دكتورة ميرفت عبدالرحمن تكتب: حين تحتجز السيادة.. انتهاك القانون الدولي باسم القوة

من حصانة رؤساء الدول إلى كرامة الإنسان… هل سقط النظام الدولي؟
لم يعد تآكل القانون الدولي ظاهرة محصورة في ميادين الحروب أو مناطق النزاع المسلح، بل امتد ليطال جوهر السيادة ذاتها، ممثلة في رموزها الدستورية والسياسية. ففي عالمٍ باتت تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة، تبرز وقائع – أو ما يُتداول بشأنها – تعكس انحدارًا خطيرًا في احترام الحصانات الدولية والكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، أثارت تقارير وتصريحات متداولة بشأن تعامل قسري أو احتجاز أو تقييد تعرّض له رئيس فنزويلا وزوجته في إطار سياسات اتُّبعت خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول حدود السلطة، ومشروعية الفعل، ومصير القانون الدولي حين يتعارض مع إرادة الأقوياء.
حصانة رؤساء الدول: قاعدة آمرة لا تقبل الانتقاص:
يستقر القانون الدولي العام، والفقه والقضاء الدوليان، على أن:
• رؤساء الدول يتمتعون بحصانة شخصية كاملة (Personal Immunity) طوال فترة توليهم المنصب
• تشمل هذه الحصانة عدم التعرض أو الاحتجاز أو الإكراه بأي صورة
• وتمتد الحماية، في الإطار الإنساني والقانوني، إلى أفراد الأسرة متى كان المساس بهم وسيلة ضغط سياسي
وأي إجراء يُتخذ بالمخالفة لذلك، دون مسار قانوني دولي معترف به، لا يُعد فقط مخالفة إجرائية، بل انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدولة وتهديدًا لبنية النظام الدولي ذاته.
خارج الشرعية الدولية: حين تتحول القوة إلى قاضٍ:
إن أي احتجاز أو تقييد لحرية رئيس دولة أو زوجته:
• دون قرار قضائي دولي مختص
• ودون تفويض من مجلس الأمن
• ودون احترام لضمانات المحاكمة العادلة
يمثل اغتصابًا لاختصاص القضاء الدولي، ويجسد أخطر صور العدالة الانتقائية؛ حيث تتحول القوة إلى حكم، والتنفيذ إلى عقوبة، بلا محاكمة ولا مساءلة.
انتهاك الإنسانية قبل انتهاك القانون:
بعيدًا عن الجدل السياسي، فإن المساس بحرية أي إنسان هو:
• انتهاك للكرامة الإنسانية
• خرق للحق في الحرية والأمان الشخصي
• مخالفة صريحة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان
فكيف إذا تعلّق الأمر برئيس دولة منتخب، وزوجته مدنية لا صفة سياسية لها؟
هنا لا نقف أمام مخالفة قانونية فحسب، بل أمام سقوط أخلاقي يضرب جوهر القيم التي ادّعى النظام الدولي الدفاع عنها.
من حكم القانون إلى شريعة النفوذ:
تعكس هذه الوقائع – أو ما يُثار بشأنها – تحوّلًا مقلقًا:
• من احترام السيادة إلى فرض الإرادة
• من حكم القانون إلى منطق العقاب السياسي
• من العدالة الدولية إلى إدارة الصراعات بالنفوذ
وهو ذات المنطق الذي يبرر:
• الحصار الاقتصادي
• التدخلات غير المشروعة
• إسقاط الأنظمة
• والتضييق على الرموز السياسية
كل ذلك دون مساءلة حقيقية حين يكون الفاعل قويًا.
أين المجتمع الدولي؟
يثير الصمت الدولي أسئلة جوهرية:
• أين الأمم المتحدة من حماية الحصانات الدولية؟
• أين مجلس حقوق الإنسان من الانتهاكات الجسيمة؟
• ولماذا يتراجع صوت القانون حين يكون الطرف المنتهِك دولة كبرى؟
إن هذا الصمت لا يعني الحياد، بل تقويضًا لمصداقية النظام الدولي، ورسالة خطيرة مفادها أن العدالة تُعلَّق عند تعارضها مع المصالح
التوصيات: حماية السيادة والإنسانية قبل انهيار النظام الدولي:
أمام خطورة تطبيع المساس بحصانات القادة والكرامة الإنسانية، تبرز ضرورة موقف عالمي حاسم يعيد الاعتبار للعدل وسيادة القانون. وانطلاقًا من ذلك، تُطرح التوصيات التالية:
أولًا: التأكيد على أن حصانة رؤساء الدول مبدأ قانوني آمِر غير قابل للتسييس أو الانتقاص، ولا يجوز المساس به إلا عبر آليات قضائية دولية مختصة ومعترف بها.
ثانيًا: رفض أي شكل من أشكال الاحتجاز أو التقييد أو الإكراه خارج إطار الشرعية الدولية، واعتباره انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدول وخرقًا لقواعد القانون الدولي العام.
ثالثًا: دعوة الأمم المتحدة ومؤسساتها إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في حماية الحصانات الدولية، وعدم الاكتفاء بدور المراقب الصامت.
رابعًا: تفعيل دور مجلس حقوق الإنسان في التحقيق الجاد والمستقل في أي انتهاك للحرية الشخصية أو الكرامة الإنسانيةدون انتقائية أو ازدواجية.
خامسًا: التأكيد على أن أسر القادة، وعلى رأسهم الزوجات، يتمتعن بحماية قانونية وإنسانية كاملة، وأن الزج بهن في الصراعات السياسية يُعد انتهاكًا مضاعفًا للإنسانية.
سادسًا: إنهاء سياسة العدالة الانتقائية التي تُطبَّق على الضعفاء وتُعلَّق أمام الأقوياء، لما تمثله من خطر مباشر على الاستقرار الدولي.
سابعًا: الدعوة إلى التفاف دولي حول مبدأ العدل بوصفه الأساس الوحيد لحماية السيادة وضمان عدم انزلاق العالم إلى شريعة القوة.
إن التطبيع مع المساس بحصانات القادة، أو التغاضي عن انتهاك الكرامة الإنسانية، ليس فقط تفريطًا في القانون الدولي، بل تهديد وجودي لكل دولة ولكل إنسان. فالعدل هو الحصن الأخير للنظام الدولي، وإذا سقط… سقطت معه إنسانية العالم بأسره.