إيران تواجه خيارات مُرة

روبرت فورد

ظنّ المفاوضون أنهم على وشك الانتهاء. وشرعوا في التخطيط للاحتفال بالإعلان عن الاتفاق الجديد. وقال المسؤول رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي إن نص الاتفاق انتهت صياغته تقريباً. ثم جاء في هذه الساعة المتأخرة عمل تخريبي آخر في قصة البرنامج النووي الإيراني الطويلة. هذا العمل التخريبي لم يكن فيروساً تقنياً من أميركا أو إسرائيل، أو اغتيالاً إسرائيلياً لعالم إيراني. بدلاً من ذلك، قامت روسيا بفكّ الارتباط في المفاوضات النووية الإيرانية اعتباراً من 5 مارس (آذار) عبر المطالبة بإعفاءات من العقوبات الغربية التي يمكنها إعاقة التجارة الروسية مع إيران. وتوقفت المحادثات بتاريخ 8 مارس. وأعرب مسؤول كبير في وزارة الخارجية البريطانية عن قلقه من أن يؤدي التأخير الموجز إلى فسخ النص المتفق عليه.. (وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أعلن الثلاثاء أنه حصل على ضمانات أميركية).

يدرك الدبلوماسي المخضرم أنه خلال المفاوضات العسيرة، فإن أي جزء من اتفاق معقد لا يُستكمل حتى الانتهاء تماماً من النص بالكامل. على سبيل المثال، النص المتفق عليه في فيينا يدعو روسيا إلى تخزين اليورانيوم الإيراني المخصب، فإذا رفضت روسيا ذلك، فما هي الدولة التي تحل محلها؟

كما أنّ التأخير الطويل يمنح صقور طهران فرصة جديدة لعرقلة الاتفاق، الذي لا يحظى بثقة «المرشد» علي خامنئي، الذي صرح في 10 مارس بأن إيران ستقع في خطأ كبير إن أذعنت بالتخلي عن «التقدم» المحرز في العلوم النووية. وليس من قبيل الصدفة أن «الحرس الثوري» استغل الضربة الجوية الإسرائيلية الأخرى في سوريا لإطلاق الصواريخ من إيران على أهداف أميركية في أربيل بتاريخ 12 مارس.

فما هي رسالة «الحرس الإيراني»؟

أولاً، يُذكّر الهجوم الصاروخي الجميع بأن «الحرس» الإيراني لا يزال موجوداً وقوياً، (وتذكّرني هذه الرسالة في بعض النواحي برسالة «داعش» القديمة «باقية»).

ثانياً، تحذر الضربة الصاروخية من أن «الحرس الثوري» سيرد أحياناً على أميركا وإسرائيل عندما يضربان أهدافاً إيرانية.

في واشنطن، سيؤكد الحزب الجمهوري أن الرئيس بايدن قائد ضعيف، ما لم يأمر البيت الأبيض بتوجيه ضربات عسكرية جديدة بعد الهجوم الصاروخي الإيراني. وسوف يؤدي الانتقام الأميركي إلى تعقيد فرص التوصل إلى اتفاق نهائي في فيينا. كل هذه التصرفات الإيرانية وقعت بعد الإعلان الروسي الذي أوقف المفاوضات في فيينا.

لا بد أن الرئيس بوتين مسرور. ليس من مصلحة روسيا على المدى الطويل أن تمتلك إيران صواريخ نووية، لكن مشكلة بوتين القصيرة المدى في أوكرانيا هي في غاية الإلحاح. وإذا انهارت مفاوضات فيينا، فإن التوتر المتصاعد مع إيران سوف يستغرق مزيداً من وقت بايدن، ويقلل من التركيز الأميركي على أوكرانيا. وإذا قرر بايدن ضرورة توجيه ضربة عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني في الأسابيع المقبلة، فإنه بذلك يتسبب في انقسام الرأي العام العالمي، الذي توحد الآن مع واشنطن ضد موسكو. علاوة على ذلك، فإن الضربات العسكرية ضد أهداف نووية إيرانية ستشعل قتالاً خطيراً بين الأميركيين (وإسرائيل) وبين إيران. هذا القتال من شأنه أن ينقل الموارد الأميركية بعيداً عن المنطقة الأوروبية والآسيوية. ولكن إذا قبل بايدن ضمنياً استمرار البرنامج النووي الإيراني، فسيتعرض لهجوم عنيف من الحزب الجمهوري وكثير من الديمقراطيين.

من المهم أن نتذكر أن بايدن يواجه وضعاً سياسياً صعباً في الداخل. تضخم الأسعار مرتفع، وتشير استطلاعات الرأي هنا في أميركا إلى أن الجمهوريين بإمكانهم الفوز في انتخابات الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني). ومن شأن فوز الجمهوريين الكبير في الانتخابات أن يوقف كل مبادرات بايدن المحلية. على أقل تقدير، حتى إن تحرك بايدن بحذر، فإن بوتين قد يكتسب ميزة من خلال الوعد بالمساعدة في المفاوضات النووية الإيرانية مقابل التعاون الأميركي بشأن أوكرانيا. ترفض واشنطن هذه الفكرة تماماً، وتصرّ على انعدام الصلة بين محادثات فيينا وأوكرانيا. أما بوتين العالق في مستنقع أوكرانيا فلا يتفق مع هذا الرأي.

لا يشعر البيت الأبيض بالارتياح لذلك، وكذلك الأمر لدى كثيرين في الحكومة الإيرانية. تريد وزارة الخارجية الإيرانية التوصل إلى اتفاق في فيينا من أجل رفع كثير من العقوبات الأميركية. في الأسبوع الماضي، كتب المحلل تريت بارسي، المتعاطف أحياناً مع وجهات النظر الإيرانية، أن إيران تواجه الآن خيارات سيئة فقط. وبوسعها تقبل انهيار المفاوضات النووية ومواصلة النضال اقتصادياً. ولن تستفيد كثيراً من ارتفاع أسعار النفط العالمية. ومن جهة أخرى، إذا لم تتعاون روسيا في فيينا، فلا بد أن تعمل إيران بشكل مباشر مع الأميركيين من أجل التوصل إلى اتفاق. وإذا توصلت إلى اتفاق منفصل مع الأميركيين والأوروبيين، فهل يكون بوسعها حقاً الثقة بواشنطن؟

لا شك على الإطلاق أن الجمهوريين سيحاولون عاجلاً أو آجلاً، وربما عاجلاً، وأد الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض كل العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، إذا توصلت إيران إلى اتفاق مع بايدن من دون روسيا، فستغضب موسكو، وستتعقد الجهود الإيرانية لبناء علاقة أقوى مع روسيا. ومن المفارقات أنه إذا نجحت روسيا في تخريب مفاوضات فيينا، فإن كلاً من البيت الأبيض وطهران سيواجهان خيارين؛ الخيار الأفضل لكل منهما هو الخيار المُر.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط.

د.أبو الفضل الاسناوي

المستشار الأكاديمي والمشرف العام -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى