د. ميرفت عبدالرحمن تكتب: هل نحن مستعدون لاستقبال العالم؟

السياحة المصرية بين عظمة الأثر وتحديات الإدارة

تتجه الدولة المصرية بخطى متسارعة نحو زيادة أعداد السائحين، مع تكرار الإعلان عن استهداف أرقام غير مسبوقة تتجاوز 30 و40 مليون زائر سنويًا، بل ويذهب البعض إلى التأكيد على أن مصر، بما تملكه من كنوز حضارية فريدة، قادرة على استقبال ما يصل إلى 100 مليون سائح.

هذا الطموح مشروع، بل وطبيعي، لدولة تمتلك ثلث آثار العالم. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل نحن مستعدون فعليًا لاستقبال هذه الأعداد؟

واقع ميداني يفرض تساؤلات مشروعة

من خلال حوار صريح مع أحد السائحين الأجانب عقب جولة استمرت أحد عشر يومًا في عدد من المواقع الأثرية، طُرحت مجموعة من التساؤلات التي يصعب تجاهلها، لأنها تمس جوهر التجربة السياحية على أرض الواقع.

فعلى امتداد طريق الجيزة – سقارة، وهو أحد أهم المسارات المؤدية إلى مواقع أثرية عالمية، يلاحظ الزائر وجود ترع ومناطق محيطة تفتقر إلى الحد الأدنى من النظافة، وهو ما ينعكس سلبًا على الانطباع الأول عن الوجهة السياحية.

وفي مواقع أثرية رئيسية، مثل قلعة صلاح الدين، يواجه الزائر ضعفًا في إدارة الدخول، حيث تعمل بعض ماكينات التذاكر دون غيرها، ما يؤدي إلى تكدسات غير مبررة وتأخير يفتقر إلى التنظيم والمرونة.

فوضى الحركة وغياب التنظيم

تتكرر المشكلات ذاتها في عدد من المواقع، ومنها معابد الأقصر وكوم أمبو وفيلة، حيث يعاني الزائر من غياب تنظيم حركة الحافلات والمراكب السياحية، وطول فترات الانتظار دون وجود مسارات واضحة أو إشراف إداري فعّال، الأمر الذي يخلق حالة من الارتباك تؤثر سلبًا في التجربة السياحية.

وفي بعض الحالات، تتحول أماكن الانتظار إلى بؤر فوضى نتيجة غياب التنسيق بين الجهات المعنية، وعدم وجود جهة واحدة تتحمل المسؤولية الكاملة عن إدارة الموقع.

الآثار في مواجهة الإهمال

الأخطر من ذلك، ما يتعلق بحماية الآثار ذاتها.

ففي مواقع أثرية نادرة، مثل مقبرة كاجمني، لا تزال الجدران المزينة برسومات يعود عمرها إلى آلاف السنين دون حواجز زجاجية تحميها من اللمس أو التلف، كما تغيب اللوحات الإرشادية والتحذيرية في عدد من المعابد، بما يهدد سلامة الأثر على المدى الطويل.

إن الحفاظ على الآثار ليس ترفًا، بل واجب وطني ومسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة.

سلوكيات فردية تشوه الصورة العامة

تُسجَّل كذلك بعض الممارسات الفردية غير المنضبطة، مثل تعطيل الطوابير، أو فرض الشرح والتصوير مقابل مبالغ مالية دون تنظيم، فضلًا عن ممارسات تفتقر إلى المهنية داخل بعض نقاط التفتيش، وهو ما ينعكس مباشرة على صورة الدولة في أذهان الزائرين.

فهذه التفاصيل الصغيرة، رغم بساطتها، لها تأثير بالغ في تشكيل الانطباع العام، لا سيما في عصر تنتقل فيه التجارب الشخصية بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

خدمات أساسية دون المستوى المطلوب

ولا يمكن إغفال مستوى بعض الخدمات الأساسية، وعلى رأسها دورات المياه في عدد من المواقع السياحية، والتي لا ترقى في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية، رغم كونها عنصرًا أساسيًا في تقييم أي وجهة سياحية.

التوصيات… من الطموح إلى التنفيذ

إن تطوير السياحة المصرية لا يتطلب فقط التوسع في الحملات الترويجية أو السعي إلى زيادة الأعداد، بل يستلزم تبني رؤية متكاملة لإدارة تجربة السائح، تقوم على:

إنشاء وحدات متخصصة لإدارة تجربة الزائر داخل كل موقع أثري

توحيد جهة الإشراف والمسؤولية داخل الموقع الواحد

وضع معايير صارمة لحماية الآثار وصيانتها بصورة يومية

تنظيم العمل داخل المواقع الأثرية وضبط الممارسات الفردية غير القانونية

تحسين الخدمات الأساسية بما يتماشى مع المعايير العالمية

التخطيط المسبق للأعداد المتوقعة بدلًا من التعامل معها بردود أفعال مؤقتة

خاتمة، إن مصر لا ينقصها التاريخ، ولا الآثار، ولا المقومات السياحية.

ما تحتاجه اليوم هو إدارة واعية تدرك أن السياحة ليست رقمًا فقط، بل تجربة متكاملة وسمعة دولية.

فالعالم مستعد لزيارة مصر، ويبقى السؤال: هل نحن مستعدون لاستقباله بما يليق بعظمة ما نملك؟

د. مرفت عبدالرحمن

د. ميرڤت عبدالرحمن، عضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، هي أستاذ القانون الدولي، ورئيس مجلس ادارة اكاديمية جلوري.

تعليق واحد

  1. صدقتي،.وجهة نظر صحيحة وواقع نعيشه مع عرض الحلول بمنتهى المصداقيه. احييكي بشده .. اتمنى ان تنتبه الدوله سريعا للحفاظ علي كنوز مصر والحفاظ علي تقديم المعرفة للسائح في ظل منظومة متكامله من سبل الراحة والاستمتاع وتكامل المعلومة وترك أثر ايجابي داخل كل زائر يجعل زيارته لمصر دائما من أهم جولاته السياحيه كل عام..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى