إدارة المخاطر.. كيف تتعامل واشنطن وطهران مع ملف الوكلاء الإقليميين؟

فيما بدى استجابة لخطوط طهران الحمراء بشأن استهداف إسرائيل للضاحية الجنوبية وإمكانية خلط أوراق “مسار إسلام آباد” الملتبس بشأن مفاوضات إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية، أعلن الرئيس الأمريكي وقفًا لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله ووقف الهجوم الإسرائيلي المخطط على الضاحية بالعاصمة اللبنانية بيروت، بعد ساعات من إعلان ترامب في 1 يونيو 2026 التواصل مع الحزب لأول مرة عبر وسطاء. الاستجابة الأمريكية تأتي رغم المطالبات السابقة من واشنطن لطهران بوقف دعم وكلائها الإقليميين والدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل في “الدفاع عن النفس” خاصة في لبنان بالتوازي مع استمرار الضغوط على الحزب وشبكاته من خلال فرض عقوبات في 21 مايو 2026 على بعض الشخصيات التابعين للحزب وغيرهم من المسئولين بالمؤسسات اللبنانية ومنهم رئيس مكتب مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية العقيد سامر حمادة ورئيس دائرة التحليل بالأمن العام العميد خطار ناصر الدين.
ويقابل السلوك المتباين لواشنطن تجاه “حزب الله” اللبناني والفصائل العراقية وحركة “أنصار الله” اليمنية توظيفًا مرنة من طهران لورقة الحلفاء الإقليميين إذ تتبع أسلوبًا تحوطيًا في العراق لتفادي انهيار شبكاته الميليشياوية أمام ضغوط أمريكية حادة، بينما تبدي ردات فعل أكثر صرامة في ملف حزب الله نتيجة الرمزية التاريخية للحزب الذي نشأعلى يد الحرس الثوري في ثمانينات القرن الماضي، وتستخدم ورقة الحوثيين للتلويح بتصعيد الألم الاقتصادي العالمي وبالتالي كبح سقف التصعيد الأمريكي المقبل.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي حدود التفاهم الضمني (بالنار) بين إيران والولايات المتحدة عبر وكلاء طهران في العراق ولبنان واليمن ومدى التحول الطارئ على استراتيجيات إدارة الصراع وانعكاسات ذلك على مسار التصعيد الإقليمي.
تفاهم بالنار
لا يمكن فهم تطور مقاربة كلا الجانبين الأمريكي والإيراني تجاه الوكلاء الإقليميين، إلا من خلال تتبع سياسات طهران وواشنطن المتباينة تجاه هؤلاء الفاعلين، عبر المؤشرات التالية:
(*) الاحتواء بالتصعيد: تمثل نهج واشنطن في احتواء الفصائل العراقية عبر استهداف قادتها المتهمين بشن هجمات على الأهداف والمصالح الأمريكية في العراق والمنطقة. ورغم عدم تحقيق نتائج استراتيجية في المعارك مع الحوثيين، تعتبر إدارة ترامب أن عملية “الراكب الخشن” كانت مهمة لتقييد قدرات الحوثيين وفصلهم قدر الإمكان عن النفوذ الإيراني. وتعد المواقف الأمريكية الأخيرة من حزب الله بالتواصل مع الحزب عبر وسطاء لأول مرة، رغم مواصلة الضغوط العسكرية الإسرائيلية والعقوبات الأمريكية محاولة لاحتواء انفجار الصراع الإقليمي، خاصة وأن عمليات القصف المحدودة والمركزة على الجنوب اللبناني كانت قائمة خلال وقف إطلاق النار الأول في 27 نوفمبر 2024، دون أن يثير ذلك ردود فعل عسكرية من الحزب.
ولم تقدم إيران على توظيف كافة الجبهات في ذات الوقت من أجل التفاوض بورقة “الحرب الإقليمية الشاملة” التي لوح بها المرشد الراحل علي خامنئي، والتي تحولت إلى تطبيق مرحلي متوسط الشدة وموجهة بالأساس لتعظيم الآثار الاقتصادية على دول الخليج وكبار مستوردي الطاقة في أوروبا وآسيا من أجل الضغط لإنهاء الحرب.
(*) الخطوط الحمراء: ارتبطت دورة الصراعات التي خاضتها الولايات المتحدة خلال ولايتي ترامب الأولى والثانية عمومًا وتجاه إيران ووكلائها على وجه الخصوص بممارسة أقصى مستويات التصعيد في بداية كل حملة أو معركة رئيسية والانتقال إلى تصعيد خطابي متدرج قبل إعلان التوصل المفاجئ لتفاهم ضمني أو اتفاق لوقف إطلاق النار. كانت محاولات اقتحام المنطقة الخضراء في بغداد والاستهدافات الاحتجاجية والصاروخية للسفارة الأمريكية لدى بغداد في 2019 مقدمة لتغير في نمط المواجهة بين أمريكا ووكلاء إيران في العراق والتي انتهت بتحييد قائد فيلق القدس حينها قاسم سليماني وقادة الفصائل العراقية على رأسهم أبو مهدي المهندس قائد “كتائب حزب الله” لدى وصولهم إلى مطار بغداد الدولي في 3 يناير 2020، وقلل الرئيس ترامب حينها من تخوف قادة الولايات المتحدة وإسرائيل من تداعيات اغتيال سليماني والتي تمثلت في ضربة صاروخية إيرانية على تمركزات القوات الأمريكية بقواعد عراقية في 8 يناير 2020. وفي الحملة على الحوثيين منتصف مارس 2025، استهدفت الولايات المتحدة في بداية عملية “الراكب الخشن” أهدافًا قيادية وبنية تحتية ومنصات عسكرية للحوثيين من أجل حماية حرية الملاحة في مضيق باب المندب وعبر البحر الأحمر، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دون سابق إنذار في 6 مايو 2025 التوصل لوقف إطلاق النار.
على الجانب الآخر اتقنت إيران استخدام أذرعها في استنزاف الخصوم داخل بلدان الأزمات وقلصت على مدى سنوات من هامش المخاطرة بخوض مواجهات مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل والقوى الإقليمية الموازنة. وخلافًا للطرح السائد حول طبيعة النظام في الداخل وسلوكه على المسرح الإقليمي، احتفظت طهران بقدر من المرونة في توظيف القدرات الميليشياوية في المنطقة لمنحها قدرة على التصعيد المتدرج، إذ دفعت بحزب الله اللبناني إلى قيادة المحور للاستفادة من موقعه الحيوي في معادلة التوازن مع إسرائيل من خلال قدرات تسليحية متطورة وخبرة متراكمة في حروب العصابات جرى نقلها للوكلاء في اليمن والعراق وسوريا، إلى أن قاد تضخم تلك القوة موقعها على الحافة الأمامية لأي تصعيد بالانخراط في كل الحروب وتحوله من أداة توازن إلى عبء عملياتي واستراتيجي رغم قدرته على التكيف.
ومع تراجع تلك الأهمية للحزب، برز الحوثيون كقوة موازنة على المسرح الجنوبي قادرة على تهديد حرية الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر من جهة، وابتزاز الخليج العربي من جهة ثانية، مع تعويض دور حزب الله الدعائي في الدفاع عن المقاومة الفلسطينية وحزب الله خلال الموجة الأولى من عمليات “طوفان الأقصى”. ومع تلك الأهمية للحوثيين، تراجع حضورهم العملياتي خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتبارهم أداة ضغط جيوسياسي قد تضاعف من الأثر الاقتصادي لتعطيل إمدادات الطاقة من خلال الإشراف على مضيق باب المندب والذي يعني إشعال الصراع الإقليمي الشامل، خاصة مع انتهاء عملية “الراكب الخشن” دون تغييرات جوهرية في بنية التنظيم أو قدرته على تعطيل حركة الملاحة عبر المضيق. ورغم التفاهمات بين الولايات المتحدة والحوثيين بوقف إطلاق النار بوساطة من سلطنة عُمان، إلا أن إعلان الحوثيين دعمهم لإيران بعد 4 أسابيع من اندلاع الحرب والتدخل في مسارها “إذا اقتضت التطورات الميدانية موقفًا عسكريًا” أدى لتغيير مسار حاملة الطائرات الأمريكية جورج بوش لتعزيز القوات المنتشرة في المنطقة منتصف أبريل 2026 لتبحر حول إفريقيا متجنبة مسار البحر الأحمر، حسب صحيفة وول ستريت جورنال.
وفي الساحة العراقية خلق التوازن بين الجانبين الأمريكي والإيراني حالة من التصعيد المدار في الداخل وتوجيه أغلب ضربات الفصائل إلى خارج العراق لتعزيز الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية والأهداف الاقتصادية والعسكرية الوطنية لدول الخليج.
حدود والمناورة
تتزايد أهمية معالجة ملف الوكلاء في سياقاتها الوطنية لمحاصرة أي تمدد محتمل للصراع حال استئناف الحرب، في ضوء التحول في رؤية ومقاربة الطرفين الأمريكي والإيراني في توظيف الساحات لمحاصرة سيناريو المواجهة المباشرة المفتوحة، على النحو التالي:
(&) الرؤية الإيرانية: تحتفظ إيران برؤية تعزز حضورها كقوة إقليمية مهيمنة عقب الحرب، من بينها الحفاظ على هؤلاء الوكلاء مع التحول المرن في وظائفهم وأدوارهم تحت قيادة مباشرة من الحرس الثوري، رغم تباين مستوى تأثير طهران على تلك المجموعات. هذا الارتباط العقائدي في جانب منه والوظيفي في بعضه الآخر يرتبط بتوظيف العنف بصورة مستمرة لتغيير مواقف القوى الإقليمية والدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة للقبول بهذه القوى في اليوم التالي للحرب باعتبارها انعكاسًا للنفوذ الإيراني وليست مجرد امتدادًا له. ويخدم ذلك التنوع بين طبيعة وأهداف الفصائل وترتيبات انخراط كل منها في ساحات المواجهة تعزيز قدرة إيران على المناورة سواء في تعريف أهدافها الاستراتيجية والتحكم في مسار التصعيد عبر مزيج من استراتيجيات المواجهة التي تعتمد على كسب الوقت واستنزاف خيارات الخصم العسكرية وتفكيك البنى المناوئة على المستوى الإقليمي.
(&) رؤية ترامب: على الجانب الآخر، لم تتغير رؤية واشنطن تجاه الوكلاء سوى في مدى ارتباطهم بإيران، ففي تقديره الأولي، اعتبر الرئيس الأمريكي أن فك ارتباط إيران بشبكة النفوذ الميليشياوي ووقف الدعم المالي والعسكري لها كفيل بالقضاء على تهديد تلك الميليشيات، وهو ما أبرز خلافه الرئيسي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضًا لقصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتصعيد المواجهة مع الحزب إلى معركة وجود تضطر حينها إيران للتدخل بالصراع.
وللتكيف مع تلك المتغيرات لجأت الولايات المتحدة لاتصالات ووساطات غير مباشرة مع تلك القوى لمعالجة التأزم في مفاوضات وقف إطلاق النار، بينما تبنت نهجًا أكثر تشددًا في الجانب السياسي لتقييد دور تلك الفواعل في السياسة الداخلية العراقية واللبنانية في إطار فصلها بصورة أولية عن النفوذ الإيراني وتفكيك ظهيرها المسلح، مما يمثل تحولًا محدودًا في رؤية واشنطن، لكنه انخراطها في تقليص مخاطر التصعيد الغير مباشر عبر إسرائيل في الحالة اللبنانية أو المباشر مع الحوثيين يعكس إقرارًا ضمنيًا بنفوذ إيران على تلك الفصائل وقدرتها على تحريك كافة جبهات المواجهة في حالة الانجرار لمواجهة مصيرية تهدد بقاء النظام.
وإجمالًا؛ تكمن خطورة التواصل الأمريكي المباشر مع وكلاء إيران في إمكانية تحول اهتمام واشنطن من التفاوض على صيغة اتفاق إقليمي يراعي شواغل دول المنطقة، إلى مسودات منفصلة لاتفاقات تعزز موقع طهران في منظومة أمنية إقليمية تتضمن تقليصًا لخطر التصادم الثنائي مع انسحاب تدريجي للولايات المتحدة على ضوء فوضى إقليمية برعاية الوكلاء. وتبقى تطورات ملف المشاورات الإقليمية لمعالجة الأزمة الإيرانية وارتداداتها على الأمن الإقليمي عامة وأمن الخليج والمشرق العربيين خاصة، دعامة للتحول الآمن إلى منظومة إقليمية مستقرة يقع في القلب منها الفاعلين العرب مقابل تراجع النفوذين الإسرائيلي والإيراني لصالح مشروع الدولة الوطنية الخالية من القوى المسلحة غير النظامية.