عبدالسلام فاروق يكتب: ترامب والفوضى المنظمة.. إعادة رسم العالم بالقبضة الأمريكية!

المشهد العالمي اليوم، يبدو كل شيء فيه مقلوباً رأساً على عقب. حروب تشتعل في أوكرانيا وغزة، ورؤساء يختطفون من غرف نومهم في فنزويلا، وخرائط ترسم بقوة السلاح في القوقاز وأفريقيا. والرجل الذي يقف خلف هذا المشهد – أو هكذا يصور – هو دونالد ترامب، الرجل الذي يوصف بأنه فوضوي، عبثي، غير متوقع. لكن الصحفي المحترف، الذي يعرف أن التاريخ لا يصنع بالصدفة، وأن القوة العظمى لا تتحرك بلا بوصلة، عليه أن يتساءل أين تكمن الحقيقة؟ هل نحن أمام قائد أعمى يقود العالم نحو الهاوية، أم أمام مهندس داهية يستخدم الفوضى أداة لبناء نظامه الخاص؟
الواقع الذي أراه، بعد مراقبة دقيقة لمسارات واشنطن، هو أن ما يسمى فوضى ترامب ليست انحرافاً عن المسار، بل هي المسار نفسه. إنها فوضى منظمة، محسوبة، موجهة. إنها أداة الجراحة الجديدة في السياسة الأمريكية، ليس لإصلاح النظام العالمي، إنما لتفكيكه وإعادة تركيبه وفق هندسة جديدة – هندسة القبضة الواحدة، والمصلحة الواحدة، والسيطرة الواحدة. وهي عملية تفكيك متعمدة لمنظومة القانون الدولي التي بنتها أمريكا ذاتها بعد الحرب العالمية الثانية ، واستبدالها بعالم ” اللاقواعد ” حيث تتحكم وتحكم إرادة الأقوي فحسب .
“الفوضى الخلاقة” في ثوبها الجديد!
عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ظهرت في أروقة البنتاجون ومراكز الفكر في واشنطن نظرية الفوضى الخلاقة كمنهج لإعادة تشكيل العالم. لكن تلك النظرية كانت تنطلق من فكرة تصدير الديمقراطية وإعادة البناء. اليوم، تحت إدارة ترامب، شهدت هذه الفلسفة تحولاً جوهرياً.. لقد تمت إزالة كلمة الخلاقة من المعادلة، أو بالأحرى، تم إعادة تعريف الخلق ليكون خلقاً أمريكياً خالصاً. الهدف لم يعد بناء دول، الهدف المؤكد هو تفكيك أي توازنات خارج السيطرة الأمريكية المباشرة.
ترامب لا يخفي ذلك. خطابه السياسي مبني على فكرة واحدة مركزية “أمريكا أولاً”. لكن المفهوم الخفي، الذي يدركه المحلل الاستراتيجي، هو أن “أمريكا أولاً” تعني في التطبيق “أمريكا وحدها”. وأي نظام عالمي قائم على تعدد الأقطاب، أو تحالفات مستقلة، أو شراكات خارج الإطار الأمريكي، هو تهديد لهذا المبدأ، وبالتالي يجب تفجيره من الداخل.
وهنا يأتي دور الفوضى كأداة. الفوضى هنا أداة استراتيجية فهي تضعف الخصوم، تفكك تحالفاتهم، تستنزف مواردهم، وتجبر الحلفاء المرتبكين على الالتفاف حول الوحيد القادر – أو الزعيم – على تقديم الحماية الولايات المتحدة.
ساحات الاختبار:– حروب اللا حروب
النمط واضح في ساحات الصراع الساخنة حول العالم حيث تحولت الأزمات إلي أدوات لإدارة التوازنات لصالح الهيمنة الأمريكية لننظر إلى ساحات الصراع الرئيسية في العالم اليوم، وسنجد نمطاً واحداً متكرراً
الحرب التي تخدم سيدين
الحرب في أوكرانيا، في تحليلها الجيوسياسي الأعمق، ليست مجرد صراع بين كييف وموسكو. إنها أداة أمريكية متعددة الأوجه. فبالإضافة إلي هدف استنزاف القوة الروسية العسكرية والاقتصادية وتحويلها من منافس استراتيجي إلى دولة منكفئة داخليا. حققت الحرب هدفا استراتيجيا عميقا، هو إخضاع أوروبا عبر هذه الحرب، لقد عادت أوروبا إلى الحظيرة الأمريكية بشكل كامل. قرارات بروكسل اليوم تتخذ في واشنطن. السلاح أمريكي، الغاز الطبيعي المسال أمريكي، الاستخبارات أمريكية. لقد تم تحييد حلم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لعقود قادمة. ألمانيا، قلب أوروبا الصناعي، عادت إلى دور التابع العسكري.
والأهم، أن أوكرانيا باتت المعيار الذي يقاس به ولاء الدول للغرب ، مما يجيش النظام الدولي، ويضع أي متردد خارج النظام.
السكين على الوريد
لا تحتاج واشنطن إلى إعلان حرب مع الصين. هي تحتاج إلى إبقاء سكين التقسيم على الوريد. سياسة الغموض الاستراتيجي تجاه تايوان ليست ضعفاً، بل قوة. إنها تبقي الصين في حالة توتر دائم، مجبرة على تحويل موارد هائلة للاستعداد العسكري، ومعطلة عن مشروعها العالمي “الحزام والطريق “. تايوان هي نقطة الضغط المستمرة التي تهدف إلي منع بكين من التحول إلى قوة عظمى كاملة بلا منازع.
إدارة الهاوية
لم ترد واشنطن يوماً القضاء على النظام في طهران، ولا السلام الكامل معه. المطلوب هو إبقاء إيران على حافة الهاوية حرب لا تقع، ولكنها لا تلغى. هذا الوضع يبرر الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وبيع الأسلحة للمملكة العربية السعودية ودول الخليج، ويجعل النفط رهينة القرار السياسي الأمريكي. إنها “إدارة الأزمة” كصناعة دائمة مربحة .
درس في العقاب
اختطاف الرئيس نيكولاس مادورا من أراضي بلاده، واستمرار الحصار القاسي، هو رسالة واضحة لكل من في أمريكا اللاتينية الخروج عن المدى الأمريكي له ثمن باهظ. إنه إعلان أن “مبدأ مونرو” – الذي يعتبر الأمريكتين حديقة خلفية للولايات المتحدة – لا يزال حياً وقوياً، بل وعنيفاً أكثر من أي وقت مضى.
التوسع الصامت
هنا يكمن أحد أكثر الجوانب خطورة في الرؤية الجديدة. ترامب لا يرى الحدود السياسية للولايات المتحدة كخطوط نهائية، بل كحدود مؤقتة قابلة للتوسع الاقتصادي والسياسي والعسكري.
لم تكن اتفاقية التجارة الجديدة (USMCA) مع كندا والمكسيك مجرد تحديث لاتفاقية نافتا. لقد كانت إعادة هيكلة للعلاقة على أساس التبعية. خطاب ترامب الذي يعامل الجارين كدولتين تابعتين – يهددهما بالتعريفات والعقوبات – ليس انفعالاً، بل سياسة. الهدف هو تحويلهما إلى امتداد طيع للإنتاج والأسواق الأمريكية.
أما عرض ترامب شراء جرينلاند الذي سخر منه في العالم. لكن من يفهم عقلية الإمبراطورية يرى الأمر بطريقة أخرى. مع ذوبان الجليد القطبي، تفتح جرينلاند أبواباً على كنوز معدنية هائلة وممرات ملاحية استراتيجية. عرض الشراء كان إعلاناً عن مبدأ جديد، الموارد الفارغة (من السكان أو السيادة الفعلية) في أي مكان في العالم هي سلعة قابلة للاستحواذ. إنه استعمار جديد بآليات السوق والقوة.
المختبر الأكبر للفوضى
في الشرق الأوسط، تتجلى الصورة بأوضح أشكالها. فالمشروع الأمريكي هنا يتحقق بدمج أدوات محلية وإقليمية، تحت الإشراف الأمريكي المباشر أو الضمني.
الوكيل المطلق
تحت إدارة ترامب، تحولت إسرائيل من حليف استراتيجي إلى وكيل مفوض بأجندة مفتوحة. التفويض الأمريكي للضم في الضفة الغربية، والاعتراف بالقدس عاصمة، والتطبيع كمشروع تفكيكي للأمة العربية، كلها أمثلة. لكن الدور الأكبر هو في الحرب غزة، الضفة، سوريا، لبنان. إسرائيل هي الطرف المسلح حتى الأسنان، المعفي من المحاسبة، والذي ينفذ سياسة التفتيت والاستنزاف التي تخدم الهدف الأمريكي الأكبر منع ظهور أي قوة إقليمية موحدة أو مستقلة.
عالم ما بعد الفوضى… أم عالم الفوضى الدائمة؟
السؤال المصيري الذي يواجه العالم اليوم ليس ما إذا كان حزب ترامب سيفوز في الانتخابات أم لا. الرجل تجسيد لتيار عميق في السياسة الأمريكية، تيار يرفض تعدد الأقطاب، ويرى في القوة المطلقة الضمان الوحيد للأمن والازدهار الأمريكي. هذا التيار سيبقى، بغض النظر عن اسم الرئيس.
السؤال الحقيقي هو هل يستطيع العالم تشكيل إجابة جماعية على هذا التحدي؟ هل تمتلك أوروبا إرادة الاستقلال؟ هل تستطيع الصين وروسيا تشكيل تحالف استراتيجي حقيقي لا يقف عند المصالح الآنية؟ هل تستطيع دول الجنوب – في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا – بناء تحالفات تعتمد على الذات وتقاوم سياسة “فرّق تَسُد”؟
الفوضى التي نراها ليست عابرة. إنها أداة بناء نظام عالمي جديد، قائم على الهيمنة المطلقة لدولة واحدة. والاختبار التاريخي للأمم اليوم هو قدرتها على فهم هذه اللعبة، والخروج من حالة رد الفعل إلى حالة الفعل. إما أن يتحد العالم ليحد من هذه القبضة المتسعة، وإما أن يستسلم لعالم تكون فيه الفوضى هي القانون، والسلطة المطلقة هي الحكم، والسيطرة الأمريكية هي المصير المفروض.
العالم على مفترق طرق. والفوضى المنظمة تراقبه، وتنتظر.