حراك الشيخ جراح وتداعياته

اندلعت الاشتباكات بين عناصر الكيان الإسرائيلي بمعداتهم وإمكانياتهم الضخمة وبين المواطنين الفلسطينيين بإرادتهم الأقوى علي أثر محاولة هذا الكيان تهجير قاطني حي الشيخ جراح في القدس والاستيلاء علي منازلهم استكمالا لتغيير هوية القدس واكتمال عبرانيتها.

وقد صدح صوت المستغيثين في ذلك الحي حتى سمع في كل البقاع العربية فهبت حركات المقاومة في غزة في محاولة للتعبير عن وجودها برجم الأراضي المحتلة،  خاصة في عسقلان، ومدن الجنوب بصواريخها العباس والقسام والأقصى المحدودة كما وكيفا، وقد حققت تلك الأصوات إصابات في البشر والحجر أدت إلي إحداث حالة من الهلع داخل إسرائيل حتى تحولت أغلب المدن التي وقعت في مرمي تلك الصواريخ إلي ملاجئ كبري، مما زاد الضغط علي الحكومة الإسرائيلية، فحاولت ضرب أهداف في غزة أغلبها مدنيا كالعادة بتصرفات تشبه الهستريا نتيجة هذا الهلع الشعبي وكذلك لتشعب الاحتجاجات العربية داخل المدن الإسرائيلية التي كانت تراها قد استكانت، حيث خرج عرب 48 في تظاهرات واعتراضات أكدت علي هوية الأرض والإنسان وأنها مازالت عربية

الدور المصري:

لقد كان الموقف المصري، هو الأسرع والأقوى، بل أنه كان الوحيد الذي تصدي للحدث منذ اندلاعه, ولم يكن التعامل المصري القوي والمختلف مع الحدث، وذلك يرجع إلي أن مصر تري في قطاع غزة والأرض المحتلة حداً للأمن القومي المصري, فهناك دول أخرى للطوق تتماس حدودها أيضا مع الكيان المحتل، ولم يزل صوتها غير مسموع, لكن مصر تحركت بوصفها الدولة العربية الأكبر والدولة الشرق أوسطية الأقوى والمنوط بها حفظ الاستقرار في المنطقة وكذلك المنوط بها صيانة الأمن القومي في مجمله.

فبمجرد اندلاع الموجهات أرسلت القاهرة وفد استخباراتي إلي الداخل الإسرائيلي للالتقاء بنظرائه الإسرائيليين لتحقيق التهدئة, وطلبت مصر الهدنة بين الأطراف, إلا أنه وقد أسلفنا بأن الوضع كان قد أصاب النظام الإسرائيلي بحالة من الهستيريا، فقد رفضت الطلب المصري بتحقيق الهدنة, فانسحب الوفد المصري تاركا عدة تحذيرات ومتخذنا قرارات أدت بالفعل لعملية إفاقة للنظام الإسرائيلي ليبصر لما هو مقدم عليه وما قد تؤل إليه الأمور, ولعل أهم ما اتخذته مصر للتعامل مع الرفض الإسرائيلي، هو كالتالي:

  • تحذير شديد للكيان الإسرائيلي من مغبة التفكير في الاجتياح البري للقطاع، حيث أن هذا من شانه إشعال الاحتجاجات في الشارع العربي والإسلاميـ وخاصة بعد ما حاولت بعض الجماهير العربية اجتياز الحدود للولوج إلي العمق الإسرائيلي لنصرة بني عقيدتهم.
  • أيضا تحذيرهم بأن الاجتياح البري لن يكون كما كان في الماضي، فالوضع علي الأرض قد اختلف.
  • تعليق العمل في بعض الملفات الهامة، خاصة الملفات الأمنية، والتي تعي إسرائيل أهميتها.
  • فتح معبر رفح علي مصرعية رغم إلحاح إسرائيل في طلب إغلاقه.
  • إدخال سيارات الإسعاف المصرية تجوب القطاع لنقل الجرحى للمستشفيات في شمال سيناء, وقد أعتلي هذه السيارات العلم المصري وإكسابها الصفة العسكرية والتحذير من استهدافها.
  • إنشاء مستشفي ميداني في شمال سيناء، وتسخير كافة إمكانيات الدولة الطبية لعلاج الجرحى والمصابين.
  • تغيير الخطاب المصري وإعطاء مساحة إعلامية رسمية لتوصيل الرأي الشعبي وإعلان رفضه لما يتم وتخندق الرأي الشعبي مع نظامه. وقد عبرت عن ذلك خطبة الجمعة الرسمية من الجامع الأزهر بوصفة أعلي منبر سني في العالم, وهو ما زاد اللهيب الشعبي، خاصة في دول الطوق فخرجت الجماهير محاولة اختراق الحدود في رسالة أخرى هامة مفادها أن المنبر المصري مازال يملك أدوات الحركة في الشارع العربي.
  • أدت تلك التصرفات المصرية المؤثرة إلي بث حالة من الحذر الإسرائيلي من أن تغرس في وحل اجتياح القطاع, وتطور الوضع جماهيريا لدي دول الطوق فتراجعت محاولة التواصل مع الوفد المصري الذي وحسب ما تم تسريبه أن عناصره قد أغلقت هواتفهم عن التواصل لمدة 48 ساعة مع عناصر المخابرات الإسرائيلية حتى أعطت ضمانات الموافقة علي الطلبات المصرية.

انعكاسات الأحداث:

(*) إسرائيليا: انهار مع هذا الحدث، وخاصة تجاوب الشارع العربي معه حلم السلام الإبراهيمي وقد تبددت مليارات الدولارات التي أنفقتها بعض الدول العربية التي اشتركت فيه، وكذلك التي أنفقتها إدارة ترامب في محاولة دعمه. كما تم إعادة إحياء القضية الفلسطينية وبقوة وإعادتها مرة أخري كقضية مركزية للعالم العربي والإسلامي. هذا بالإضافة إلى تأكيد فشل القبة الحديدية التي تهاوت إمكاناتها أمام مجموعة من الصواريخ البدائية، والتي تغنت بها إسرائيل بطريقة أسالت لعاب عدد من الدول العربية فسعوا لاقتنائها ونظن أنهم سيتراجع بعد هذا الفشل الذريع.

كما ضاعت سمعة السلاح الإسرائيلي، الذي حقق مكاسب ضخمة محققاً مركز متقدم عالميا خلال السنوات القليلة الماضية، حيث احتل المركز الثامن عالميا في تصدير السلاح. بل تيقنت إسرائيل، وبلا أدني شك من تعمق القضية الفلسطينية في نفوس الجماهير العربية مهما طال الزمن وأنها قضية تتوارثها الأجيال العربية جيلا بعد جيل.

(*) مصريا: أكدت تلك الأحداث علي أهمية الدور المصري بوصفة الضمانة الوحيدة والقوية في المنطقة، والقادرة علي صيانة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن  خطة السلام الإبراهيمي والتي استهدفت تحجيم الدور المصري وتفريغه، حيث فشلت تماماً، وظلت مصر كما هي الدرع العربي القوي والملجأ المتسع لهم، والقادرة وحدها على أن تكون ضمانة الأمن للجميع.

كذلك أدت الأحداث والتحول القوي المعلن في الموقف المصري الرسمي المتسق مع الموقف المصري الشعبي، وكذلك ما سبقه من حادث إغلاق قناة السويس، إلي التأكيد على أن مصر ما زالت وستظل صمام أمن واستقرار المنطقة، وما بها من مصالح تعني جميع القوي الإقليمية والدولية وأن أهميتها هذه تجعل استقرارها رقما يصعب تجاوزه في المنظومة الأمنية سواء لمنطقة الشرق الأوسط أو للمناطق الجيواستراتيجية التي ترتبط به.

في النهاية، يمكن القول إن الموقف المصري الذي تعامل بحرفية مع الاعتداء الإسرائيلي على غزة،  قد نال رضاء الجماهير العربية محققاً دعما ودفعاً عربيا قياسيا للقضية الفلسطينية، وكذلك أعطى درسا قاسيا للكيان الإسرائيلي بأن الدور المصري لم ولن ينتهي مهما تشعبت علاقاتهم في المنطقة، وكذلك محققا انطباعا دوليا علي أن مصر دولة لابد أن يعي الجميع مدي أهمية ضمان استقرارها وتداعياته علي المنطقة.

د. عبد الناصر مأمون

المشرف على وحدة الأمن الإقليمي -حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية كلية الدراسات الأفريقية العليا. -حاصل على ماجستير العلوم السياسية جامعة القاهرة. -باحث مشارك المؤتمر الدولى حول تحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا. -باحث مشارك في المؤتمر العلمي الدولي بجامعة القاهرة حول الأمن في أفريقيا. -محلل زائر في الشأن الأفريقي لدى العديد من القنوات الفضائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى