معضلة الاستدامة.. هل تغير الأزمة الإيرانية ترتيبات الأمن في منطقة الخليج؟

منذ انطلاق عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026، شهدت منطقة الخليج العربي هجمات غير مسبوقة من إيران والميليشيات الموالية لها، وهو ما استمر في ظل الهدنة التي أوقفت العمليات القتالية في 7 أبريل الماضي لينتقل ثقل العمليات التخريبية الإيرانية من كافة دول الخليج بمزاعم استهداف القواعد الأمريكية إلى أداة تفاوض وابتزاز لدول المنطقة كل على حدة بالنظر لحجم القواعد الأجنبية من جهة وقربها الجغرافي من المنشآت الحيوية الإيرانية على الساحل الجنوبي الإيراني الغني بموارد ومنشآت الطاقة والمطلة على مضيق هرمز من جهة أخرى.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي محددات التحول في أمن الخليج العربي، ومساعي دول المنطقة لضبط العلاقات مع إيران من خلال تفاهمات إقليمية لبناء الثقة والتحوط على جانبي المضيق.

أطر حاكمة

مثل الدخول القطري على خط الوساطة في ملف الأموال المجمدة ابتداءًا، والوصول في مرحلة لاحقة للمشاركة في مراسم توقيع مذكرة التفاهم بجانب الوسيط الباكستاني في قمة لوسيرن السويسرية، إيذانًا بانخراط خليجي في مسار المفاوضات المعقدة والتي من شأنها أن تعيد إيران إلى الساحة الدولية كفاعل طبيعي. ويتضح ذلك الموقف من الأطر الحاكمة لموقف الخليج من مفاوضات إنهاء الحرب.

(*) أمن المضيق: تُجمع دول الخليج العربي على أهمية عودة تدفق الملاحة إلى طبيعته قبل 28 فبراير 2026، دون أي قيود تحد من حرية الملاحة وتفرض عوائق وأعباء مادية على الدول الخليجية المصدرة ووجهات الاستيراد في آسيا وأوروبا، إلا أن تمايزًا في حجم التأثير على تلك الدول يعد محفزًا لطهران من أجل التفاوض مع دول الخليج ككيانات منفصلة من أجل إضعاف نفوذها النفطي وبالتالي إعادة توزيع حصص الإنتاج داخل أوبك وتحالفها أوبك بلس، وعلى الصعيد السياسي تسليم السداسي الخليجي بالسيطرة الإيرانية على المضيق ودفع سلطنة عُمان للتفاوض منفردة عن غطائها الخليج باعتباره تتحكم في الضفة الأخرى من هرمز.

ويبدو التأثير الأكبر على دول الكويت وقطر والبحرين نظرًا لانحسار إطلالتهم البحرية على مياه الخليج وبالتبعية عرقلة أو التحكم في صادرات وواردات الدول الثلاث عبر المضيق، ويتراجع ذلك التأثير على المملكة العربية السعودية نتيجة إطلالتها البحرية الواسعة من الخليج العربي شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا رغم هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية والتي سمحت للميليشيات الموالية لإيران باستهداف شبكات وطرق الإمداد المحلية السعودية. بينما تقف سلطنة عُمان ودولة الإمارات في موقع متوسط من تلك الضغوط، فمن جهة تمتلك الإمارات إطلالة على بحر عُمان مما يمكنها من إعادة توجيه صادراتها وصادراتها النفطية على وجه التحديد عبر ميناء الفجيرة والموانئ مما يقلص تدريجيًا من تأثير مسار السيطرة الإيراني الموسع على المضيق، من خلال مزيج من تبادل الرسائل السياسية وحوافز التعاون التجاري.

وعلى الجانب الآخر تتوازى الضغوط على سلطنة عُمان من الجانبين الأمريكي والإيراني في ضوء موقفها من إدارة مضيق هرمز والتي تتجنب فيها فرض رسوم عبور اتساقًا مع التزام مسقط بالقانون الدولي وقانون البحار، مع إمكانية تطبيق رسوم خدمات على غرار تلك المعمول بها في مضيقي سنغافورة وملقا، بينما أعلنت إتاحة ممر بحري مؤقت في مياهها الإقليمية بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية لتحرير السفن والبحارة العالقين، وهو ما واجهته طهران بتصعيد عسكري تجاه السفن.

(*) الأموال المجمدة وإعادة الإعمار: يرتبط تقديم الحوافز باستعادة بناء الثقة على مستويين؛ الإفراج عن الأموال المجمدة رهنًا بتوقف الأعمال العدائية والوصول لتفاهمات أمنية وسياسية على جانبي المضيق على المدى المنظور، والمساهمة في خطة إعادة إعمار المقدرة بنحو 300 مليار دولار بجهود تثبيت إجراءات خفض التصعيد وترجمة أي اتفاق لعدم الاعتداء لإجراءات فعلية تشمل عدم التدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة أو الإضرار بأمنها من خلال خلايا الحرس الثوري.

ويشمل اللاعبون المحتملون في حوار إقليمي موسع مع إيران بصورة أساسية كل من دولة قطر والمملكة العربية السعودية من داخل منطقة الخليج بالتنسيق مع مصر وتركيا وباكستان في إطار الآلية الرباعية الناشئة منذ اندلاع الحرب باعتبار هؤلاء الفاعلين قوى عربية وإقليمية تحظى بقنوات اتصال دائمة وعلاقات متوازنة مع أطراف الأزمة الأمريكية الإيرانية وعلاقات راسخة مع دول مجلس التعاون الخليجي.

(*) التحوط: في وجه المساعي الإيرانية لفرض هيمنتها الأمنية على المنطقة، تسعى دول الخليج لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية في إطار من التفاهم المتبادل يعترف بحق دول المنطقة باختيار تحالفاتها الاستراتيجية والأمنية دون الإضرار بالأمن أو الانخراط في أعمال عدائية على جانبي المضيق.

ويشمل الفاعلون المحتملون في البنية الأمنية لدول الخليج في تنويع الحلفاء الدوليين بما يشمل تعزيز الشراكة مع أقطاب أوروبا مثل فرنسا والمملكة المتحدة اللتين سارعتا بالانضمام لجهود التصدي للمسيرات والصواريخ الباليستية الإيرانية خلال الحرب الأخيرة، إلى جانب تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك الإقليمية. كما يشمل تنويع الشراكات الدفاعية توسيع اجتذاب قاعدة صناعات دفاعية متعددة تشمل شركات محلية تتمتع بتعاون مع شركات سلاح أوروبية وآسيوية، وفرعًا خليجية لشركات السلاح الأمريكية.

تحولات محتملة

تبذل دول مجلس التعاون الخليجي جهودًا متعددة لضمان انخراطها في تحديد مصيرها ومصير المنطقة بأكملها على صعيدين أمني وسياسي يشمل تفعيل اتفاقيات دفاع ودعم عسكري من حلفاء إقليميين وأوروبيين وآليات تشاور متعددة الأطراف. وفي ضوء ذلك يمكن الوقوف على أبعاد التحول المحتمل في ترتيبات أمن الخليج على النحو التالي:

(&) تجزئة الالتزامات: رغم تعدد جهود حلحلة أزمة مضيق هرمز، إلا أن الاتفاق الأبرز بين الأطراف على أن دول المنطقة هي صاحبة الحق الأصيل في تقرير إدارة المضيق ضمن ضوابط دولية تشمل عدم فرض قيود أمنية أو رسوم عبور على الممر المائي الدولي، وتحرير السفن العالقة في المضيق من قبضة الحرس الثوري الذي يستغلها كورقة ضغط على المجتمع الدولي في ظل وجود آلاف البحارة من مختلف الجنسيات عالقين في مياه الخليج. وفي ظل الإجماع على أهمية تحرير حركة الملاحة من أي قيود وعدم خضوعها لرغبة طرفي الصراع، قد تتحرك الأطراف الدولية لضمان أمن الملاحة عبر بحر عُمان واتصالًا بالمجال البحري الجنوبي في المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عدن وصولًا إلى البحر الأحمر غربًا، وفي إطار تفاهمات واتصالات مع الجانبين الأمريكي والإيراني لتجنب أي احتكاكات عسكرية.

(&) بناء منظومة أمنية مستدامة: يمثل التصعيد العدواني الإيراني تجاه دول خليجية مفتاحًا لدخول فاعلين محتملين من قوى كبرى غير غربية لموازنة التهديدات الإيرانية عبر مبادرات جديدة تقلص من الهيمنة الأمنية الأمريكية في المنطقة في إطار تفاهمات ثنائية لإعادة بناء الثقة في المرحلة الأولى، باستغلال ما كشفته الحرب عن تراجع فاعلية الضمانة الأمنية الأمريكية لدول المنطقة خلال الحرب، في ظل الانتشار العسكري الواسع لقواتها في المنطقة وحاجتها لإعادة توجيه الذخائر الدفاعية أمريكية المنشأ لحماية قواتها بالدرجة الأولى.

هذا الدخول المرجح للصين لن يحقق ضمانة أمنية لطرف على حساب آخر، وإنما سيُبنى بالأساس ضمن منظومة إقليمية لتحقيق الأمن المستدام على ضفتي الخليج العربي تشمل ضمانة أمنية متعددة الطبقات يقع في مقدمتها معاهدة للأمن الجماعي بضمانة أمنية دولية قد تضم الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي. كما يشمل الترتيب الإقليمي المرتبط بشراكات أمنية ودفاعية وعسكرية لتعزيز أمن في إطار اتفاقيات ثنائية لدول الخليج على غرار الاتفاق السعودي الباكستاني، إلى جانب التنسيق الأمني والسياسي في إطار الآلية الرباعية مع إمكانية تطويرها مؤسسيًا.

وإجمالًا؛ تمثل الأزمة الإيرانية نقطة تحول في إدراك الخليج العربي لخطورة البيئة الأمنية التي خلفتها الحرب، ومن ثم تطور منطقة الخليج منظورها الخاص لترتيبات أمنها والأمن الإقليمي في محيطها الأوسع لتقليص الاعتماد على الضمانة الأمريكية الأحادية، ولمعالجة الخلل في التوازن الأمني الناتج عن تحول التهديد الإيراني من الكمون إلى تطوير أدوات للإكراه العسكري والاقتصادي لفرض هيمنتها على الممرات الملاحية بالمنطقة.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى