تقدير التكلفة: كم ينفق الأزهر على طلاب جنوب شرق آسيا؟

تعمل مؤسسة الأزهر خلال السنوات الثلاثة الأخيرة ومنذ نشأتها على تقديم دعم تعليمي وتنموي دعوي لطلاب دول جنوب شرق آسيا، تتمثل الأخيرة في الزيارات المتبادلة بين الأزهر الشريف والجانب الآسيوي؛ لتعزيز العلاقات وتوطيد التعاون. ففي عام 2024 قام شيخ الأزهر بجولة بجنوب شرق آسيا، وقد ضمت 3 دول ( ماليزيا، تايلاند، اندونيسيا)، هذا بالإضافة إلى زيارات متعددة أخرى تبادلية بين الجانبين، وهو الأمر الذي يدل على خصوصية هذه المنطقة من العالم في استراتيجية الأزهر الشريف الحالية.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على حجم الاستثمار التعليمي والدعوي الذان يُقدمهم الأزهر لطلاب جنوب شرق آسيا، مع توضيح انعكاسات هذا الإنفاق.

مؤشرات دالة:

يمكم توضيح حجم الدعم الذي يُقدمه الأزهر الشريف لطلاب جنوب شرق آسيا من خلال النقاط التالية:

الشكل(1) يوضح عدد الطلاب الوافدين في جامعة الأزهر

(-) عدد طلاب جنوب شرق آسيا: يوضح مؤشر عدد طلاب جنوب شرق آسيا كثافة التجذُر الآسيوي في جامعة الأزهر كما يوضح الشكل(1)، ولما كان إجمالي الوافدين في جامعة الأزهر يُقدر بنحو 35 ألف وافد في الربع الأول من عام 2026 من إجمالي 120 دولة، معظمهم من إندونيسا، إذ يُشكل الوافدين الإندونيسيين أكثر من نصف إجمالي عدد الوافدين، ثم تليها ماليزيا وتايلاند، حيث قُدر عدد طلاب تايلاند في عام 2024 بنحو 2970 طالب وطالبة.

وفي هذا السياق، يُمكن القول إن طلاب جنوب شرق آسيا يستحوذوا على نسبة كبيرة من إجمالي وافدي الجامعة، وهو الأمر الذي يُبرز خصوصية قارة آسيا في منظومة تعليم الأزهر، ومن ناحية أخرى يتضح أن دول جنوب شرق آسيا تجد شغفها التعليمي والدعوي داخل جامعة الأزهر.

الشكل(2) يوضح حجم منح الأزهر الشريف لطلاب بعض دول جنوب شرق آسيا ونسبتها من إجمالي منحه

(-) حجم وتكلفة المنح الدراسية: قدم الأزهر الشريف نحو 2874 منحة علمية للطلاب الوافدين خلال عام 2025، وقد حصل أكثر من 10 آلاف طالب على منح الأزهر من 101 دولة، وذلك بالمقارنة بنحو 1532 منحة في عام 2017، فجامعة الأزهر تعمل على اتباع نظام المنح بكفاءة شديدة، حيث تُتيح الحصول على قدر مرتفع من المعرفة العلمية بمجال الدراسة مقابل أعباء مالية مُخفضة، وكما يوضح الشكل(2) يُخصص الأزهر 175 منحة دراسية سنوية للوافدين الأندونيسيين، هذا فضلًا عن 20 منحة سنوية للطلاب الماليزيين، و منح تتراوح يُقدر عددها بـ 642 للطلاب التايلانديين.

ومن الشكل(2) يتضح أن نسبة المنح للطلاب من اندونيسيا هي الأعلى من حجم المنح الأخرى، إذ سجلت نحو 6.09%، بالمقارنة بنحو 0.69 % لطلاب ماليزيا، و 5.6% لطلاب تايلاند، وبجمع هذه النسب يتضح أن 12.38% من إجمالي منح الأزهر تذهب إلى 3 دول من جنوب شرق آسيا فقط(تايلاند، ماليزيا، اندونيسيا).

الجدول(1) يوضح تكلفة المنح التي يُقدمها الأزهر لطلاب دول جنوب شرق آسيا.

ولما كانت منح الأزهر للوافدين تعتبر منح دراسية مجانية شاملة أو نصفية، فيُمكن حساب تكلفتها المادية على أساس الرسوم الدراسية التي يتقاضها الأزهر كما يوضح الجدول(1)، الذي يشتمل على تكلفة المنح المُقدمة للطلاب من إندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، سواء للمنح الكاملة أو المنح بخصم 50%، وتصدرت اندونيسيا تكلفة المنح بشكل كبير، إذ تراوحت من 1.31 مليون دولار و 568.7 ألف دولار، تليها تايلاند التي تراوحت من 1.2 مليون دولار و 520 ألف دولار، ثم ماليزيا التي تراوحت من 150 ألف دولار إلى 75 ألف دولار.

(-) حجم الاستثمار: إن مؤشر حجم الاستثمار يُشير إلى حجم الاهتمام التعليمي والدعوي لمؤسسة الأزهر نحو طلاب جنوب شرق آسيا، فعلى المستوى التعليمي هناك توجه مستمر بتطوير المناهج التي يتم تدريسها، فجامعة الأزهر تضم 120 مؤسسة تعليمية في أنحاء جمهورية مصر العربية، وبالتالي خصصت جامعة الأزهر ميزانية سنوية من الموازنة العامة للدولة قُدرت بنحو 6 مليارات و 208 مليون جنيه.

وبالنسبة للاستثمار الدعوي في جامعة الأزهر فإنه ينصب على ركيزة أساسية تتمحور في نشر الفكر الوسطي المستنير، وتطوير الخطاب الديني بحيث يكون متناسب مع تطورات العصر، وتمثلت المحاور الاستراتيجية لعام 2026 في استثمار التكنولوجيا بدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم والدعوة تحت إشراف علمي، فقد نظمت كلية الدعوة الإسلامية في أبريل 2025 ندوة علمية عن “الذكاء الاصطناعي وكيفية توظيفه في خدمة الدعوة الإسلامية”؛ بهدف الاستفادة القصوى من الإمكانات الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في نشر رسالة الإسلام السمحة وتعزيز التواصل مع مختلف شرائح المجتمع، وهذا بالإضافة إلى إطلاق مؤتمرات دولية؛ لتطوير الخطاب الدعوي عالميًا.

انعكاسات الدور:

ينعكس الدور الكبير للأزهر الشريف في مجموعة من النقاط الإيجابية الأساسية التي تتمثل في الآتي:

(١) ارتفاع مكانة الأزهر الشريف: يستمر النفوذ التعليمي والدعوي للأزهر الشريف في مكانته الرائدة بين مختلف الدول مع استمرار سياساته الناجحة مع الطلاب الوافدين، فتقديم الأزهر لتعليم متميز يجمع بين العلوم الشرعية والعربية وبين المواد الثقافية والعلمية، يُبرز العراقة المؤسسية للأزهر الشريف، وهو ما جعله قبله الدراسين من مختلف دول العالم، خاصة دول جنوب شرق آسيا.

(٢) جذب الاهتمام الآسيوي: إن توجيه جامعة الأزهر قسط كبير من الاهتمام التعليمي والدعوي لطلاب دول جنوب شرق آسيا، يعمل على جذب اهتمام الجانب الآسيوي بهذه المؤسسة، ففي عام 2025 استقبل فضيلة الأمام الأكبر الدكتور ” أحمد الطيب” نائب وزير الخارجية بمملكة تايلاند ” روس جاليشاندرا”؛ لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك، والذي أشاد بدور الأزهر الشريف بشكل كبير، وفي هذا السياق ثمن وزير الدفاع التايلاندي أثناء لقاءه بسفيرة مصر لدى مملكة تايلاند، الدور المحوي البارز الذي يضطلع به الأزهر الشريف في تعزيز الروابط الثقافية والتواصل التعليمي بين البلدين.

وفي عام 2025 وقع رئيس جامعة الأزهر ووزير التعليم الإندونيسي مذكرة تفاهم للتعاون العلمي والثقافي، مع تدشين قسم للغة الإندونيسية بكلية اللغات والترجمة، وقد عبر الوزير الإندونيسي عن بالغ تقديره للأزهر الشريف وإمامه الأكبر، وجامعته؛ للجهود المشكورة في خدمة طلاب إندونيسيا والسعي الدائم في تنشئة جيل قادر على القيادة ونشر الوسطية والاعتدال.

الشكل(3) يوضح مؤشر الإرهاب في إندونيسيا وماليزيا وتايلاند في عامي 2018 و 2025

(-) نشر فكر الأزهر: أوضح مسؤول تايلاندي خلال اللقاء سالف الذكر مع سفيرة مصر لمملكة تايلاند أن الطلاب عند عودتهم لتايلاند يقوموا بنقل تعاليم الأزهر الشريف عن الإسلام. لكن رغم  انعكاس تعليم طلاب جنوب شرق آسيا بالأزهر الشريف على انخفاض مؤشر الإرهاب كما يوضح الشكل(3) من 6.65 نقطة في عام 2018 إلى 5.27 نقطة في عام 2025،- إلا أن هناك بعض الطلاب الآسيويين المتعلمين في الأزهر ينقلون أفكار جماعة الإخوان المسلمين إلى هذه الدول، وهو ما يتطلب دراسة الأسباب وكيفية علاجها.

وأيضا رغم انخفاض الإرهاب في اندونيسيا من 5.85 نقطة في عام 2018 إلى 4.71 نقطة في عام 2025، وفي ماليزيا انخفض من 2.98 نقطة في عام 2018 إلى 1.092 نقطة في عام 2025،- إلا أن لقاءات أجراها المدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية بطلاب بعض مؤسسات المجتمع المدني بإندونيسيا، كشفت عن انتقال أفكار جماعة الإخوان المسلمين إلي بعض من هؤلاء الطلاب.

(-) توطيد العلاقات الآسيوية المصرية: إن النظرة الآسيوية للأزهر الشريف ودوره التوعوي الكبير، يعمل على إنعاس العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول جنوب شرق آسيا بشكل خاص، فعلى المستوى السياسي تتضمن علاقات على مستوى دبلوماسي مرتفع تثمين كبير لدور الأزهر الشريف واهتمامه المتزايد بالطلاب الوافدين، وهوالأمر الذي يُعزز العلاقات السياسية بين مصر وهذه الدول، وعلى المستوى الاقتصادي فإن وجود مؤسسة الأزهر الشريف داخل مصر يعطي للجميع اطمئنان حول الاستقرار الفكرى للعقول، وإن الفكر التطرفي لا يتوطن في هذه الدولة، مما يجذب الاستثمارات المختلفة، ومن ثم ينعكس بالإيجاب على معدلات النمو الاقتصادي داخل مصر.

في النهاية، يُمكن القول إن وجود عدد كبير من الوافدين داخل الأزهر الشريف من دول جنوب شرق آسيا، سينعكس على التحولات الفكرية في المجتمعات الآسيوية، وبالتالي قد يكون من الضرورة زيادة عدد المنح الدراسة المقدمة من جامعة الأزهر كذلك التعليم المدني في مصر لطلاب دول جنوب شرق آسيا، وهو ما يعزز من الدور الاستراتيجي للأزهر الشريف بنشر الأفكار الصحيحة والمفاهيم المعتدلة داخل جميع الدول. وأيضًا قد يكون من الضروري عزل الطلاب الآسيويين الوافدين لمصر من عناصر جماعة الإخوان المسلمين، حتى لا يستخدمون في نقل فكر الجماعة إلي هذه الدول، حيث هذا هدف واضح في فكر جماعة الإخوان المتكرفة.

 

 

رضوى محمد سعيد

رضوى محمد- باحث أول بالمركز، ورئيس وحدة الدراسات المصرية، ومدير برنامج الدراسات المصرفية بالمركز. وهي خبيرة بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. الباحثة حاصلة على بكالوريوس اقتصاد، كلية اقتصاد وعلوم سياسية- جامعة القاهرة، الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى