الثقافة.. سلعة مصر الأولى

عبد السلام فاروق

لا أحد فى العالم لا يدرى عن أبى الهول والأهرامات ..

الحضارة الفرعونية رقم واحد بين جميع رموز وآثار التراث الإنسانى ..

فلا نحن فى حاجة لتسويق أنفسنا، ولا للدعاية عن تاريخنا الذى هو أقدم تاريخ على وجه الأرض!

فكيف يتأتَّى ألا نستغل المنتَج الأول المتوافر لدينا .. ثقافتنا؟!!

السينما المصرية كانت أولى السينمات فى المنطقة بعد أوروبا، وكنا الأقرب لصناعة “بوليود” من الهند، حتى أن القاهرة كانت تُلقَّب قديماً بهوليود الشرق. فلماذا تَقهقرنا إلى الصفوف الخلفية وسبقَتنا كافة السينمات الأخرى الأقصر عمراً والأقل خبرة؟

شوارعنا وحوارينا متاحف حية ، ناهيك عن عشرات المتاحف والمعابد المنتشرة فى كل ربوع مصر .

اللهجة المصرية كانت هى الأكثر انتشاراً ، وما زالت، بفضل سعة انتشار الإعلام المصرى وهيمنته –سابقاً- على السوق الإعلامى العربي . تغيَّر هذا الآن، وباتت اللهجات الخليجية والشامية وحتى المغاربية تنافس بعضها بعضاً لغزو السوق الإعلامى العربي، وهذا أمر بقدر ما يسعدنا حدوثه، بقدر ما يشير إلى تراجع الدور الريادى المصرى فى الإعلام والثقافة.

تلك اللهجة المصرية ليست وليدة الأمس ، بل هى نتاج تراكم حضارات متعاقبة ومعارف متراكبة ولغات كثيرة متسربة إلى نسيج اللهجة المصرية الفريدة فى خصائصها.. والقاموس العامى المصري يضم بين طياته عشرات الكلمات التى تنتمى للغات الفرنسية والإيطالية واليونانية والتركية والإنجليزية والأرمينية بل وبعض اللغات القديمة الميتة كالقبطية والديموتية!

إذا قادتك قدماك إلى أحياء الغورية والحسين والقلعة ومصر القديمة وشارع المعز والجمالية تكاد تشعر أنك تنطلق مع الزمن عبر عصور عديدة مضت وتري إطلالات العصر الملكى والمملوكى والإسلامى والقبطى ، تلك المشاهد التى ما زالت بصماتها باقية فى التحف الفنية المصنوعة بأيدى فنانين مصريين معاصرين.. فما زال فن الأرابيسك والمشغولات النحاسية والفضية والمنمنمات بارعة الجمال بالغة الدقة تُصاغ وتُباع بأبخس الأثمان فى بازارات وجاليريهات بالمئات فى كل محافظات مصر السياحية لا فى القاهرة وحدها.

هل يمكن أن يدَّعى أحد بعد ذلك أننا غير قادرين على غزو الأسواق العالمية بمنتجاتنا الثقافية؟

القضية الحقيقية هنا فى كيفية استغلال تلك القدرات الكامنة وتسويقها بشكل علمى وفاعل .

معاً.. نحو ثقافة إليكترونية.. ومثقف عصرى

المفارقة المضحكة فى ثنائية “النخبة والجمهور” المزعومة، أن الجمهور سبق الطليعة بمسافات هائلة .

فالمثقف القديم لم يكلف نفسه مشقة تطوير ذاته وأدواته ليساير العصر. وبدلاً من أن يعترف بهذا القصور والنقص كان الأسهل لديه أن ينكر فائدة أدوات التقنية ويهاجمها مدعياً أنها لا تناسب واقعنا الغارق فى الأمية. بينما المثقف ذاته يعانى من أمية تقنية.

لم ينتظر الجمهور نخبته ولم يقتنع بمزاعمهم ، بل استطاع هو أن يساير العصر وينطلق فى الإبداع الإليكتروني ليبتدع بنفسه صحافةً بديلة وإعلاماً موازياً. وليس مطلوباً من الصحفى والمثقف والإعلامى اليوم سوى أن يساير جمهوره ويواكب سرعته الهائلة.

المثقفون الجدد .. كرجال أعمال

مصطلح جديد غزا الساحة الثقافية العالمية مؤخراً هو مصطلح “الصناعات الإبداعية” أو “اقتصاديات الثقافة والمعرفة” . السينما والمسرح والفن التشكيلي والأدب والموسيقى والنحت لم تعد مجرد أدوات أو وسائل للترفيه والإمتاع والدعاية ، إنها اليوم صناعات تنافس الصناعات الثقيلة . والأرقام تتحدث : فى 2001 أى منذ نحو عقدين من الزمان بلغت عائدات حقوق النشر ” الورقى والرقمى والمرئى” فقط فى أمريكا حوالى 800 مليار دولار،! أى نحو 8% من إجمالى الناتج القومى! وبلغ إسهام صناعات الإبداع الأمريكية فى دورة المبيعات والصادرات السنوية نحو 90 مليون دولار أمريكي أى ما يفوق عائدات الصناعات الكيميائية والزراعية والسيارات والطائرات!

وفى بريطانيا قُدِّرت عائدات الاقتصاد الإبداعى حوالى 113 مليار جنيه استرلينى بما يبلغ حوالى 5% من إجمالى الناتج القومى! وصناعة الإبداع هناك تستوعب عمالة قوامها 1.5 مليون شخص!

تلك أرقام حقيقية جاءت فى كتاب “الصناعات الإبداعية” للأكاديمى (جون هارتلى( .

لا يمكن الحديث بعد هذه الأرقام عن الثقافة باعتبارها رفاهية أو رقماً زائداً فى المعادلة القومية. ووزارة الثقافة لا ينبغى لها أن تظل وزارة خدمية تقدم خدمات ثقافية مستهلكة قديمة لا يريدها أحد. بل لا بد لها أن تتعلم كيف تتحول إلى وزارة إنتاجية عالمية التأثير، فهذا هو السبيل الوحيد أمامها للانتقال إلى خانة الإنتاج والعائدات ، بدلاً من اكتفائها بالسحب من ميزانية الدولة دون مردود أو عائد.

العالم يتحدث اليوم بلغة المال والأعمال والإنتاج، والمثقف ينبغى أن يجيد التحدث بهذه اللغة . لا يحتاج المثقفون إلى استجداء التمويل للصرف على الإنتاج الفكرى والثقافى ، بل هم قادرون- بعد تطوير أدواتهم الإنتاجية- للإنفاق على القطاع الثقافى بشقيه الحكومى والخاص، بل وتحقيق أرباح هائلة.

هذا ما تؤكده تجارب الآخرين.. ولسنا أقل منهم. وتاريخنا العريق هو الدليل الأكيد على ما أزعمه.

مسئوليات النخبة الثقافية الجديدة

أنا متفائل..

وتفاؤلى لا يأتى من فراغ..

الناس فى بلدى تثبت فى كل لحظة أنهم قادرون على استيعاب اللحظة والحدَث، وعلى مواكبة أى تطور.

إنهم يسبقون الجميع ويتفوقون على أنفسهم بقدرتهم على استغلال المتاح لصناعة إعلامهم البديل الذى تفوق على الإعلام النخبوى. الناس أنفسهم هم الخامة الأوفر والأفضل لإنقاذ الصحافة من واقعها المنهَك. هكذا أكدت التجربة الكورية..

ففى كوريا الجنوبية تم إنشاء منصة رقمية جماهيرية تحت اسم: “جريدة كوريا الجنوبية الإليكترونية” يتم تحريرها بالكامل بواسطة المواطنين. فالقراء هم محرروا الأخبار والموضوعات والتحقيقات ، وهم المتفاعلون والفاعلون فى وقت واحد. هذه تجربة جديرة بالاستنساخ والتقليد.

لا ينبغى أن نبحث عن نخبة بديلة وسط شعب أثبت أنه هو النخبة بين شعوب العالم.

ما ينبغى فعله حقاً هو أن يطوِّر كل منا ذاته وأدواته ليصير أهلاً لأداء دوره الفاعل فى المجتمع.

هناك نخبة ثقافية جديدة تولد من رحم المجتمع نفسه.

تلك نخبة لديها مسئوليات جسيمة هائلة.

وأولى مسئولياتها.. الوصول للمنافسة العالمية.

فهل هى قادرة على ذلك؟

بشكل عام.. أنا متفائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى