الاغتراب المزدوج: تحولات الانتماء لدى المهاجرين من الشباب العربي بعد ٢٠١١

لقد شكّلت أحداث عام 2011 في المنطقة العربية، نقطة تحول تاريخية مفصلية في بنية الشرق الأوسط سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، إذ لم تقتصر تداعياتها على إسقاط أنظمة سياسية، أو تفكيك مؤسسات الدولة الوطنية، أو اندلاع الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة وظهور حركات متطرفة في العديد من بلدان المنطقة، وفي أحيان أخرى تدخلت بعض الدول أمنيًا في الأوضاع الداخلية للدول التى شهدت تلك الأحداث، بل امتدت آثارها إلى إعادة تشكيل الإنسان العربي ذاته، خاصة ذلك الجيل الذي اضطر إلى مغادرة أوطانه تحت ضغط الحرب أو الانهيار الاقتصادي أو القمع السياسي أو غياب الاستقرار الأمني. فمنذ اندلاع الثورات العربية وما تبعها من أحداث وصراعات ممتدة كما في (سوريا، ليبيا، اليمن) وغيرهم من دول المنطقة، ظهرت موجات هجرة ولجوء غير مسبوقة تحديدًا تجاه أوروبا وأمريكا الشمالية، حاملة معها مئات الآلاف بل وفي بعض الحالات ملايين الأفراد الذين لم يغادروا أوطانهم كخيار اقتصادي معيشي تقليدي، بل بوصفهم أبناء مرحلة مضطربة من تاريخ بلدانهم، أعادت صياغة علاقتهم بالأرض والهوية والانتماء.

إن الجيل الذي غادر المنطقة بعد 2011 يختلف جذريًا عن أجيال الهجرة العربية السابقة. فالكثير من أبناء هذا الجيل غادروا أوطانهم وهم أطفال أو مراهقون، أو وُلدوا لاحقًا داخل تلك المجتمعات الغربية، الأمر الذي جعل علاقتهم بالوطن الأم علاقة غير مكتملة الأركان، فهم لم يعيشوا التجربة التاريخية الكاملة لأوطانهم، ولم تنشأ بداخلهم بنيتها الثقافية والاجتماعية بشكل كافِ، وفي الوقت ذاته لم يتمكن العديد منهم من الاندماج الكلي داخل المجتمعات الغربية التي استقبلتهم. ونتيجة لذلك ظهر جيل يعيش حالة مركبة من الانتماء المزدوج والاغتراب المتبادل.

وعليه، تكمن أهمية هذا التحليل في أنه لا يناقش أزمة هذا الجيل المغترب بوصفه حركة انتقال سكاني فحسب، بل يتناول التحولات العميقة التي أصابت بنية الهوية العربية فيما بعد 2011، وكيف تشكّلت أنماط جديدة من الانتماء لديه. كما يحاول التحليل تناول الكيفية التي يمكن من خلالها استدعاء الهوية الأصلية لدى هؤلاء الأفراد على الرغم من المسافة الجغرافية والزمنية، ومحاولات الاندماج داخل المجتمعات الغربية، عبر تناول العوامل التي تسهم في إعادة بناء الروابط مع الوطن الأم( ثقافيًا، اجتماعيًا، سياسيًا، رقميًا)، لا سيما وأنه لا يعيش قطيعة كاملة مع هويته الأصلية، كما أنه في أحيان كثيرة لا يحقق اندماجًا كاملًا في الهوية الغربية.

الاغتراب وتحولّ الهوية:

يواجه جيل المغتربين ما بعد 2011، أزمة هوية مركبة، نتيجة تداخل العديد من العوامل النفسية والثقافية والسياسية، والتأثيرات الرقمية العابرة للحدود، وهو ما يؤكد فرضية أن الهوية لم تعد مفهومًا قاصرًا على العوامل الجغرافية والجنسية والعرقية والدينية فقط. فالشاب العربي في المجتمعات الغربية اليوم يتحدث لغة أجنبية بطلاقة تفوق لغته الأم، ويدرس داخل مؤسسات غربية، ويتبنى أنماط حياة وقيمًا مختلفة تمامًا عن نشأته أو جذوره، لكنه يظل في الوقت ذاته مُحاصرًا بأسئلة الانتماء (من أنا؟ وإلى أي مجتمع أنتمي؟ وهل يمكن الجمع بين الهوية العربية والهوية الغربية دون حدوث صدام؟ وهل يتحول الاندماج مع الوقت إلى ذوبان وفقدان للجذور؟ أم أن الهوية الأصلية قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة؟).

لقد شهد مفهوم الهوية تحولات جذرية خلال العقود الأخيرة، إلا أن أحداث ما بعد 2011 في المنطقة العربية دفعت هذه التحولات إلى مستويات غير مسبوقة. فالهوية لم تعد مرتبطة بالحدود الجغرافية أو الانتماء القومي فحسب، بل أصبحت عملية مستمرة ومركبة من التشكيل والتأثر ب (الحروب، الهجرة واللجوء، العولمة، تكنولوجيا الفضاء الرقمي). ولقد برز هذا التحول بشكلٍ واضح لدى جيل المغتربين العرب الذين تشكّل وعيهم خارج أوطانهم الأصلية، أو بين ثقافتين متناقضتين بالكلية.

والهوية العربية عُرف عنها أنها تُبنى داخل إطار اجتماعي واضح المعالم يتألف من (الأسرة، المدرسة، الحي أو المدينة، اللغة، الدين، العرق، المؤسسات الوطنية)، هذا الإطار كان يُشكّل منظومة متماسكة تمنح الفرد شعورًا واضحًا بالانتماء. أما بعد 2011، فقد تعرّضت هذه المنظومة للتفكك نتيجة انهيار الدول أو ضعفها، ونتيجة الانتقال إلى بيئات جديدة تحمل قيم وثقافات وأديان ولغات مختلفة. وبذلك انتقل المواطن العربي من فضاء ثقافي مألوف إلى فضاء غربي يقوم بشكل كبير على الفردانية والحرية الشخصية والانفتاح المختلف تمامًا عن الثقافة العربية، الأمر الذي خلق حالة عميقة من الصدام النفسي والثقافي والمجتمعي لدى الأجيال الجديدة، سيما التي هاجرت في طفولتها أو وُلدت في مجتمعات المهجر.

لذلك، يمكن القول إن هذا الجيل لا يحيا بهوية مستقرة، وذلك نتيجة ما ورثه من أسرته وخلفيته الأصلية، وبين ما يكتسبه يوميًا من المجتمع الجديد، بل يعيش داخل هوية متغيرة، لا تنتمي بشكل كامل إلى الأصل أو الماضي، ولا تنفصل عنه بشكل نهائي. فعلى سبيل المثال، الشاب السوري أو اليمني أو الفلسطيني أو السوداني في الغرب قد يحمل جواز سفر لدولة المهجر التي بات ينتمي إليها، ويتحدث لغتها بامتياز، ويتبنى أنماطًا ثقافية واجتماعية مختلفة، لكنه يظل مرتبطًا عاطفيًا ورمزيًا بوطنه الأصلي عبر الذاكرة العائلية واللغة والحنين والقضية السياسية في وطنه الأم.

ما بين الانتماء وازدواج الهوية:

يعيش جيل المغتربين العرب ما بعد أحداث 2011، حالة معقدة من الانقسام النفسي والذهني والثقافي بين هويتين متوازيتين وهما، الهوية الأصلية التي ورثها عن الأسرة والوطن الأم، والهوية المكتسبة التي فرضها عليه مجتمع المهجر. هذه الحالة لا تمثل مجرد اختلاف بسيط، بل تشكل أزمة وجودية حقيقية تتعلق بتعريف الذات والانتماء. حيث يُطلب من الأبناء الحفاظ على التحدث باللغة العربية داخل المنزل وفي الخارج مطالبون بالتحدث بلغة المجتمع الذي يعيشون فيه والتجاوب مع ثقافته وعاداته حتى لو كانت تختلف عن ثقافة الأسرة، ومن هنا تبدأ حالة التمزق الداخلي لدى هذا الجيل الصغير، فهو لا يستطيع الانفصال الكامل عن جذوره خوفًا من فقدان ذاته وانتماءه الأصلي، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل متطلبات الاندماج في المجتمع الغربي.

وتزداد الأمور تعقيدًا حينما يكتشف أبناء هذا الجيل أن المجتمع الغربي في كثير من الحالات لا يمنحه قبولًا كاملًا، حتى لو كان حاملًا لجنسيته ويتحدث لغته ولديه نجاحًا مهنيًا أو أكاديميًا. وهذا التعقيد قد يؤدي إلى نتائج متناقضة، حيث قد يدفع بعض الشباب إلى الذوبان الكامل داخل هوية المجتمع الغربي بكل ما فيها، وقطع العلاقة بالأصول لتجنب الشعور بالاغتراب أو التمييز. بينما قد يتجه البعض الآخر إلى التمسك المبالغ فيه بهويتهم الأصلية كرد فعل دفاعي ضد الشعور بالإقصاء. بينما هناك فئات أخرى تحاول العيش في مساحة رمادية للجمع بين هذه وتلك.

تأثير أنماط الهوية لدى جيل ما بعد 2011

يمكن فهم أزمة الهوية لدى هذا الجيل من خلال التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسية يعيشها (الهوية الأصلية، الهوية المكتسبة، الهوية المركبة). فالهوية الأصلية تمنح الفرد الجذور التاريخية والثقافية ما يعزز الشعور لديه بالانتماء، كما توفر له شبكة عاطفية من التواصل بالعائلة ولغة الوطن. إلا أن هذه الهوية أحيانًا قد تتحول إلى عبء نفسي داخل مجتمعات المهجر، خاصة عندما يشعر الفرد بأنها تعيق عملية اندماجه بشكل كافِ أو تجعله عُرضة للتمييز والعنصرية.

أما الهوية المكتسبة فهي تمنح الفرد العديد من الفرص الواسعة للاندماج والنجاح داخل المجتمع الجديد، ونوفر له الشعور بالأمان والاستقرار والقبول المجتمعي. لكن على الجانب الآخر قد تدفعه تدريجيًا نحو فقدان الصلة بجذوره الثقافية والتاريخية واللغوية، ما قد يخلق شعورًا بالذنب تجاه الوطن الأم والأسرة.

ونتيجة لهذا الصراع المعقد بين هاتين الهويتين، تنشأ الهوية المركبة، وفي بعض الأدبيات تسمى “الهوية الهجينة”، وهي الشكل الأكثر تعقيدًا وحداثة من أنماط الهوية، نظرًا لأن الفرد هنا لا ينتمى بالكاما لأيًا مما سبق، بل يقوم بدمج عناصر من الثقافتين معًا ليخلق نموذجًا جديدًا مناسبًا لذاته. وهذا النمط قد يمنحه مرونة عالية للاندماج وقدرة على التكيف مع البيئات المختلفة، لكنه في الوقت نفسه يجعله يعيش حالة مستمرة من البحث عن تعريف واضح ومحدد لنفسه.

استدعاء الهوية:

يظل التساؤل الرئيسي هنا هو، كيف تستعيد هذه الأجيال المهاجرة انتماءها رغم استمرار معاناة وانهيار الأوطان؟

في واحدة من أكثر الظواهر المتعلقة بمسألة الهوية تعقيدًا في مرحلة ما بعد أحداث 2011 وجيل المغتربين الذي نشأ نتاجًا عنها، تتمثل في أن كثيرًا من أبناء هذا الجيل المهاجر وعلى الرغم من اندماجهم في المجتمعات المستقبِلة سواء كان اندماج نسبي أو كبير، وعلى الرغم أيضًا من المسافة الجغرافية والزمنية التي تفصلهم عن أوطانهم الأصلية، ما زالوا يحتفظون بدرجات متفاوتة من الامنتماء العاطفي والثقافي تجاه تلك الأوطان، بل أن بعضهم يبدأ في استعادة هويته بصورة أعمق مع مرور الوقت وليس العكس.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى، حيث من المفترض أن استمرار الحروب والانهيارات الاقتصادية والسياسية وظهور الطائفية داخل بعض البلدان العربية التي شهدت تلك الأحداث، من شأنه أن يدفع الأجيال المهاجرة كاملة إلى القطيعة التامة مع أوطانها الأصلية، خاصة إذا نشأت في بيئات غربية أكثر استقرارًا ورفاهية وحرية. إلا أن الواقع يكشف عن مسار مُغاير إلى حد ما، وهو أن الكثير من أبناء هذا الجيل لا يتخلصون من هويتهم الأصلية بل يعيدون اكتشافها بطرق متعددة. ما يعني أن الهوية قد لا تُبنى فقط على أساس جودة الوطن الأم وحجم استقراره، بل قد تُبنى أيضًا على عدة عوامل أخرى مثل( الانتماء النفسي والذاكرة العائلية، الشعور بالاختلاف في بلد المهجر والحاجة الإنسانية للتاريخ والجذور، القضية السياسية الوطنية، الفضاء التكنولوجي الرقمي، اللغة)

ففي الحديث عن الانتماء النفسي والذاكرة العائلية تلعب الأسرة الدور الأهم في إعادة إنتاج الهوية خاصة لدى الجيل الذي غادر أوطانه في سن مبكرة أو وُلد بالخارج. ففي كثير من الحالات لا يعرف هذا الجيل الوطن من خلال التجربة المباشرة، بل من خلال القصص العائلية التي يعيشها عبر الحديث والذكريات واللغة وثقافة الطعام والشراب والمناسبات الوطنية والدينية.

أما عن فكرة الشعور بالاختلاف داخل مجتمعات المهجر الغربية والحاجة للجذور، فهي من أكثر العوامل التي تدفع أبنا الجيل المهاجر لإعادة اكتشاف هويتهم الأصلية، حيث شعورهم المستمر بأنهم مختلفون داخل الغرب مهما بلغ مستوى الاندماج. وفي هذا السياق، قد يتحول خطاب التمييز أو معاداة المهاجرين أو الإسلاموفوبيا، إلى عامل عكسي يعزز البحث عن الجذور والتمسك بها بدلًا من محوها أو استبدالها، بوصفها مساحة للحماية النفسية والانتماء الثقافي والاجتماعي.

كما تلعب القضايا السياسية الوطنية دورًا بالغ الأهمية في استدعاء الهوية لدى جيل الشتات، خاصة عندما تتحول الهوية الوطنية إلى قضية حق أو قضية إنسانية، كما في حالة القضية الفلسطينية، حيث حافظت الأجيال المتعاقبوة بدءً من جيل المهاجرين في 1948 وحتى الآن على هويتها عبر الرواية السياسية المرتبطة بالوطن واحتلال أراضيه والتذكير بالحق للعودة، وهنا باتت الهوية مرتبطة بالقضية نفسها وليس فقط بالموقع الجغرافي.

أما عن الفضاء التكنولوجي الرقمي، فهو يُعد من أخطر أدوات استدعاء الهوية لدى جيل ما بعد 2011، فالطفرة التكنولوجية الهائلة التي شهدناها في العقدين الماضيين على وجه التحديد، جعلت هذا الجيل يعيش داخل عالم رقمي يسمح له بسهولة التواصل بوطنه الأصلي مهما كانت المسافات، وتعد وسائل التواصل الاجتماعي بكافة أشكالها المثال الأوضح على ذلك، ما جعل الوطن الأم حاضرًا يوميًا في ذهن المواطن المغترب.

وأخيرًا، تظل اللغة من أهم أدوات اسدعاء الهوية، فهي لا تنقل مجرد كلمات للأجيال الصغيرة فحسب، بل تنقل طريقة تفكير وذاكرة وانتماء ثقافي، وفقدانها الكامل يعني بداية الانفصال عن الجذور الأصلية. لذلك تحرص العديد من الأسر العربية المهاجرة على تعليم أبنائها اللغة العربية من أجل بناء رابط أساسي وعميق مع الوطن الأم.

وختامًا، تكشف تجربة جيل المغتربين العرب بعد 2011 عن تحولات عميقة في مفهوم الهوية والانتماء، حيث أن أزمة الهوية التي يعيشها هذا الجيل ليست أزمة أفراد، بل هي انعكاس لتحولات بنيوية أصابت بعض دول المنطقة العربية جراء الحروب والانقسامات وسوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ما أدى إلى إنتاج جيل يحمل ذاكرة الحرب واللجوء والاغتراب، وجيل لاحق صغير لا يعلم عن الوطن الأم سوى الاسم، ولعل هذا ما جعل العديد من المغتربين يسعون إلى محاولات استدعاء الهوية لدى أبنائهم في عالم يتجه نحو العولمة والذوبان الثقافي السريع، وليس بالضرورة استدعائها جغرافيًا فالعديد من دول المنطقة لم تعد مناسبة للعيش لمثل هؤلاء المهاجرين خاصة بعد الاستقرار المادي والمعيشي في بلاد المهجر، وإنما الاستدعاء هنا عبر بناء صورة نفسية وذهنية للوطن الأم من خلال الثقافة والتقاليد واللغة والتواصل الرقمي.

________________المراجع_______________

1)الهجرة وأزمة الهوية

https://www.josooor.com/pdfs/fifteenth/first/41.pdf

2)جدل الهوية والاندماج لدى المهاجرين العرب

جدل الهوية والاندماج لدى المهاجرين العرب: قراءة في فرضية (الانفصال الإعلامي) للدكتورة أسيل العامري

3)أزمة الهوية لدى المغتربين

https://h1.nu/1vb4O

4)المسالة الهوياتية في فكر إدوارد سعيد، رسالة ماجستير في الفلسفة

https://depot.univ-msila.dz/server/api/core/bitstreams/4932d945-da49-4ac2-80ae-9387cdcf7f23/content

سارة أمين

سارة أمين- باحث أول بالمركز في شئون الشرق الأوسط والأمن الإقليمي، ورئيس برنامج دراسات الخليج العربي. الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية. وهي كاتبة في العديد من مراكز الفكر والدراسات العربية، ومتعاونة مع المؤسسات الدولية الحقوقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى