رمزية متجددة.. ما مكانة سد النهضة في البرنامج الانتخابي لآبي أحمد؟

مع اقتراب إعلان النتائج النهائية للانتخابات الإثيوبية في 11 يونيو الجاري، وتزايد المؤشرات التي ترجح استمرار حزب الازدهار في السلطة بقيادة آبي أحمد، تتجه الأنظار إلى القضايا التي شكلت ركائز الخطاب الانتخابي للحزب الحاكم، وفي مقدمتها ملف سد النهضة. فعلى مدار السنوات الماضية لم يعد السد مجرد مشروع تنموي لتوليد الطاقة الكهربائية، بل تحول تدريجيًا إلى أحد أبرز رموز السيادة الوطنية الإثيوبية وأداة رئيسية في بناء الشرعية السياسية للنظام الحاكم. كما ارتبط حضوره في الخطاب الرسمي بمساعي الحكومة لتعزيز التماسك الداخلي ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها البلاد.

وفي ظل هذا التداخل بين البعد التنموي والبعد السياسي للسد، يكتسب رصد حضوره في الخطاب الانتخابي أهمية خاصة لفهم توجهات السياسة الإثيوبية خلال المرحلة المقبلة، واستشراف مستقبل المفاوضات مع مصر والسودان بعد حسم الاستحقاق الانتخابي. ومن هنا يبرز تساؤل رئيسي: ما مكانة سد النهضة في البرنامج الانتخابي لآبي أحمد؟

توظيف مستمر:

احتل سد النهضة مكانة جوهرية في الخطاب السياسي الإثيوبي خلال الفترة التي سبقت انتخابات يونيو 2026، ليس فقط باعتباره مشروعًا اقتصاديًا أو تنمويًا، وإنما بوصفه أحد أهم الرموز السياسية التي يعتمد عليها حزب الازدهار في تعزيز شرعيته الداخلية وحشد التأييد الشعبي. ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، سعت الحكومة الإثيوبية إلى إعادة تقديم السد باعتباره الدليل الأبرز على قدرة الدولة على تنفيذ مشروع استراتيجي ضخم. وبهذا المعنى، تحول السد من ملف يتعلق بإدارة الموارد المائية إلى أداة للحشد السياسي والتعبئة الانتخابية.

وفي هذا السياق، حرص آبي أحمد في خطاباته البرلمانية، ولا سيما الخطاب الذي ألقاه أمام البرلمان في 3 فبراير الماضي، على الربط بين استكمال السد وبين الإنجازات الاقتصادية والتنموية التي حققتها حكومته. وأكد أن المشروع ساهم في تعزيز إنتاج الكهرباء وتطوير البنية التحتية للطاقة، مشيرًا إلى أن أسعار الكهرباء في إثيوبيا أصبحت من بين الأقل في إفريقيا. وتكمن أهمية هذا الخطاب في محاولة ترسيخ صورة الحزب الحاكم باعتباره صاحب أكبر إنجاز وطني في تاريخ إثيوبيا الحديث. فالسد بالنسبة للحكومة لا يمثل مشروعًا تنمويًا فحسب، بل صورة يمكن استغلالها في محاولة تخفيف الضغط على جكومته من قبل المعارضبن.

كما يعكس توظيف السد في الخطاب الانتخابي سعي الحكومة إلى تحويله من مشروع تنموي إلى مصدر للشرعية السياسية. فقد واجهت حكومة آبي أحمد خلال السنوات الأخيرة تحديات داخلية معقدة تمثلت في الحرب مع إقليم تيغراي، وتصاعد التوترات الإثنية، والضغوط الاقتصادية المتزايدة. وفي ظل هذه التحديات، برز سد النهضة باعتباره أبرز إنجاز يمكن الاستناد إليه في مواجهة الانتقادات الداخلية. ولذلك ركز الخطاب الرسمي على فكرة أن المشروع أُنجز بإرادة إثيوبية خالصة ومن خلال التمويل المحلي، بما يعزز سردية الاستقلال الوطني والقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية دون الاعتماد على الدعم الأجنبي.

ومن ناحية أخرى، يكشف الخطاب الانتخابي لآبي أحمد عن تبني استراتيجية مزدوجة تجاه ملف السد. فمن جهة، حرص رئيس الوزراء الإثيوبي على توجيه رسائل تهدئة إلى مصر والسودان عبر التأكيد على الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع شعوب المنطقة، والتشديد على أن السد لا يستهدف الإضرار بدول المصب وأن التعاون الإقليمي قادر على تحقيق مكاسب مشتركة للجميع. ومن جهة أخرى، تضمن الخطاب رسائل واضحة تؤكد تمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية ورفض أي ترتيبات قد تُقيد إدارة السد مستقبلًا. ولا يعكس هذا الجمع بين التهدئة والتشدد حالة من التناقض بقدر ما يعبر عن محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات السياسة الخارجية وضرورات الحشد الداخلي، إذ يحتاج آبي أحمد إلى تجنب التصعيد الخارجي مع الحفاظ في الوقت ذاته على صورته أمام الرأي العام الإثيوبي باعتباره المدافع الأول عن الحقوق المائية للبلاد.

ومن الجدير بالملاحظة أن الخطاب السياسي الإثيوبي خلال الانتخابات الحالية يؤكد أن سد النهضة، رغم احتفاظه بمكانته الرمزية الكبيرة، لم يعد القضية الاستراتيجية الوحيدة القادرة على تعبئة الرأي العام. فقد برز ملف الحصول على منفذ بحري باعتباره أحد أهم الملفات الصاعدة في أجندة آبي أحمد السياسية، حيث قدمه باعتباره قضية ترتبط بمستقبل إثيوبيا ومكانتها الإقليمية. ويعكس ذلك تحولًا تدريجيًا في أولويات السياسة الخارجية الإثيوبية، بحيث لم يعد السد وحده محور الخطاب الوطني أو الأداة الوحيدة القادرة على صناعة الإجماع الداخلي.

وفي الوقت نفسه، حملت الخطابات الانتخابية الإثيوبية إشارات إلى أهمية استئناف مسار التفاوض بشأن السد. فقد أكد بيقلا هوريسا، المتحدث باسم حزب الازدهار، أن الأنهار العابرة للحدود يمكن استغلالها بصورة تحقق التنمية للإثيوبيين دون الإضرار بدول المصب، وأن الحوار والتفاوض يظلان الآلية المناسبة لمعالجة الخلافات القائمة.

إلا أن هذه الدعوات لا تعكس بالضرورة استعدادًا إثيوبيًا لتقديم تنازلات جوهرية، بقدر ما تشير إلى رغبة أديس أبابا في إدارة الضغوط الدولية والحفاظ على صورة الدولة المنفتحة على الحوار، مع استمرار تمسكها بالأمر الواقع الذي فرضه اكتمال السد وتشغيله. ولذلك يبدو أن جوهر الخلاف لم يعد مرتبطًا بمبدأ إنشاء السد ذاته، وإنما بآليات تشغيله وإدارته خلال فترات الجفاف الممتد، وهي القضية التي ستظل محور التفاعلات المستقبلية بين القاهرة والسودان وأديس أبابا.

مكانة السد في ولاية آبي أحمد الجديدة: 

تشير معظم المؤشرات إلى فوز آبي أحمد بولاية جديدة واستمرار حزب الازدهار في قيادة المشهد السياسي الإثيوبي. وفي ضوء ذلك، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل ملف سد النهضة خلال السنوات المقبلة.

(1) السيناريو الأول،- التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بين مصر وإثيوبيا: يرتبط هذا السيناريو بإمكانية تعرض الحكومة الإثيوبية لضغوط داخلية متزايدة نتيجة استمرار التوترات السياسية والأمنية، خاصة في بعض الأقاليم المضطربة. وقد تدفع هذه الضغوط أديس أبابا إلى تبني نهج أكثر مرونة تجاه المفاوضات مع القاهرة والسودان، بما يفتح المجال أمام التوصل إلى تفاهمات قانونية تنظم قواعد تشغيل السد خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد.

(2) الثاني،- التصعيد وتوسيع دائرة الخلاف: قد يزداد منسوب التوتر إذا مضت إثيوبيا في تنفيذ خططها الخاصة بإنشاء مشروعات وسدود إضافية على النيل الأزرق، وهو ما قد يُنظر إليه باعتباره خطوة تؤثر في موازين إدارة الموارد المائية داخل الحوض. وفي هذه الحالة قد تشهد العلاقات بين الطرفين مصر والسودان في مواجهة إثيوبيا موجات جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي، مع اتساع نطاق الخلاف حول مستقبل استخدام مياه النيل.

(3) الثالث،- استمرار الوضع القائم: يظل هذا السيناريو هو الأقرب للتحقق في المدى المنظور، إذ تستمر حالة “الأمر الواقع” التي فرضها اكتمال السد وتشغيله، مع بقاء قنوات التفاوض مفتوحة بصورة متقطعة دون التوصل إلى اتفاق نهائي ملزم. وفي هذه الحالة سيظل الملف حاضرًا في العلاقات المصرية السودانية- الإثيوبية، لكنه سيبقى في إطار إدارة الخلاف أكثر من كونه مسارًا نحو تسوية شاملة.

في النهاية، يمكن القول إن الانتخابات الإثيوبية لعام 2026 تكشف عن أن سد النهضة ما زال يحتفظ بمكانة مركزية داخل الخطاب السياسي لحزب الازدهار، لكنه لم يعد الملف الوحيد القادر على صناعة الشرعية أو حشد التأييد الشعبي كما كان في السنوات السابقة. فبينما استمر آبي أحمد في توظيف السد بوصفه رمزًا للسيادة الوطنية وأحد أبرز إنجازات حكومته، برزت قضايا أخرى، وفي مقدمتها ملف الوصول إلى منفذ بحري، باعتبارها ملفات صاعدة في أولويات الدولة الإثيوبية. كما تشير مواقف الحكومة الإثيوبية خلال الحملة الانتخابية إلى استمرار النهج القائم على الجمع بين الخطاب التفاوضي الموجه للخارج والتمسك بالأمر الواقع الذي فرضه اكتمال السد وتشغيله. ومن ثم، فإن فوز آبي أحمد بولاية جديدة لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في الموقف الإثيوبي من الملف، بقدر ما يعكس استمرار سياسة إدارة الخلاف مع مصر عبر مزيج من الانفتاح الدبلوماسي والحفاظ على المكتسبات التي حققتها أديس أبابا خلال السنوات الماضية.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى