معضلة الديمقراطية: من يحسم الانتخابات الرئاسية في الكونغو 2026؟

د. محمود صلاح- باحث ببرامج دراسات البحر الأحمر وإفريقيا
تستعد جمهورية الكونغو (برازافيل) لإجراء انتخابات رئاسية في الخامس عشر من مارس 2026 لاختيار رئيس جديد للبلاد لولاية تمتد خمس سنوات، وذلك وفق نظام انتخابي يقوم على جولتين، حيث تُنظَّم جولة ثانية في حال عدم حصول أي مرشح على الأغلبية المطلقة من الأصوات في الجولة الأولى. ويقضي الدستور الكونغولي بأن تُجرى الانتخابات الرئاسية خلال فترة تتراوح بين ثلاثين وأربعين يومًا قبل انتهاء الولاية الرئاسية القائمة.
وتأتي هذه الانتخابات في سياق سياسي يتسم بقدر كبير من الجدل حول مستقبل التداول الديمقراطي للسلطة في البلاد، لا سيما مع استمرار الرئيس الحالي دينيس ساسو نغيسو في الحكم منذ عام 1997، بعد أن سبق له تولي السلطة للمرة الأولى عام 1979. ويشغل نغيسو حاليًا الولاية التي بدأت في السادس عشر من أبريل 2021، مستفيدًا من تعديل دستوري أُقرّ عبر استفتاء عام 2015 ألغى الحد الأقصى لعمر المرشح للرئاسة، الذي كان محددًا بسبعين عامًا، كما أعاد تنظيم مدد الولايات الرئاسية بما يسمح بالترشح لثلاث ولايات مدة كل منها خمس سنوات.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة العملية الانتخابية في الكونغو ومدى قدرتها على تحقيق تداول فعلي للسلطة، في ظل استمرار الهيمنة السياسية للحزب الحاكم وضعف قدرة المعارضة على خوض منافسة متكافئة.
خريطة المرشحين:
أعلن رئيس المحكمة الدستورية في الكونغو أوغست إيلوكي القائمة النهائية للمرشحين المعتمدين لخوض الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 15 مارس 2026، حيث ضمت القائمة سبعة مرشحين جرى التحقق من صحة ملفاتهم بعد عملية تدقيق قانونية.
وتشمل القائمة الرئيس الحالي دينيس ساسو نغيسو، البالغ من العمر 82 عامًا، والذي يحكم البلاد منذ أكثر من أربعة عقود بصورة متقطعة، إلى جانب ستة مرشحين آخرين من أحزاب مختلفة ومن المستقلين.
ويأتي على رأس هؤلاء المرشحين الرئيس الحالي دينيس ساسو نغيسو، المنتمي إلى حزب العمل الكونغولي الحاكم، والذي قاد البلاد لما يقرب من ستة وثلاثين عامًا، ويسعى اليوم للحصول على ولاية رئاسية خامسة. وكان نغيسو قد فاز في انتخابات عام 2021 بنسبة تجاوزت 88% من أصوات الناخبين.
بدأت مسيرة نغيسو في الحكم عام 1979 عندما تولى السلطة للمرة الأولى، قبل أن يخسر منصبه عقب أول انتخابات تعددية شهدتها البلاد عام 1992، غير أنه عاد إلى الحكم مرة أخرى عام 1997 بعد اندلاع حرب أهلية في البلاد. وفي خطوة أثارت جدلًا واسعًا، قاد عام 2015 تعديلًا دستوريًا أتاح تمديد الفترات الرئاسية وإزالة القيود العمرية المفروضة على الترشح.
وتضم قائمة المرشحين كذلك: نغانغيا إنغامبي أنغيوس (مرشح مستقل)، جوزيف كينغنومبي كيا مبونغو من حزب لا شين، مافولا أوفريم ديف (مستقل)، مافونغو زينغا مابيو من حزب التحالف، مانانغو فيفيان رومان (مستقل)، وغافيت إيلينغو ميلان ديستان من حزب الحركة الجمهوري.
وفي المقابل، امتنعت بعض الأحزاب المعارضة الرئيسية، مثل الاتحاد الأفريقي للديمقراطية الاجتماعية واتحاد الديمقراطيين الإنسانيين، عن تقديم مرشحين في هذه الانتخابات، مبررة ذلك بعدم توافر الضمانات الكافية لإجراء انتخابات حرة وشفافة. وعلى الرغم من وجود عدد من المرشحين في السباق، فإن المشهد الانتخابي لا يزال يفتقر إلى منافسة حقيقية في ظل غياب شخصيات سياسية قادرة على توحيد المعارضة أو تعبئة الشارع.
ملامح المشهد الانتخابي:
يمكن رصد وقراءة المشهد الانتخابي في الكونغو على النحو التالي:
(*) ضعف النظام السياسي: تواجه جمهورية الكونغو (برازافيل) أزمة سياسية تتجلى في ضعف مؤسسات الحكم وتراجع فاعلية العملية الديمقراطية، نتيجة سيطرة النخب الحاكمة على آليات العملية الانتخابية. وقد أدى هذا الواقع إلى تراجع قدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم السياسية والمدنية بصورة كاملة، خاصة في ظل انتشار الفساد وتراجع الثقة في المؤسسات العامة.
وتُجرى الانتخابات الرئاسية المقبلة في بيئة سياسية توصف بأنها مغلقة إلى حد كبير، وهو ما يجعل من بروز منافسين حقيقيين للرئيس دينيس ساسو نغيسو أمرًا بالغ الصعوبة. فقد تمكن الرئيس الحالي، الذي يسيطر على السلطة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي مع فترات انقطاع محدودة، من إعادة تشكيل البنية الدستورية والسياسية بما يضمن استمرار نفوذه في الحكم.
وقد تحقق ذلك من خلال تعديلات دستورية متكررة، إلى جانب إضعاف المؤسسات الرقابية وتعزيز السيطرة على أجهزة الدولة، الأمر الذي أدى إلى تحول القوانين والمؤسسات إلى أدوات لإعادة إنتاج السلطة بدلًا من أن تكون ضمانة لتداولها. وعلى الرغم من محاولات المعارضة إعادة تنظيم صفوفها، فإن حضورها لا يزال محدودًا وتأثيرها ضعيفًا في المشهد السياسي العام.
(*) العنف كآلية حكم: تكشف التطورات الأمنية في البلاد أن العنف أصبح عنصرًا حاضرًا في المشهد السياسي، سواء من خلال دور الميليشيات أو عبر تدخل الأجهزة الأمنية الرسمية. ويؤدي هذا الواقع إلى إضعاف مبدأ السيادة الشعبية وتحويل الدولة إلى ساحة صراع بين أطراف مختلفة تتنافس على النفوذ والسلطة.
كما يظل الوضع الأمني هشًا نتيجة استمرار أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان التي تُتهم بها بعض القوات الحكومية والجماعات المسلحة المتمردة. وبالنسبة لقطاعات واسعة من المجتمع المدني، فإن الأجواء السياسية الراهنة لا تعكس وجود منافسة انتخابية حقيقية، إذ يرى كثيرون أن نتائج الانتخابات تبدو محسومة مسبقًا في ظل اختلال التوازنات السياسية القائمة.
(*) غياب المعارضة: يمثل غياب أبرز المنافسين السياسيين للنظام أحد العوامل الرئيسية التي تقلل من الطابع التنافسي للانتخابات. فلا يزال كل من الجنرال جان ماري ميشال موكوكو وعضو البرلمان أندريه أوكومبي ساليسا يقضيان عقوبة بالسجن لمدة عشرين عامًا منذ صدور الأحكام بحقهما عام 2018، رغم أنهما كانا يُنظر إليهما باعتبارهما أبرز المنافسين المحتملين للرئيس نغيسو.
إضافة إلى ذلك، تتهم منظمات حقوقية السلطات باستخدام أساليب التضييق والترهيب ضد بعض المعارضين السياسيين، كما حدث مع أناتول ليمبونغو نغوكا الذي اضطر إلى مغادرة مقاطعة ليكوالا مسقط رأسه بعد تدخل قوات الأمن واعتبار وجوده هناك مصدر تهديد أمني.
وبناءً على هذه المعطيات، تبدو فرص المعارضة في تحقيق اختراق انتخابي ضئيلة للغاية، في ظل طبيعة النظام السياسي الذي يقوم على تركيز السلطة في يد الحزب الحاكم والتأثير المباشر في مختلف مؤسسات الدولة.
ورغم محاولات كسر هذه الهيمنة، أعلنت ثلاثة أحزاب معارضة — هي التجمع من أجل الديمقراطية والتنمية، وحركة الجمهوريين، وحزب الشعب — تأسيس تحالف سياسي تحت اسم التحالف من أجل التناوب الديمقراطي. غير أن التجربة التاريخية للمعارضة في الكونغو تكشف عن تحديات كبيرة تواجهها، أبرزها الانقسامات الداخلية وضعف الموارد التنظيمية والمالية مقارنة بالإمكانات الواسعة التي يمتلكها الحزب الحاكم.
سيناريوهات محتملة:
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات الانتخابات الرئاسية في الكونغو عام 2026، على النحو التالي:
(-) السيناريو الأول: استمرار الوضع الراهن،- وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، ويتمثل في إعادة انتخاب الرئيس دينيس ساسو نغيسو لولاية رئاسية جديدة، في ظل ضعف المعارضة وغياب منافسة فعلية. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع مستوى الشرعية السياسية للعملية الانتخابية، مع احتمال تعرض النظام لضغوط دولية متزايدة للمضي في إصلاحات سياسية.
(-) السيناريو الثاني: تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية،- قد يؤدي استمرار تهميش قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة فئة الشباب، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة، إلى اندلاع موجات احتجاج أو اضطرابات اجتماعية. وفي مثل هذا السيناريو قد تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية على الحكومة لاتخاذ خطوات إصلاحية أكثر جدية.
(-) السيناريو الثالث: إصلاحات شكلية،- يتضمن هذا السيناريو إجراء تعديلات محدودة في العملية السياسية أو الانتخابية دون أن تمس جوهر بنية السلطة. وقد تهدف هذه الإصلاحات إلى تحسين صورة النظام على المستوى الدولي وإظهار قدر من المرونة السياسية، مع استمرار السيطرة الفعلية للحزب الحاكم على مؤسسات الدولة.
في النهاية، يمكن القول إن المؤشرات السياسية الحالية في انتخابات الكونغو، تشير إلى أن انتخابات عام 2026 قد تسهم في تكريس الوضع القائم في جمهورية الكونغو أكثر من إحداث تحول حقيقي في طبيعة النظام السياسي. فاختلال ميزان القوى بين الحزب الحاكم والمعارضة، إلى جانب القيود المفروضة على المجال السياسي، يجعل فرص حدوث تداول فعلي للسلطة محدودة للغاية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو العملية الانتخابية أقرب إلى آلية لإعادة إنتاج النظام السياسي القائم، بدلًا من أن تكون فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي أو فتح المجال أمام منافسة ديمقراطية حقيقية.