حين ينتصر الحب مهما كانت الصعاب

في هذه المقالة، أختار أن أخرج عن الإطار التقليدي للقانون الدولي بنصوصه وحدوده، وأتجه إلى جوهرٍ أعمق وأصدق: القانون الإنساني، ذلك القانون غير المكتوب، المغروس في فطرة البشر، والممهور بالرحمة والمحبة الإلهية منذ لحظة الميلاد الأولى.
نعم، أول صوت يخرج من الإنسان عند ولادته هو البكاء، لكنه ليس إعلان ضعف، بل شهادة حياة. وما إن يعلو هذا الصوت، حتى يلتقي بحضن الأم، ذلك الحضن الذي يمنح الأمان، ويزرع الطمأنينة، ويعيد ترتيب الكون الصغير داخل قلب طفلٍ لم يعرف بعد معنى الخوف. في تلك اللحظة، يتجسد أول درس إنساني: أن الحب هو الاستجابة الطبيعية للألم، وأن الرحمة هي اللغة الأولى للبشر.
الأصل في الوجود هو السلام
هكذا وُلد الإنسان محاطًا بالحب قبل أن يعرف الصراع، وبالطمأنينة قبل أن يتعلم القسوة. وكأن الخالق أراد أن يضع أمام البشرية حقيقة لا تقبل الجدل: الأصل في الوجود هو السلام، وكل ما نشهده اليوم من حروب ودماء ليس إلا انحرافًا مؤلمًا عن هذا الأصل الإنساني النبيل.
لكن الحروب لا تبدأ في ساحات القتال، بل تبدأ حين تُسحب الإنسانية من الآخر، وحين يُختزل البشر في عِرق أو دين أو موقف سياسي. تبدأ حين يغيب التعاطف، ويتحوّل الاختلاف إلى مبرر للكراهية، ثم إلى ذريعة لسفك الدماء.
الحب قوة لا ضعف
الحب ليس ضعفًا كما يظنه البعض، بل هو أعلى درجات القوة. هو القوة التي تدفع الأم للتضحية بلا مقابل، وتمنح الإنسان القدرة على التسامح، وتعيد بناء ما تهدم في النفوس قبل المدن. ولو انتقل هذا المعنى من حضن الأم إلى ضمير العالم، لما احتاجت البشرية إلى هذا الكم الهائل من الأسلحة، ولا غرقت الأرض في دوائر متتالية من العنف.
لسنا بحاجة إلى عالمٍ أكثر تسلحًا، بل إلى عالمٍ أكثر وعيًا.
لسنا بحاجة إلى اتفاقيات جديدة بقدر حاجتنا إلى إحياء ذلك القانون الأول الذي وُلد معنا: قانون الحب.
السلام مسؤولية جماعية
إن نشر ثقافة السلام لم يعد ترفًا فكريًا أو خطابًا مثاليًا، بل ضرورة إنسانية وجودية. يبدأ السلام من التعليم الذي يُعلّم الأطفال قبول الآخر لا الخوف منه، ويترسخ في الإعلام حين يواجه خطاب الكراهية بدل ترويجه، ويتجسد في السياسات حين تضع الإنسان في صدارة أولوياتها.
كما أن تمكين المرأة، وبخاصة الأم، ليس قضية اجتماعية فحسب، بل هو ركيزة أساسية لبناء السلام؛ فهي المدرسة الأولى للقيم، وصانعة الوجدان الإنساني، والحصن الحقيقي في مواجهة التطرف والعنف.
السلام لا تصنعه الحكومات وحدها، بل يبدأ من الفرد، ومن الكلمة، ومن الموقف اليومي البسيط. كلمة عادلة قد تمنع صراعًا، ونظرة إنسانية قد تنقذ حياة، واختيار الرحمة قد يغيّر مسار مستقبل كامل.
خاتمة، قد يبدو الحلم بعالمٍ بلا حروب حلمًا بعيد المنال، لكنه في حقيقته حق إنساني أصيل، يبدأ من القلب، وينتقل إلى الفكر، ثم يتحول إلى سلوك. وحينها فقط، لا يصبح السلام شعارًا يُرفع، بل واقعًا يُعاش.
وحين ينتصر الحب، مهما كانت الصعاب، لا يكون الانتصار لطرف على حساب آخر، بل يكون انتصارًا للإنسانية جمعاء… انتصارًا يعيد للبشر ما فقدوه طويلًا: الأمان، والكرامة، والسلام.