ارتدادات مقتل “القرشي” على داعش

“لا خلافة إلا في قريش”.. بهذا المعنى ورد كثير من الأحاديث في كتب البخاري ومسلم وغيرهما يجعلان أن لا حكم خارج هذه الأحاديث التي نقلوها عن الصحابة، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: “لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان”، عن معاوية قال: قال رسول الله: “إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين”.

عكست القضية التي غابت عن اهتمامات الكثيرين بعد سقوط السلطنة العثمانية 1924 والتي لم يحمل أي من سلاطينها لقب الخليفة أزمة مزمنة في عمل ومنهجية الجماعات السلفية الجهادية، وفجرت فتنة وحروب مازالت مستمرة بين تنظيم القاعدة وتفرعاته وبين جماعة داعش بعد أن[i] بايع أسامة بن لادن الملا عمر زعيم جماعة طالبان خليفة للمسلمين إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وكانت البيعة أحد أسباب رفض الملا عمر تسليم بن لادن للأمريكيين.

أثارت هذه البيعة في أوساط الجماعات السلفية الجهادية المرتبطة بالنص وبحذافيره انقسامات قادت لظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق [ii] بعد رفض أمير تنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي الالتزام بالولاء لقيادة الجماعة التي نقضت عهد الله ورسوله.

معضلة قريش:

طوال قيادته للتنظيم في العراق أبو مصعب الزرقاوي أميرا للجماعة وبعد نقضه عهد تنظيم القاعدة أسس تنظيم التوحيد والجهاد والذي بقي قائدا له حتى مقتلة بغارة أمريكية في 7 يونيو 2006 كانت نقطة خلاف أساسية بين الزرقاوي وبن لادن تتمحور في موضوع البيعة والتي أسست لخروج فكرة الدولة الإسلامية في العراق حينها.

مع تحول الجماعة إلى الدولة الإسلامية في العراق كانت أحد المواضيع الأساسية التي فرضت نفسها في سياق الفهم السلفي للجماعة اختيار الأمير من قريش فكانت البداية مع زعيمها أبو بكر البغدادي القرشي والذي بقي زعيما للتنظيم لحين مقتله في سنة 2018 وأخيرا أبو إبراهيم القرشي الذي [iii] قتل يوم الخميس الثالث من فبراير 2022 في غارة نفذتها وحدة نخبة من القوات الأمريكية في ريف مدينة الدب شمال شرق سوريا.

بمقتل القرشي يصبح تنظيم داعش الذي كان من أسباب انشقاقه عن تنظيم القاعدة ونقض البيعة نسب الخليفة الملا عمر ثم من تبعه من خلفاء طالبان عدم التزام القاعدة بمنهج السلف في إجبارية بقاء الخلافة في قريش وما سيسببه ذلك للتنظيم من إرباك في البحث عن الخليفة القرشي الجدي ليكون زعيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وامتداداتها.

ارتداد الضربة:

منذ انطلاق عمل الجماعات الجهادية كان مقتل أو سجن قياداتها وغيابهم أو اختفائهم قضية تعاطت معها الجماعات ضمن منهجية تفكيرها باعتبارها شهادة في سبل الله والوقوع في يد الكفار ابتلاء، ووضعت التصورات والآليات لكل احتمالات حدوث ذلك، ورغم المعلومات المتاحة على آليات عملها ووسائل تجنيدها وتواصلها فما زال الكثير من تفاصيلها يكتنفها عدم التفكيك بسبب اختلاف آليات التواصل ومنهجية التراسل وتبادل المعلومات داخل هذه الجماعات بسبب عدم معرفة مصادر ومناهج التربية الفكرية التي تدرس لعناصرهم انطلاقاً من مناهج وفكر ومنشورات السلفية الجهادية.

مقتل أبو إبراهيم القرشي لن يغير في عمل داعش ومخططاتها خاصة وأنها دخلت مرة جديدة في مرحلة إعادة التأسيس بعد الهزائم والانكسارات التي لحقت بها وهذه المرحلة تتميز بعدم المجازفة في فتح معارك وجبهات مع الأعداء الكثر في مناطق تواجد الجماعة بين سوريا والعراق والتي صار لها فيها امتداد بعد ما يقارب العشرين سنة من انتشارها فكرا وممارسة لدى من يرون في هذه الجماعة نجاة من المآسي التي يعيشون فيها.

رسائل الفعل:

مقتل أبو إبراهيم القرشي زعيم داعش يضعها أمام تحد جديد يخرج من نطاق الانتقام أو الثأر لمقتل زعيمها إلى محاولة إثبات قدرتها على التأقلم مع الظرف والانتقال مرة أخرى إلى إثبات الحضور الفاعل في مواجهة الأعداء الذين تكفرهم جميعاً دون استثناء وهذا سيخلق مساحة من الخيارات الاستعراضية للجماعة لتنفيذها لإثبات أن مثل هذه العمليات الاستعراضية ترضي غرور قوات التحالف الدولي وقادة الولايات المتحدة التي يعتبرونها ضمن مسار نجاحات قواتهم في مواجهة الجماعات الإرهابية والتصدي لها،بالرغم من أن ذلك لم يثبت فاعلية تذكر في إضعاف هذه الجماعات أو تفكيك قدراتها عبر تصفية كبار قياداتها.

البحث عن الانتقال من رد الفعل الذي تتوقعه وتتحسب له قوات التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب المتمركزة في شمال شرق سوريا وحلفائها في المنطقة بينما ستحاول داعش إثبات قدرتها على الفعل وليس رده تماما مثلما فاجأ الهجوم على سجن الغويران قوات سوريا الديمقراطية فإن داعش سيحاول صناعة المفاجأة خارج توقعات من ينتظرون ردود الفعل لأن الرد مهما كان صاعقاً يأتي في إطار التحرك الذي فرضه هجوم القوات الأمريكية ومقتل زعيم الجماعة، ويفقد صناعة الصدمة والرعب الذي تعتمده لإرهاب أعدائها وإخافة من يواليها أثرها في المعركة.

ويمكن الاعتقاد أن الفعل الذي ستقوم به داعش في المرحلة القادمة لن يتوقف عند حدود جغرافية المكان بين سوريا والعراق التي ستكون ساحة عمل استعراضي يحقق جملة مكاسب أمام أعدائها وداخل قواعدها ومن يرتضون بحكمها جراء الأمر الواقع الذي فرض عليهم، ولإثبات طول اذرعها الجهادية فإن العمليات الفردية التي يقوم بها مبايعون للجماعة دون أن يكون لهم ارتباط أو انتماء مباشر وجلهم في مناطق ودول بعيدة لا وجود للتنظيم بها ولكن ارتباطات فردية وليست عنقودية للجماعة وسبق لهؤلاء أن نفذوا عمليات مثل الدهس والطعن بمبادرة فردية ونجحت في تحقيق أهدافها خاصة دول الاتحاد الأوروبي ستكون حاضرة في المرحلة القادمة.

في انتظار الإعلان عن اسم زعيم الجماعة  ورؤيته التي سيصدرها دون استعجال وبعد نيل البيعة من أمراء شتات مجموعاتها المنتشرة في كثير من المناطق يصبح إدارة آليات الصراع القادم وعدم انهيار التنظيم رغم كل الضربات التي تلقاها وضعف موارده بعد تفكيك أدوات حكمه واحدة من أهم النقاط التي سيعمل عليها وبقدر الاهتمام بتفاصيل بعيدة عن المنحى العسكري التحدي الأول للقوى المناهضة لداعش وعدم إعطاءه فرصة إعادة بناء منظومة إدارة شؤون التنظيم لا تقل أهمية عن مواجهته الميدانية لأن داعش الفكرة أخطر من داعش الذراع المسلح والذي تم ضربه وتفكيكه عدة مرات لكن التنظيم بقي وفكر الجماعة الإرهابية.

معارك السلفية الجهادية:

داعش وغيرها من الجماعات المنتمية لفكر السلفية الجهادية التي تنهل مما تعتبره إرث الأمة الإسلامية وسيرتها الصحيحة تستمر في إعادة إنتاج أجيال جديدة من المتطرفين في ظل غياب لمواجهة حقيقية لهذا الفكر خارج الحل العسكري والأمني وفي غياب كامل لآليات تحصين المجتمعات القابلة للاختراق الفكري من ما تحاول هذه الجماعات بثه باعتباره رواية الإسلام الصحيح.

تخلي كل الأطراف عن دورها في تحصين المجتمعات وترك الساحة للحلول الأمنية والعسكرية أعطى هذه الجماعات وأولها داعش مساحة كبيرة للانتشار والاستقطاب في ظل عدم الرغبة بتحصين المجتمعات من امتداد هذا الفكر ومن خلق آليات مواجهة فكرية تبدو عسيرة على بعض الأطراف التي تتحاشى مواجهة عقائدية مع السلفية تقود لعملية تجديد للفكر الديني تقطع وتطهر ما يعتبرونه السائد في هذه المنظومة.

. ـ الظواهري يبايع الملا أختر منصور زعيم حركة طالبان الجديد ـ موقع فرانسا 24 ـ 14 اوغست 2015 [i]

. طالبان: ما مصير البيعة التي تربط تنظيم القاعدة بالحركة؟ موقع هيئة الاذاعة البريطانية بالعربي ـ 10 سبتمبر 2021[ii]

. ـمن هو زعيم تنظيم الدولة أبو إبراهيم الهاشمي القرشي؟ وكالات الانباء ـ موقع بكرا 3 ـ فبراير ـ 2022[iii]

باسل ترجمان

خبير مشارك بالمركز: الكاتب، هو صحفي تونسي، وخبير وباحث في شؤون الجماعات الإرهابية والحركات المتطرفة، له العديد من التحليلات في كثير من الصحف والمواقع ومراكز الدراسات العربية، وهو محلل سياسي في المحطات التلفزيونية والإذاعية العربية والعالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى