السفير المصري بواشنطن..واقع جديد لدولة متأصلة

اعتمدت القاهرة في ظل الإدارة الحالية، مبدأ الندية في كافة تعاملاتها في سياستها الخارجية, ولعل من أبرز تلك المواقف التي لفتت الانتباه بل وكانت رسالة واضحة البيان لباقي القوي الدولية التي تعاطى مع القاهرة- وهو موقف الإدارة المصرية في إدارة علاقاتها مع الادارة الأمريكية سواء السابقة أو الحالية علي وجه الخصوص.

 وكانت بداية التحول وضربة البداية من القاهرة وبخطوات معلنة بتنويع مصادر السلاح المصري أايضا حرية تحديد كمه ونوعه دون وصايا وكذا استيراد التكنولوجيا اللازمة للتصنيع العسكري, وهو ما حد ببعض المتابعين أن ينظروا إلى تلك الاستراتيجية الجديدة في إدارة العلاقات علي أنها بعث جديد للقاهرة من تبعية ظلت عقود لا تراوح مكانها ولكنها تتم وفق منهجية مدروسة ومتدرجة واحترافية في الوقوف علي الإمكانيات وحسن استغلالها, ولم تقتصر تلك الاستراتيجية علي تعاطي الإدارتين في حدود الجهات الأعلي، بل اتضح أنها كانت اجندة تشبعت بها منظومة إدارة الدولة ككل ويحملها كل سفير ورسول للقاهرة أينما حل.

لقد اعتادت الإدارة الأمريكية علي جل سفراء العالم وخاصة دول العالم الثالث ومنهم بالتبعية سفرائنا العرب أن يكونوا حاملي رسائل متبادلة ومكاتب رعاية لمصالح الجاليات ولا نغالي إن قلنا أنهم أحيانا كانوا مسئولين عن توصيل بعض التعليمات الصادرة من الإدارة الأمريكية , إلا أنهم لم يتفاجئوا كثيرا بالاستراتيجية المصرية الجديدة، والتي تأتي في إطار تحديث وجه وسيرة ومسيرة الدولة أمام العالم أجمع. فالندية التي اتخذتها القاهرة دينا ومذهبا في إدارة علاقاتها مع القوي الكبرى بصفة خاصة، والتي لخصت في القول ” بأننا نعلم مالنا وما علينا وسنحصل علي مالنا بقدراتنا وسنمنح ما علينا دون وصايا.. فمصر الحديثة أصبحت تقول ما تستطيع وتستطيع ما تقول، وهو ما عبر عنه سفير القاهرة في واشنطن محققا اختراقا قويا للمجتمع الامريكي علي المستوي الشعبي وعلي المستوي العسكري .

فقد أفردت مجلة فورين بوليسي الأمريكية الواسعة الانتشار والمعروفة بشدة تأثيرها علي الرأي العام الأمريكي، وكذلك مراكز صنع القرار عرض صفحاتها للمقال الذي خطه السفير المصري بواشنطن منذ أيام شارحا فيه خطورة سد النهضة وإدارته دون اتفاق ملزم, وكيف أن خطورته هذه ستطال بآثارها المصالح الأمريكية في المنطقة.

وعلى الرغم من أن كل هذا الكلام أصبح يقال ويعاد في كافة الندوات والمؤتمرات وحتي علي المقاهي، فإنه لابد أن نقف بمنتهي الانتباه أمام عنوان المقال، وهو” وحدها واشنطن تستطيع انقاذ مفاوضات سد النهضة الآن” والذي حمل الكثير من معاني الندية والوضوح، بل وقد تخطي حدود الدبلوماسية الرقيقة إلي دبلوماسية المكاشفة وانعدام المواربة فيما يشبة النداء والاتهام، وتنصيب الشهود.

 فقد وجه بهذا العنوان نداءا  إلي واشنطن بضرورة حلحلة هذا الملف حتي لايطال لهيب صراعه مصالح الكافة, وكذلك اتهمها أنها تستطيع الحل ولكن حتي الآن لا تريده ولا تكرس بحقوق الشعوب في الحياة دون صراع. وأيضا بذلك يكون قد نصب المجتمع الدولي والأمريكي بصفة خاصة شهودا علي السعي المصري الدؤوب والذي يستطيع قبل طرفة العين أن يزيل هذا السد، إلا أنه مازال يطرق كافة الأبواب سعيا خلف حل سلمي يضمن حقوق الكافة ويضمن أيضا استمرار الود والتآخي بين الشعوب، حيث أنهم- أي الشعوب لا تنسي كما قال الرئيس المصري حينما حدد الخط الأحمر في الملف المائي, وقد نبه السفير المصري الشعب الأمريكي إلي أن هذا الصراع إن اندلع سيكون مطية لقوي التطرف والإرهاب للعودة وبقوة الي عبثها الظلامي بمصائر الشعوب والأمم، وهو الأمر الذي ذاق من مراره المجتمع الامريكي حتي ارتوي.

 لقد وقف السفير المصري في جولة جديدة لتأكيد الحق المصري، سواء في طلب الحل السلمي وأيضا في حق الدفاع الشرعي عن مائة مليون نفس أمام قادة وأركان وطلاب كلية الحرب الامريكية, متناولا العلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية, وما يجب عليها بحكم مكانتها الدولية وأهمية علاقاتها ومصالحها في المنطقة أن تتدخل في ملف ذلك السد، الذي ناوشك أن يكون كارثيا,  وقد تباري وبحنكة في تحميل واشنطن مسئولية التراخي وعدم الاكتراث ما قد تؤل إلية الأمور إذا تركت هكذا دون اتفاق.

 وياتي اختيار ساحة كلية الحرب الأمريكية اختيارا موفقا بحكم ـأن المجتمع العسكري الأمريكي، هو بالضرورة من يدفع دوما ثمن البحث عن توفير الأمن والاستقرار للشعب الأمريكي وقد جاب الأرض شرقها وغربها من أجل ذلك، كما أنه سدد فاتورة غالية في مقابل تحقيق ذلك الهدف. لقد شرح السفير المصري الموقف المصري واستفاض متسائلا بلسان الحال ماذا كنتم فاعلون لو كنتم في موقفنا؟, حتي لا يتم تسويق الموقف المصري من المراكز المستأجرة لذلك بصيغة المعتدي, بل أنه بات في موقف يستوجب ويكفل له القانون الوضعي والإنساني الدفاع الشرعي عن حياة شعبة ومستقبل أجياله, وختم خطابه مؤكدا علي قدرة واشنطن علي دعوة الجميع إلي مائدة الاتفاق .

وفي النهاية … فقد نجحت الدبلوماسية المصرية في واشنطن ووفق استراتيجية مصر الجديدة أن تضع المجتمع الأمريكي أمام مسئوليته، وتنصبه شاهدا علي إدارته ومأربها في المنطقة، وكذلك شاهدا علي عدالة الموقف المصري وتأكيد حقه في الذود عن مستقبله، وكذلك أيضا فقد رسخت تلك المواقف الندية المصرية والقدرة علي الموتجهة والمكاشفة مع الغير حتي أمام شعوبهم.

 

د. عبد الناصر مأمون

المشرف على وحدة الأمن الإقليمي -حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية كلية الدراسات الأفريقية العليا. -حاصل على ماجستير العلوم السياسية جامعة القاهرة. -باحث مشارك المؤتمر الدولى حول تحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا. -باحث مشارك في المؤتمر العلمي الدولي بجامعة القاهرة حول الأمن في أفريقيا. -محلل زائر في الشأن الأفريقي لدى العديد من القنوات الفضائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى