إغراق الدفاعات: ما ملامح التغير في العقيدة العسكرية الخليجية في ظل استهدافات إيران؟

عبدالسلام فاروق- باحث مشارك بمركز رع للدراسات الاستراتيجية
تشهد منطقة الخليج العربي مرحلة مفصلية في تاريخها الأمني، إذ تتصاعد وتيرة التهديدات العابرة للحدود، وتتطور طبيعة الصراع من مواجهات تقليدية إلى حروب هجينة تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب أدوات الحرب النفسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، شكّلت الهجمات الإيرانية الأخيرة على العمق الخليجي اختبارًا حقيقيًا لمنظومات الدفاع والردع، كما كشفت عن تحولات جوهرية في العقيدة الأمنية لدول مجلس التعاون، التي انتقلت تدريجيًا من الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية إلى بناء منظومة دفاعية ذاتية، ثم إلى التفكير الجاد في تطوير قدرات ردع هجومية ترفع كلفة العدوان على أي معتدٍ محتمل.
يهدف هذا التحليل إلى كشف التحديات التي تواجه الأمن الخليجي في ضوء التصعيد الإيراني، واستعراض ملامح التغير في العقيدة العسكرية الخليجية، مع التركيز على إشكالية الانتقال من الدفاع المتقن إلى الردع المكلف، في ظل معادلات إقليمية معقدة وجغرافيا صعبة تفرض واقعًا استراتيجيًا خاصًا على دول المنطقة.
تاسيسا على ما سبق، يطرح هذا التحليل سؤال، هو: كيف تغيرت العقيدة العسكرية الخليجية في ظل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية- الإيرانية؟
طبيعة التهديد وإشكالية المواجهة:
تعتمد إيران في استراتيجيتها العسكرية تجاه جيرانها الخليجيين على مفهوم الحرب غير المتماثلة أو ما يُعرف بالحرب بالوكالة، مستفيدة من ترسانتها الصاروخية المتنامية وبرنامجها المتطور للطائرات المسيّرة، إلى جانب شبكة من الحلفاء والوكلاء المنتشرين في عدد من ساحات الإقليم.
وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ إغراق الدفاعات الجوية للخصوم بأعداد كبيرة من المقذوفات منخفضة التكلفة نسبيًا، بهدف استنزاف المنظومات الدفاعية الباهظة الثمن، وإحداث ضرر مادي ونفسي في العمق الخليجي.
وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أنها تستهدف نقطة ضعف بنيوية في اقتصادات الخليج، التي تقوم على بنى تحتية مركزية وحساسة، مثل محطات تحلية المياه، ومنشآت النفط والغاز، والموانئ البحرية، والتجمعات السكانية الكبرى. فأي تعطيل لهذه المنشآت الحيوية يمكن أن يتسبب في خسائر فادحة تتجاوز بكثير كلفة الهجوم نفسه، وهو ما تدركه طهران جيدًا وتسعى إلى توظيفه ضمن معادلة الردع الخاصة بها.
غير أن الهجمات الإيرانية الأخيرة كشفت أيضًا عن تطور نوعي في المنظومات الدفاعية الخليجية، التي تمكنت من اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما أحبط الهدف العملياتي المباشر لهذه الهجمات. لكن هذا النجاح الدفاعي، على أهميته، يظل محصورًا في إطار إدارة الأزمة لا حلها، إذ لا يزال المهاجم يحتفظ بزمام المبادرة، ويختار توقيت العدوان وكيفيته، بينما تبقى الدول الخليجية في موقع الاستجابة الدفاعية.
مأزق الردع في الجغرافيا الخليجية:
تواجه دول الخليج معضلة استراتيجية حقيقية عندما يتعلق الأمر ببناء قدرات ردع هجومية موجهة ضد إيران. وتنبع هذه المعضلة من طبيعة الجغرافيا الاقتصادية الخليجية، التي تتميز بمركزية المنشآت الحيوية وتركزها في مساحات محدودة، الأمر الذي يجعلها أهدافًا سهلة نسبيًا للصواريخ الإيرانية.
في المقابل، تتمتع إيران بمساحة جغرافية شاسعة وبنية تحتية أكثر تشتتًا وأقل حساسية من الناحية الاقتصادية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على استيعاب الضربات.
في ظل هذه المعادلة، يصبح الردع التقليدي القائم على التهديد بالضربة المضادة أقل فاعلية مما هو متوقع، لأن التبادل العسكري سيكون غير متكافئ في حجم الخسائر. فتعطيل حقل نفطي خليجي كبير قد يكلف مليارات الدولارات ويؤثر على الأسواق العالمية، بينما قد لا يؤدي تدمير هدف مماثل في العمق الإيراني إلى التأثير الاستراتيجي ذاته.
وهذا الواقع يفسر النهج الخليجي الحذر في التعامل مع التصعيد الإيراني، والتركيز بدرجة أكبر على تطوير منظومات الدفاع الجوي وتعزيز التحالفات الدولية، بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة.
التحول في العقيدة الأمنية الخليجية:
على الرغم من هذه المعوقات، تشهد العقيدة الأمنية الخليجية تحولًا تدريجيًا نحو مفهوم أكثر توازنًا بين الدفاع والردع. ويمكن رصد ملامح هذا التحول عبر عدة مستويات:
(-) على مستوى التصنيع الدفاعي: قطعت دول الخليج أشواطًا مهمة في توطين الصناعات العسكرية، سواء عبر شركات وطنية مثل “سامي” السعودية و”إيدج” الإماراتية، أو من خلال مشاريع مشتركة مع كبرى الشركات العالمية. وتأتي التقنيات الليزرية في مقدمة هذه الجهود، لما توفره من قدرة على اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ بتكلفة منخفضة للغاية، الأمر الذي يحد من فعالية استراتيجية الإغراق الإيرانية.
(-) على مستوى التكامل العسكري الخليجي: تطورت آليات التنسيق بين دول المجلس، سواء في مجال الدفاع الجوي المشترك، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو تنفيذ المناورات العسكرية الموحدة. ويؤدي هذا التكامل إلى رفع كفاءة المنظومة الدفاعية الشاملة، ويخلق عمقًا استراتيجيًا إقليميًا يقلص الفجوات الدفاعية.
(-) على مستوى التحالفات الدولية: تعمقت الشراكة الاستراتيجية مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مع توجه متزايد نحو تنويع مصادر التسليح والتعاون الأمني ليشمل قوى أخرى مثل فرنسا وبريطانيا والصين وروسيا. ويسهم هذا التنويع في الحد من التبعية الأحادية، ويمنح دول الخليج مرونة أكبر في المناورة الدبلوماسية والاستراتيجية.
مسار بناء “الردع المكلف”:
إن الانتقال من الدفاع المتقن إلى الردع المكلف يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز البعد العسكري الضيق إلى أبعاد سياسية واقتصادية ونفسية أوسع. ويمكن تحديد أبرز عناصر هذه المقاربة على النحو التالي:
(*) الوضوح الاستراتيجي: يحتاج الردع الناجح إلى رسائل واضحة لا لبس فيها تحدد الخطوط الحمراء، وتعلن مسبقًا طبيعة الرد على أي عدوان محتمل. فهذا الوضوح يقلل من فرص سوء التقدير ويحد من إغراء اختبار حدود الصبر الخليجي.
(*) بناء قدرات الضربة الثانية: لا يكتمل الردع دون امتلاك قدرة مؤكدة على توجيه ضربة مؤلمة للخصم حتى بعد التعرض لضربة أولى. ويتطلب ذلك تطوير قدرات هجومية دقيقة بعيدة المدى، محصنة ضد الضربات الاستباقية، مع تنويع أدوات الرد لتشمل الخيارات العسكرية وغير العسكرية.
(*) تعزيز الصمود الداخلي: لا يقتصر الردع على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد إلى قدرة المجتمع والاقتصاد على الصمود في مواجهة الهجمات. وقد أظهرت الجبهة الداخلية الخليجية قدرًا ملحوظًا من التماسك في الأزمات الأخيرة، وهو ما يمثل عنصر ردع معنوي مهم.
(*) الدبلوماسية الوقائية: إلى جانب الردع العسكري، تبقى الدبلوماسية أداة أساسية لإدارة الصراع وتجنب الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب. ويتطلب ذلك بناء قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، بما فيها إيران، لتوضيح المصالح والمخاطر المشتركة، وخلق مساحة للمناورة السياسية قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.
تحديات وعوائق:
على الرغم من التقدم الملحوظ، لا تزال هناك تحديات عدة تعترض بناء منظومة ردع خليجية متكاملة، من أبرزها:
أولاً: التباين النسبي في الأولويات الوطنية بين دول المجلس، رغم وحدة الموقف الرسمي، إذ تختلف درجة تأثر كل دولة بالتهديد الإيراني، وهو ما قد ينعكس على مستوى الالتزام الجماعي في أوقات الأزمات.
ثانياً: التدخلات الخارجية في الشؤون الإقليمية، سواء من إيران أو من قوى أخرى، والتي تسهم في تعقيد المشهد الاستراتيجي وتغذية الصراعات بالوكالة، بما يؤدي إلى استنزاف الموارد الخليجية وتشتيت الجهود.
ثالثاً: التحولات في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، خاصة مع توجه واشنطن المتزايد نحو آسيا وتقليص حضورها العسكري المباشر في الشرق الأوسط، الأمر الذي يفرض على الحلفاء الخليجيين تحمل قدر أكبر من مسؤولية أمنهم الإقليمي.
رابعاً: التحديات الاقتصادية المرتبطة بتقلب أسعار النفط وتسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، وهي عوامل قد تؤثر على الموازنات الدفاعية الخليجية على المدى الطويل.
في النهاية، يمكن القول الأزمات المتلاحقة في المنطقة قد تختبر قدرة دول الخليج على التكيف مع بيئة أمنية شديدة التقلب، وعلى إعادة صياغة عقائدها الدفاعية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة. وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن المنظومات الدفاعية الخليجية قادرة على حماية المجال الجوي والبنى التحتية الحيوية بدرجة عالية من الكفاءة.
غير أن هذا النجاح، على أهميته، يظل غير كافٍ لتحقيق الاستقرار الدائم ما لم يُستكمل ببناء منظومة ردع حقيقية تجعل العدوان مكلفًا قبل أن يكون فاشلًا.
فالرهان الخليجي اليوم ليس على خوض حروب جديدة، بل على إرساء قواعد اشتباك جديدة ترفع كلفة المغامرة العسكرية ضد المنطقة، وتجعل السلام القائم على التوازن الاستراتيجي الخيار الأكثر واقعية لجميع الأطراف.
تبقى إيران جارًا صعبًا تفرضه الجغرافيا، والتاريخ يعلمنا أن الجيران لا يمكن تغييرهم، لكن يمكن تغيير سلوكهم عندما يقتنعون بأن كلفة العدوان ستكون باهظة. وهذا هو جوهر الردع الذي تحتاجه المنطقة اليوم، كما يمثل التحدي الأكبر للعقيدة الأمنية الخليجية في المرحلة المقبلة.