الأكثر خطورة لا يقف عند عدد شحنات السلاح التي انتقلت من اليمن إلى الصومال، أو عدد العناصر التي تلقت التدريب، بقدر ارتباطه بنوع وطبيعة القدرات التي أصبحت قابلة للانتقال بين المسرحين.
فقد راكم الحوثيون خلال سنوات الصراع خبرة في توظيف أدوات منخفضة التكلفة نسبيًا لتحقيق تأثير يتجاوز المكسب العسكري التقليدي للتنظيمات، وهو ما ظهر في استخدام المسيرات والصواريخ والقدرات البحرية. وفي المقابل، راكمت حركة الشباب خبرة مختلفة تقوم على العمل داخل بيئة هشة، وإدارة شبكات تمويل وتهريب، والتحرك السري، وتنفيذ العمليات الإرهابية، والحفاظ على حضورها رغم سنوات من العمليات العسكرية ضدها.
من هذا المنطق، تبرز معادلة مختلفة في فهم قدرات الإرهاب، إذ يستطيع التنظيم البقاء داخل نطاقه الجغرافي، بينما تنتقل قدراته أو الخبرات التي اكتسبها إلى نطاق آخر. ومن ثم، فإن انتقال القدرة والخبرات قد يصبح بديلًا عن انتقال التنظيم، بما يجعل قياس التهديد من خلال مناطق السيطرة أو أعداد العناصر وحدها غير كافٍ لقياس القدرة على التأثير.
ويمكن إيضاح خطورة هذه السياسات التنظيمية الحديثة لدى تلك الجماعات من خلال استعراض بعض نتائج هذا التعاون، حيث بدأت تظهر له نتائج عملية على مستوى تطور قدرات حركة الشباب. وهو ما ظهر في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن، الصادر في أكتوبر ٢٠٢٥، عن ضبط شحنات من المتفجرات والطائرات المسيرة كانت في طريقها من اليمن إلى الصومال، كما تحدث التقرير عن تدريب عناصر من الحركة في اليمن على تصنيع العبوات الناسفة المتطورة وتقنيات الطائرات المسيرة.
والأهم أن التقرير خلص إلى أن حركة الشباب باتت تمتلك بالفعل معرفة باستخدام المسيرات في مهام المراقبة، وتسعى، بمساعدة الحوثيين، إلى تطوير قدرتها على استخدامها في تنفيذ الهجمات. وهي نتيجة تكشف أن التعاون تجاوز مرحلة الاتصال والتنسيق إلى نقل معرفة عسكرية يمكن أن تضيف إلى ترسانة الحركة أدوات لم تكن تمثل سابقًا جزءًا رئيسيًا من نمط عملياتها.
وتزداد أهمية هذا التحول عند وضعه إلى جانب التطور الميداني للحركة، إذ أشار تقرير أممي آخر خلال ٢٠٢٥ إلى أن حركة الشباب خصصت نحو ربع أموالها التشغيلية لشراء الأسلحة من الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، في وقت واصلت فيه تنفيذ هجمات منسقة والسيطرة المؤقتة على بلدات وطرق إمداد وجسور رئيسية، بما يعني أن تدفق السلاح والخبرة يأتي إلى تنظيم قادر على تطوير قدراته العملياتية.
ومن ثم؛ فإن الخطر لا يتمثل فقط في انتقال سلاح من اليمن إلى الصومال، وإنما في احتمال دمج الخبرة الحوثية في المسيرات والمتفجرات مع خبرة حركة الشباب في حرب العصابات والعمل السري وشبكات التمويل، بما قد يرفع مستوى التعقيد التقني لهجماتها ويوسع نطاق التهديد من الداخل الصومالي إلى المجال البحري المحيط بالقرن الأفريقي.
وتكشف هذه الحالة عن تحول أوسع في طبيعة العلاقات بين التنظيمات المسلحة؛ إذ لم تعد الروابط العقائدية شرطًا ضروريًا للتعاون، بقدر ما أصبحت الحاجة العملياتية والمصلحة المتبادلة محركًا لبناء شبكات مرنة تتقاطع عند السلاح والتمويل والتهريب ونقل الخبرة. وهو ما يقترب من مفهوم “أسواق العنف”، حيث تتحول شبكات التهريب والوسطاء إلى بنية خدمية عابرة للتنظيمات، يستطيع كل فاعل من خلالها الحصول على ما يحتاج إليه دون الدخول في تحالف أيديولوجي أو تنظيمي كامل.
تجاوز العقيدة:
قدمت إيران خلال عقود النموذج الأكثر وضوحًا في إدارة شبكة علاقات تتجاوز، في بعض الحالات، الحدود المذهبية، وهو ما ظهر في علاقتها بحماس وفي التعقيدات التي أحاطت بعلاقتها بتنظيم القاعدة. وقد أثبتت تلك الحالات قدرة المصلحة السياسية ومقتضيات البقاء على إعادة ترتيب الأولويات العقائدية دون إلغائها. إذ تقدم الحالة الحوثية ـ الصومالية تطورًا نوعيًا على هذا النموذج؛ فإيران دولة تمتلك المؤسسات والموارد والمشروع الإقليمي الذي يسمح لها باستخدام العلاقات مع الفاعلين من غير الدول كأدوات نفوذ، بينما يمثل الحوثيون أنفسهم فاعلًا مسلحًا من غير الدول، ومع ذلك باتوا قادرين على بناء علاقات تتجاوز مسرحهم المحلي ونقل جزء من الخبرات التي راكموها إلى فاعل مسلح آخر.
من هذا المنطلق؛ يمكن قراءة العلاقة باعتبارها مؤشرًا على انتقال بعض خصائص سلوك الدولة الراعية إلى الجماعة المسلحة؛ فالفاعل الذي كان متلقيًا للدعم والخبرة يصبح بدوره قادرًا على إعادة توزيع جزء من هذه الخبرة. وإذا ترسخ هذا النمط، فإن شبكات الدعم لن تظل بالضرورة شبكات رأسية تبدأ من الدولة الراعية وتنتهي عند التنظيم، وإنما قد تتحول تدريجيًا إلى شبكات أفقية تتبادل داخلها الجماعات القدرات بصورة مباشرة.
وتظهر هنا دلالة تتعلق بتنظيم القاعدة نفسه؛ فمرونة حركة الشباب في التعامل مع الحوثيين لا تمثل خروجًا كاملًا على المسار التاريخي للتنظيم، الذي عرف علاقات شديدة التعقيد مع إيران رغم التناقض العقائدي معها. وفي المقابل؛ اتخذ داعش موقفًا أكثر تصلبًا تجاه الشيعة وإيران. ومن ثم، فإن الحالة لا تعني تراجع العامل العقائدي في الإرهاب بصورة مطلقة، وإنما تكشف اختلاف قدرة التنظيمات على تعليق مقتضيات العقيدة عندما تتعارض مع مقتضيات البقاء والقدرة.
ولا يبقى انتقال الخبرة في هذا السياق احتمالًا نظريًا؛ إذ تظهر بعض الحالات أن الجماعة التي تتلقى الدعم يمكن أن تتحول لاحقًا إلى ناقل للخبرة إلى فاعلين آخرين. إذ يقدم مسار حركة طالبان الباكستانية مثالًا دالًا على ذلك؛ فقد أشار تقرير فريق الرصد التابع لمجلس الأمن في يوليو ٢٠٢٥ إلى وجود مواقع مرتبطة بتنظيم القاعدة في أفغانستان شهدت عناصر من الحركة، قبل أن يرصد التقرير نفسه تقديم طالبان الباكستانية تدريبًا لمسلحين في بلوشستان خلال يناير من العام ذاته.
ويعني ذلك أن أثر شبكات الدعم قد يتجاوز تقوية الطرف المستفيد مباشرة، لينتج دائرة أوسع لإعادة توزيع الخبرة والقدرات بين جماعات تعمل في ساحات مختلفة، بما يسمح بانتقال المعرفة العملياتية خارج العلاقة الأصلية التي نشأت فيها.
وتكمن خطورة ذلك في أن أي تطور في العلاقة قد ينعكس على طبيعة التهديد نفسه. فحصول حركة الشباب على أسلحة وتقنيات وخبرات لم تكن متاحة لها من قبل يمكن أن يوسع خياراتها العملياتية، في الوقت الذي تمنح فيه شبكات التهريب والامتداد الجغرافي للحركة داخل القرن الأفريقي الطرف الآخر مسارات إضافية للحركة والوصول.
كما تزداد خطورة هذا النمط من العلاقات عند مقارنته بعلاقة التنظيم المسلح بدولة راعية. فالدولة، مهما بلغ مستوى دعمها لفاعل من غير الدول، تظل محكومة بحسابات أوسع تتعلق بمصالحها السياسية، وتوازناتها الإقليمية، وكلفة العقوبات أو المواجهة المباشرة، وهو ما قد يدفعها في لحظة معينة لضبط الدعم أو تقليصه أو استخدامه كورقة تفاوض. أما التحالف بين تنظيمين مسلحين فيخضع بدرجة أكبر لحسابات البقاء والمنفعة والقدرة العملياتية، وتقل فيه القيود المرتبطة بسلوك الدولة ومسؤولياتها. من هنا تصبح الخطورة مضاعفة؛ لأن ما يكتسبه التنظيم من قدرات إضافية قد يتحول سريعًا إلى قدرة قابلة للاستخدام وإعادة النقل إلى تنظيمات وشبكات أخرى.
أخيرًا؛ تنقلنا حالة الحوثيين وحركة الشباب إلى مستوى أوسع في قراءة مكافحة الإرهاب. فقد قامت المقاربات التقليدية في دراسة وتحليل الإرهاب على التعامل مع التنظيم بوصفه وحدة التهديد الأساسية؛ قياداته، عناصره، مناطق انتشاره، مصادر تمويله وقدرته على تنفيذ العمليات. بينما تكشف الحالة الراهنة أن جزءًا من قدرة التنظيم قد يكون موجودًا خارجه أصلًا. فالتكنولوجيا قد تأتي من فاعل آخر، والخبرة من ساحة صراع مختلفة، والتمويل من اقتصاد غير مشروع، والممر من شبكات تهريب، بينما يقوم التنظيم بتجميع هذه الموارد وتحويلها إلى قدرة إرهابية. وتأسيسًا على ذلك؛ فإن إضعاف التنظيم داخل حدوده الجغرافية قد لا يكون كافيًا طالما ظلت الشبكات الخارجية قادرة على تعويض ما يفقده.