حسابات استراتيجية: كيف تواجه “القاهرة” تمدد النفوذ الإثيوبي والإسرائيلي في القرن الأفريقي؟

يشهد القرن الأفريقي تحوّلًا عميقًا في موازين القوى، جعله ساحة مركزية في حسابات الأمن القومي المصري. فالتطورات المرتبطة بأزمة سد النهضة، ومساعي إثيوبيا لكسر عزلتها البحرية، إلى جانب التقارير حول تنامي الاهتمام الإسرائيلي بالمنطقة، جميعها عوامل دفعت القاهرة إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة ووضوحًا. ولم يعد الحضور المصري في هذه الساحة مجرد دعم سياسي تقليدي، بل بات إعادة تموضع استراتيجي يربط بين البحر الأحمر وباب المندب وحوض النيل في معادلة واحدة، تعكس إدراكًا متزايدًا لتداخل مسارات الأمن المائي والبحري في رسم المجال الحيوي المصري.

تأسيسا على ما سبق، يطرح هذا التحليل سؤال، هو: كيف تتحرك الدولة المصرية لتحجيم محاولات النفوذ الإثيوبي الإسرائيلي في القرن الأفريقي؟

محاولات إثيوبية:

منذ تعثّر مفاوضات سد النهضة، أدركت القاهرة أن الأزمة لم تعد فنية بحتة، بل باتت تعبيرًا عن طموح إثيوبي لإعادة رسم دورها الإقليمي. وقد تجسّد هذا الطموح بوضوح مع توقيع أديس أبابا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال في الأول من يناير 2024 للحصول على منفذ بحري، في خطوة اعتُبرت تحولًا استراتيجيًا ينقل التنافس من حوض النيل إلى البحر الأحمر.

وبالنسبة لمصر، فإن أي تمركز إثيوبي على ساحل البحر الأحمر يعني فتح جبهة نفوذ جديدة قريبة من أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد المصري. ولا يُقرأ هذا التحرك في القاهرة باعتباره بحثًا اقتصاديًا عن منفذ بحري فحسب، بل باعتباره محاولة لتطويق المصالح المصرية عبر الجمع بين ورقة المياه وورقة البحر، وهو ما استدعى تحركًا مصريًا مضادًا يوازن هذا التمدد ويمنع تحوّله إلى واقع دائم.

موقع إسرئيل والصومال في المعادلة:

في موازاة ذلك، تنظر القاهرة بقدر من التحفّظ إلى أي تموضع إسرائيلي محتمل في القرن الأفريقي، سواء عبر علاقات مع إثيوبيا أو من خلال الانفتاح على إقليم أرض الصومال. فالمنطقة تمثل بالنسبة لإسرائيل أهمية استراتيجية مرتبطة بأمن الملاحة نحو ميناء إيلات، وبالتحكم غير المباشر في أحد أهم المضائق العالمية.

ومن هنا، يُقرأ أي حضور إسرائيلي في هذه الجغرافيا الحساسة ضمن سياق أوسع يتعلق بتوازن القوى في البحر الأحمر. فالقاهرة لا تتعامل مع هذه التحركات باعتبارها تهديدًا مباشرًا معلنًا، لكنها تضعها ضمن حسابات التوازن الاستراتيجي، خاصة في ظل تشابك المصالح بين إثيوبيا وإسرائيل في ملفات أمنية وتقنية وعسكرية.

وسط هذه المعادلة المعقدة، برزت الصومال كركيزة أساسية في التحرك المصري. فزيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى القاهرة في الثامن من فبراير الجاري، ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، لم تكونا مجرد زيارة بروتوكولية، بل حملتا رسائل سياسية واضحة تتعلق بدعم وحدة الصومال ورفض أي ترتيبات تمس سيادته. ويتقاطع هذا الموقف المصري مع موقف مقديشو الرافض لاتفاق إثيوبيا مع صوماليلاند، ما خلق أرضية مشتركة لتحالف سياسي وأمني.

وقد تطور التعاون الدفاعي بين البلدين ليشمل تدريب القوات الصومالية، وبناء قدراتها المؤسسية، والتنسيق في مكافحة الإرهاب. غير أن الأهمية الاستراتيجية الأعمق تكمن في أن هذا التعاون يمنح مصر موطئ قدم قانونيًا ومشروعًا في منطقة شديدة الحساسية جغرافيًا، ويعزز حضورها قرب باب المندب ضمن أطر إقليمية ودولية معترف بها.

رسائل الردع:

جاءت مشاركة مصر في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة في الصومال لتعكس انتقال السياسة المصرية من مجرد دعم سياسي إلى تموضع أمني محسوب. فالوجود العسكري المصري، وإن جاء تحت مظلة أفريقية، يحمل دلالات تتجاوز مكافحة الإرهاب، إذ يؤكد قدرة القاهرة على التحرك خارج حدودها المباشرة لحماية مصالحها الاستراتيجية.

وتعززت هذه الرسائل عندما تفقد وزير الدفاع السابق الفريق أول عبد المجيد صقر، برفقة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال في 11 فبراير الجاري، في مشهد يعكس جاهزية عملياتية ويبعث بإشارة واضحة إلى أن الأمن القومي المصري لا يُختزل في حدود جغرافية ضيقة، بل يمتد إلى الممرات البحرية الحيوية.

وعليه، يمكن القول إن ما يجري في القرن الأفريقي يعكس تحولًا في تعريف مصر لمجالها الحيوي. فالبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح امتدادًا مباشرًا للأمن الاقتصادي والسياسي المصري. والتحرك في الصومال لا يُقرأ باعتباره خطوة معزولة، بل جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات التي تسعى القاهرة من خلالها إلى منع تشكّل معادلات إقليمية قد تضغط عليها من الجنوب والشرق في آن واحد.

وفي هذا السياق، تسعى مصر إلى تحقيق توازن دقيق يتضمن ردعًا غير مباشر لإثيوبيا، واحتواءً هادئًا لأي تموضع إسرائيلي، وتعزيز شراكات أفريقية تعيد تثبيت حضورها التاريخي في القارة. إنها استراتيجية تقوم على منع فرض أمر واقع جديد في البحر الأحمر، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

في النهاية، يمكن القول تمثل تحركات مصر في القرن الأفريقي إعادة تموضع استراتيجية شاملة، تتداخل فيها اعتبارات المياه والملاحة والتحالفات الإقليمية. فالشراكة المتقدمة مع الصومال، والوجود العسكري تحت مظلة أفريقية، والدبلوماسية النشطة، كلها أدوات في مقاربة واحدة تهدف إلى حماية المصالح المصرية ومنع إعادة تشكيل ميزان القوى في جوارها الحيوي. وفي ظل استمرار التنافس الإقليمي، يبدو أن القرن الأفريقي سيظل ساحة مركزية في حسابات القاهرة خلال المرحلة المقبلة.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى