أسئلة القادم المقلق.. هل “داعش” يستعيد المبادرة؟

مرة أخرى يعود تنظيم داعش لتنفيذ عمليات إرهابية استعراضية ودموية في مناطق سبق وأن تمركز وعمل فيها لسنوات طويلة في العراق وسوريا اللتان تشكلان ساحات العمل الأساسي للتنظيم ومهد تواجده.

مع بداية السنة الجديدة وفي يوم 19 ديسمبر نفذ التنظيم سلسلة عمليات كان أكثرها خطورة قتل 11 جنديا عراقياً في محافظة ديالى، ثم استتبعها بهجوم على قطاعات الجيش العراقي التي قامت بتمشيط المنطقة اثر الهجوم الأول مما يعكس استعادة متكاملة لقدراته العملياتية والاستخباراتية والبشرية.

داعش في استعاد الحركة والمبادرة:

 نفذ تنظيم داعش هجوماُ أكثر خطورة على سجن غويران في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ونجح التنظيم في تسهيل فرار المئات من عناصره بعد اشتباكات عنيفة مع حراس السجن، وبالرغم من تدخل قوات التحالف الدولي لمساندة قوات سوريا الديمقراطية فقذ تمكن عدد من مقاتلي التنظيم من الفرار إلى المناطق المجاورة.

العمليات التي بدأها التنظيم تأتي بعد ما أعلنت قوات التحالف عن هزيمته، ونجاحها في القضاء على التنظيم وتفكيك قواعده وقدراته وتدمير مراكزه، واعتقال عدة ألاف من عناصره وتجميعهم في مراكز اعتقال شمال شرق سوريا (1) والتزام دول التحالف لضمان عدم قدرة داعش والجماعات التابعة له على إعادة تشكيل أي جيب إقليمي أو الاستمرار في تهديد الأمن في المنطقة والعالم والذي اعتبر حينها الانتصار النهائي على الإرهاب ونهايته.

ركام الفشل:

عمليات داعش الأخيرة لم تأت صدفة أو مفاجأة بل جاءت في سياق عام يمكن تلخيصه بانعكاسات هزيمة أفغانستان، وخروج القوات الأمريكية وحلفائها من مناطق وسط آسيا، ونجاح الصين في مد جسور تعاون مع طالبان دون صدام بسبب احتياج أفغانستان لدعم مالي واقتصادي، وبحث بكين عن طرف قوي يحمي المناطق الحدودية المجاورة لها، ويمنع تمدد التطرف فكرا ومضمونا باتجاه الأقليات الإسلامية فيها.

التحرك الأمريكي في وسط آسيا بات واضحاً بأنه رد فعل على فشل سياساتها في وسط آسيا، والتي أعطت القوى الدولية الكبرى المتصادمة معها فرصة تاريخية لملء الفراغ الذي تركته جراء حماقات ارتكبتها طوال عشرين عاماً من وجودها في أفغانستان. نقل الاشتباك إلى تخوم روسيا عبر صناعة الأزمات في كازاخستان وأوكرانيا لم يستطع أن يعوض ثقل الهزيمة في أفغانستان ويدير وجه موسكو مرة أخرى للانكفاء على المشاكل التي تحيط بها، بل واصلت التقدم وتركيز قوتها عسكرية وسياسية في مناطق تعتبرها واشنطن مغلقة لها وغير قابلة لإعادة الاختراق.

الاحتجاجات في أوزبكستان اعتبرتها حكومتها محاولة لزعزعة نظام، فالحكم من قبل جماعات المعارضة وجماعات متطرفة بدعم ومساندة من أطراف أجنبية، بينما وجهت موسكو تحذيرات واضحة (2)  لواشنطن بأنها لن تبقى مكتوفة اليدين تجاه محاولات نشر الدرع الصاروخي في تشيكيا وبولندا، ودخول جورجيا وأوكرانيا لحلف الناتو، وستمنع تحول كازاخستان لقاعدة جديدة للنفوذ الأمريكي في المنطقة.

نفس الأزمات تفجرت مع أوكرانيا التي وصل مستوى التهديد بين الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا للحديث عن غزو روسي وما يمكن أن ينجر عنه من تهديد للأمن والسلم الدوليين، وهذه الأزمة نجحت موسكو لحدود هذه المرحلة في التعاطي معها بهدوء رغم التصعيد السياسي والعسكري الأمريكي (3) وحشدت واشنطن 8500 جندي في حالة تأهب قصوى سينتشرون في دول مجاورة لأوكرانيا ضمن قوات الرد السريع التابعة لحلف شمال الأطلسي في حال أقدمت موسكو على غزوها.

واشنطن من منطق البراغماتية السياسية التي تسببت لها بكوارث وخسائر استراتيجية في الخمسة وأربعين عاما الأخيرة لم تجد في أزمتها الجديدة بعد أفغانستان سوى إعادة تدوير نفس الأدوات التي استعملتها في تصدير منظومة الربيع العربي التي انطلقت من منظومة الإخوان المسلمين، وانتقلت لمنظومة الجماعات الإرهابية التي انبثق كثير منها من حضن الجماعة في محاولة لإرباك واستنزاف التمدد العسكري الروسي في عدة مناطق في العالم، والذي تجاوز حدود سوريا وليبيا ليصل إلى عمق القارة الإفريقية، حيث صار وجود قوات مجموعة فاغنر في عدة دول إفريقية،هي مالي، وإفريقيا الوسطى، وموزامبيق.

هذا التمدد الموجه للتصدي للجماعات الجهادية، والتي فشلت القوات الفرنسية أو قوات أفريكوم الأمريكية في هزيمتهم يضع قوات فاغنر في مواجهة هذه الجماعات المنتشرة بقوة في عدة دول من منطقة الساحل والصحراء، ويفتح مواجهة استنزاف مكلفة لروسيا في المنطقة.

تدوير الفشل:

لا يمكن إنكار أن واشنطن راهنت وساهمت بقوة في دعم وإعادة تدوير الجماعات الإرهابية في سوريا وليبيا لإسقاط أنظمتها، بل راهنت عليها واعتبرتها رأس حربة فرض الديمقراطية ضد أنظمة الاستبداد، ولم تنتبه إلا متأخرا أو رغماً عنها لما آلت إليه الأوضاع بعد تمدد هذه الجماعات وتمكنها من الحكم على الأرض وعجز واشنطن التي تحولت بعد خروج هذه الجماعات عن السيطرة إلى عدو جديد ساهم في استنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية في حروب عبثية لم تجني من ورائها إلا الخسائر.

المتغير الجديد الذي يسيطر على هواجس صناع السياسية الأمريكية، يتلخص بمن سيملك القدرة على مشاغلة روسيا واستنزاف قوتها ماديا وعسكريا في المرحلة القادمة وسط انكفاء عسكري بدأه الرئيس الأسبق دونالد ترامب، وقبل به كرهاً الرئيس جو بايدن رغم أنه كان المفكر وشريك الرئيس الأسبق باراك أوباما في صناعة ونشر الربيع العربي وحصد معه برفقة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون نتائجه.

في محصلة الساحات الأكثر امتلاك لقدرة مشاغلة الروس واستنزافهم تبدو الساحة السورية بدرجة كبيرة الساحة الأهم، التي يمكن لداعش بدرجة أولى والجماعات الإرهابية الأقل تأثيراً أن تعيد تكرار نفس السيناريو في ظل عدم وجود تقاطعات مصالح استراتيجية في المنطقة مع دول من الإتحاد الأوروبي كما هو الحال في ليبيا، التي تضع ثروتها النفطية حاجزا صلباً أمام محاولات انتشار فوضى فيها لا يمكن توقع نتائجها وامتدادها وتهدد مصالح استراتيجية لهذه الدول وأمنها الإقليمي.

داعش وليس الإخوان:

استعادة داعش لمساحات قديمة متجددة في الحركة بين سوريا والعراق ليس له هدف استراتيجي لإعادة تكرار سيناريوهات الربيع العربي لأن واشنطن عاجزة عن تكرار الاستثمار في الفشل، ولأن الأطراف التي راهنت عليها، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين عجزت وفشلت في تحقيق ما طلب منها تنفيذه، وبأن بالكاشف تعري خطابها أمام الشارع في الدول التي كانت تركز قوتها فيها، كما أن خطاب المظلومية التي مارسته بحرفية مع دول العالم الديمقراطي فقد جدواه ولم يعد يثير اهتمامها بعد أن بان زيفه.

الاخوان السباقون في خدمة من يدفع ويحمي وجدوا أنفسهم خارج سياق معادلة الإرباك الجديدة التي تريد واشنطن تمريرها دون ضجة ولا تريد التورط والاستثمار مجددا في الفشل بعد تهاوي الأدوات التي راهنت عليها بأن تكون صانعة ومحققة مشروعها في المنطقة، وهذا يظهر جلياً في التجاهل العلني لكل ماله علاقة بالجماعة التي قبعت بين إسطنبول والدوحة تجمع شتات فشلها وتحضر حروب زعامتها حول منصب المرشد العام الذي انقسموا حوله.

حدود الرهان:

إعادة خلط وتدوير ورقة الفوضى عبر داعش والجماعات الإرهابية الأخرى في شمال وشرق سوريا وتمددها باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش العربي السوري والحكومة الشرعية عبر بوابة الإرهاب سيخلق مساحة جديدة لمواجهة القوة الروسية المتمددة في المنطقة، ويفرض عليها وعلى حلفائها الميدانيين معركة استنزاف ليس لها أهداف استراتيجية، بل تقوم على عاملي الإقلاق وتشتيت الاهتمام والإنكباب على معالجة الأزمة وتطويقها، على أمل إعطاء إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مساحة من الوقت للتركيز على تداعيات فشل سياسيات الإدارات الأمريكية المتعاقبة في الحرب على الإرهاب وفي استغلال الجماعات الإرهابية لتغيير الواقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبر ما اصطلح على تسميته “الربيع العربي” وباء بالفشل.

المصادر والمراجع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* 1 ـ بيان اجتماع وزراء خارجية المجموعة المصغّرة من التحالف الدولي لهزيمة داعش 30 مارس 2021، الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية.

* 2 ـ أزمة كازاخستان وتداعياتها الإقليمية و الدولية ـ 14 يناير 2022 مقال توفيق المديني موقع المجد.

* 3 ـ واشنطن وضعت 8500 عسكري في حالة تأهب بسبب الأزمة الأوكرانية ـ وكالات الأنباء 25 يناير 2022 اندبندنت عربية

 

باسل ترجمان

خبير مشارك بالمركز: الكاتب، هو صحفي تونسي، وخبير وباحث في شؤون الجماعات الإرهابية والحركات المتطرفة، له العديد من التحليلات في كثير من الصحف والمواقع ومراكز الدراسات العربية، وهو محلل سياسي في المحطات التلفزيونية والإذاعية العربية والعالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى