قراءة تقييمية.. لماذا تراجعت القضايا الجماهيرية في أداء نائبات المعارضة؟

يمثل تقييم أداء أعضاء مجلس النواب، وبالأخص نائبات المعارضة، مدخلًا مهمًا لفهم جودة التمثيل السياسي داخل المؤسسات التشريعية. فالمعارضة لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، بل بقدرتها على طرح البدائل، ومساءلة الحكومة، وتوسيع المجال العام، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى أجندة سياسية مؤثرة. وتشير بيانات منشورة إلى أن أحزاب المعارضة في مجلس النواب المصري الحالي حصلت على نحو 53 مقعدًا، أي ما يقارب 10% من الأعضاء المنتخبين، بينما بلغ عدد مقاعد المعارضة والمستقلين معًا نحو 158 مقعدًا، بما يمثل قرابة 28% من الأعضاء المنتخبين.

ورغم أن هذه النسبة تمنح المعارضة مساحة عددية للتأثير، فإن السؤال الأهم يتعلق بنوعية الأداء لا بمجرد الوجود. فهل استطاعت نائبات المعارضة تحويل هذا الحضور إلى ممارسة رقابية وتشريعية فعالة؟ وهل جاءت القضايا المطروحة معبرة عن أولويات المجتمع، أم غلبت عليها الهامشية والرمزية والبحث عن الإثارة الإعلامية؟ وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن جانبًا من أداء بعض النائبات يعكس انخفاضًا في مستوى التسيس البرلماني، بمعنى ضعف القدرة على ربط القضايا الجزئية بسياق سياسي واقتصادي أوسع.

الإطار المنهجي للتقييم:

اعتمدت الورقة نموذجًا تقييميًا من 100 درجة، موزعًا على النحو الآتي: 25 درجة للأداء الرقابي، و20 درجة للأداء التشريعي، و20 درجة للعمل داخل اللجان النوعية، و15 درجة لتمثيل المواطنين والقضايا العامة، و10 درجات للتواصل والشفافية، و10 درجات للسلوك والانضباط البرلماني. ويقوم هذا النموذج على أن النائبة الفعالة ليست من تقدم أكبر عدد من طلبات الإحاطة فقط، بل من تطرح قضايا مركزية، وتتابع نتائجها، وتربطها بالسياسات العامة، وتقدم بدائل تشريعية واضحة.

ويُقصد بمحورية القضية أن تكون مرتبطة بأزمة عامة واسعة الأثر، مثل التضخم، والفقر، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، والحقوق السياسية، أو توزيع الموارد. أما القضايا الهامشية أو محدودة الأثر، فهي تلك التي قد تكون مشروعة في ذاتها، لكنها لا تعبر عن أولويات المجتمع في لحظة سياسية واقتصادية ضاغطة، أو تُطرح بصورة منفصلة عن سياق إصلاحي أشمل.

تقييم الأداء الرقابي والتشريعي

على مستوى الأداء الرقابي، تظهر بعض النائبات بدرجة ملحوظة من النشاط. فقد ورد اسم إحدى نائبات المعارضة في طلب إحاطة يخص أوضاع عمال التوصيل وغياب الحماية القانونية والاجتماعية والصحية لهم، وهي قضية ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية واضحة؛ لأنها تتعلق بسوق العمل غير المنظم والحماية التأمينية لفئة متنامية من العاملين. ومن ثم يمكن تقييم هذا النوع من الأداء باعتباره أقرب إلى الرقابة الجادة، لأنه يربط بين التشريع والعمل والعدالة الاجتماعية.

في المقابل، تكشف بعض القضايا الأخرى عن إشكالية في ترتيب الأولويات. فطلب الإحاطة المتعلق بانخفاض أسعار بيض المائدة ركز على خسائر المنتجين والمربين، وأشار إلى إنتاج سنوي يُقدَّر بنحو 16 مليار بيضة، وفائض يصل إلى 4 مليارات بيضة سنويًا، مع انخفاض سعر الطبق داخل بعض المزارع إلى ما بين 60 و70 جنيهًا، فضلًا عن أن قطاع الدواجن تتجاوز استثماراته 100 مليار جنيه ويوفر أكثر من 3 ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

ورغم أن الدفاع عن المنتجين قضية اقتصادية مشروعة، فإن توقيت طرحها وسياقها يجعلانها مثارًا للجدل؛ إذ قد تبدو للمواطن العادي وكأن البرلمان يتحرك عند انخفاض سعر سلعة غذائية أساسية أكثر مما يتحرك عند ارتفاعها. لذلك لا تكمن المشكلة في موضوع البيض ذاته، بل في غياب خطاب متوازن يربط بين حماية المنتجين وحماية المستهلكين معًا. ويكشف ذلك عن ضعف سياسي في صياغة القضية، لا بالضرورة ضعفًا في مشروعيتها الاقتصادية.

إشكالية القضايا غير المركزية

تظهر الإشكالية ذاتها في الجدل حول مقترح إنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية، أو ما عُرف إعلاميًا بـ«بنك الجلد». وتشير التقارير إلى أن المقترح تقدمت به إحدى النائبات في مجلس الشيوخ، وليس مجلس النواب، وأن هدفه تمثل في تفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، مع الإشارة إلى أن الحروق تمثل أزمة صحية خطيرة، وأن نحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية من الأطفال.

ومن الناحية الصحية تبدو القضية إنسانية ومهمة، لكن من الناحية السياسية يكشف الجدل الذي صاحبها عن ضعف في إدارة المعنى العام للقضية. فقد تحولت من نقاش حول سياسات الصحة العامة إلى موضوع للسخرية والالتباس المجتمعي. ويشير ذلك إلى أن النائبة أو الحزب لم ينجحا في تهيئة المجال العام لفهم المقترح، ولم يقدماه ضمن أجندة صحية أوسع تشمل التأمين الصحي، والمستشفيات، ونقص الأدوية، وحماية الفقراء من تكاليف العلاج. وبذلك تحولت قضية فنية مهمة إلى ملف رمزي محدود التأثير سياسيًا.

أما قضية مناهج المدارس الدولية، فقد تقدمت إحدى النائبات بطلب إحاطة بشأن محتوى دراسي في إحدى المدارس الدولية بالتجمع الخامس، مطالبة بتشديد الرقابة على المناهج الدراسية وفحصها داخل المدارس الدولية. وقد ذكرت تقارير أن وزارة التربية والتعليم استجابت بتشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة. وهنا أيضًا لا يمكن إنكار حق البرلمان في الرقابة على التعليم، لكن تضخيم قضية مدرسة دولية بعينها قد يثير تساؤلات بشأن أولويات الرقابة التعليمية مقارنة بأزمات أوسع، مثل كثافة الفصول، والدروس الخصوصية، وضعف جودة المدارس الحكومية، وتضخم المناهج.

نتائج التقييم الكمي الأولي

وفق النموذج المقترح، يمكن تقديم تقييم أولي تقريبي لبعض النائبات بناءً على البيانات المتاحة علنًا، مع ضرورة التأكيد أن التقييم النهائي يحتاج إلى مراجعة مضابط الجلسات وسجلات الحضور والتصويتات الرسمية.

وتكشف هذه الدرجات أن الأداء العام يقع غالبًا بين المستوى المتوسط والجيد، لا في مستوى الامتياز. كما توضح أن المشكلة لا تتمثل في غياب النشاط، وإنما في محدودية التحول من النشاط إلى تأثير سياسي واضح. فبعض النائبات يشغلن مواقع مؤثرة داخل اللجان، وبعضهن يقدمن طلبات إحاطة بصورة منتظمة، لكن الأثر السياسي لهذه الأدوات يظل محدودًا إذا لم يرتبط بأجندة معارضة متماسكة.

الأحزاب واختيار النائبات

يفتح هذا التقييم سؤالًا أوسع حول دور الأحزاب في اختيار نائباتها وتأهيلهن. فاختيار نائبة لمجرد استكمال التمثيل النسائي أو تحقيق توازن رمزي لا ينتج بالضرورة أداءً سياسيًا قويًا. ومن ثم، فإن انخفاض جودة بعض القضايا المطروحة يمكن قراءته باعتباره انعكاسًا لضعف عملية الانتقاء الحزبي والتدريب السياسي. فالأحزاب المعارضة مطالبة بألا تكتفي بالدفع بوجوه نسائية إلى البرلمان، بل ببناء كوادر قادرة على صياغة ملفات عامة وربط القضايا الجزئية بالبنية الاقتصادية والسياسية للدولة.

إن طرح قضايا مثل أسعار البيض، أو بنك الجلد، أو مناهج المدارس الدولية، لا يمثل في حد ذاته دليلًا نهائيًا على ضعف النائبات، لكنه قد يصبح مؤشرًا على محدودية الأفق السياسي عندما يُطرح بمعزل عن قضايا أوسع، أو عندما يغيب عنه الخطاب الذي يوضح أثره العام على العدالة الاجتماعية والسياسات العامة. فالقضية البرلمانية لا تُقاس فقط بعنوانها، بل بطريقة بنائها سياسيًا.

في النهاية، تخلص الورقة إلى أن أداء نائبات المعارضة في البرلمان المصري يتسم بحضور مؤسسي ملحوظ، لكنه لا يزال يعاني من فجوة بين النشاط البرلماني والتأثير السياسي. فالدرجات الأولية تشير إلى أداء متوسط أو جيد، لكنها لا تعكس أداءً قياديًا قادرًا على إعادة تعريف دور المعارضة. كما تكشف بعض الملفات المطروحة عن خلل في ترتيب الأولويات، وضعف في تحويل القضايا الجزئية إلى أجندة سياسية جامعة.

لذلك، فإن تطوير أداء نائبات المعارضة يتطلب ثلاثة شروط رئيسية: أولًا، بناء أجندة سياسية واضحة تركز على القضايا المركزية كالفقر والتعليم والصحة والعمل. ثانيًا، تدريب النائبات على صياغة طلبات الإحاطة والمقترحات التشريعية بلغة سياسية تربط التفاصيل بالسياسات العامة. ثالثًا، مراجعة الأحزاب المعارضة لآليات اختيار مرشحاتها، بحيث لا يكون الاختيار قائمًا على التمثيل فقط، بل على الكفاءة السياسية والمعرفة التشريعية والقدرة على مخاطبة المجتمع.

وبهذا المعنى، لا تكمن أزمة نائبات المعارضة في قلة الظهور، بل في أن بعض هذا الظهور لا يزال غير قادر على إنتاج أثر سياسي عميق أو خطاب معارض ذي أولوية وطنية واضحة.

دعاء الهواري

دعاء الهواري- رئيس برنامج الدراسات البرلمانية، مدرس العلوم السياسية المساعد جامعة الاسكندرية، حاصلة على ماچستير النظم السياسية، الباحثة متخصصة في الدراسات البرلمانية والسياسات العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى