ارتدادات محتملة.. كيف تعيد تحولات واشنطن وتل أبيب تشكيل الشرق الأوسط؟

لم تعد الانتخابات في واشنطن وتل أبيب مجرد منافسة بين أحزاب أو انتقال للسلطة من حكومة إلى أخرى، فما تشهده العاصمتان يأتي في لحظة استثنائية تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع الحروب المفتوحة والتوترات الإقليمية والتحولات الاقتصادية والصراع على النفوذ ومصادر القوة.
إن قراءة نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية بمعزل عن الحرب مع إيران ومستقبل القضية الفلسطينية وأمن الخليج والممرات البحرية تعني قراءة جزء من المشهد وإغفال الصورة الأكبر. نحن أمام مرحلة قد لا تقتصر نتائجها على تغيير الحكومات أو تعديل السياسات، بل قد تمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوة والتحالفات ومناطق النفوذ في الشرق الأوسط.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام شرق أوسط تتغير فيه الحكومات فقط، أم أمام منطقة يعاد فيها توزيع القوة والنفوذ؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في شكل النظام الإقليمي القادم؟ وأين تقف مصر في هذه المعادلة؟
حدود عادة رسم القرار الأمريكي:
أظهرت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في 3 نوفمبر 2026 تحولاً سياسياً مهماً، بعدما أُعلن عن فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونجرس، وهو ما يمثل ضربة سياسية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، ويفتح مرحلة جديدة من التوازن بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.
لكن الأهمية الحقيقية لهذه النتيجة لا تكمن في فقدان الجمهوريين للأغلبية وحده، بل في توقيت حدوثها والظروف التي أحاطت بها.
فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً داخلية مرتبطة بتكاليف المعيشة والتضخم والإنفاق الحكومي، كما أصبحت الحرب مع إيران أحد الملفات التي تثير نقاشاً واسعاً حول كلفة التدخل العسكري الأمريكي وحدود الانخراط في صراعات الشرق الأوسط.
وهنا تتداخل السياسة الخارجية مع حسابات الناخب الأمريكي، فالمواطن الذي يتأثر بارتفاع الأسعار وتكاليف الطاقة لا ينظر إلى الحرب باعتبارها قضية عسكرية بعيدة عن حياته اليومية، بل يسأل عن كلفتها وأهدافها والنتائج التي تحققها ومدى ارتباطها بالمصالح الأمريكية المباشرة.
ولا يعني فوز الديمقراطيين بالكونجرس أن الرئيس فقد صلاحياته الدستورية في إدارة السياسة الخارجية أو القيادة العسكرية، لكنه يمنح المعارضة أدوات تشريعية ورقابية ومالية يمكن أن تؤثر في قدرة الإدارة على تنفيذ برامجها.
ومن المتوقع أن تصبح ملفات التمويل العسكري والمساعدات الخارجية والعمليات العسكرية والاتفاقات الدولية موضع نقاش ومراجعة أكثر حدة.
وهذا يفرض على صانع القرار المصري والعربي إدراك حقيقة مهمة، أن الولايات المتحدة ليست قراراً واحداً يصدر من البيت الأبيض، بل منظومة مؤسسات ومصالح ومراكز تأثير تتغير موازينها وفقاً للظروف السياسية والانتخابية.
ومن ثم، فإن التعامل مع واشنطن يجب ألا يقتصر على التواصل مع الإدارة الأمريكية وحدها، بل ينبغي توسيع قنوات الاتصال مع الكونجرس والمؤسسات المعنية ومراكز البحث والرأي العام، بما يخدم المصالح المصرية والعربية.
انعكاسات تغير الحكومة في تل أبيب على العقيدة:
أفرزت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 مشهداً سياسياً معقداً، لم يتمكن فيه أي معسكر من حسم الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، حيث حصل حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو على 27 مقعداً، بينما لم يتمكن المعسكر المنافس بقيادة جادي آيزنكوت من ضمان أغلبية برلمانية مستقرة، رغم تقدمه في عدد التوصيات التي حصل عليها لتشكيل الحكومة.
وفي مشاورات تشكيل الحكومة، أوصى ممثلو كتل تضم 67 عضواً بتكليف آيزنكوت، مقابل 46 عضواً أوصوا بنتنياهو، وأعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج أنه سيحدد يوم الأحد 8 نوفمبر الشخصية التي سيكلفها بتشكيل الحكومة بعد مشاورات إضافية.
وتكشف هذه النتائج عن حالة انقسام داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، وعن صعوبة بناء ائتلاف مستقر في ظل تباين المصالح والمواقف بين الأحزاب الدينية والقومية والوسطية والمعارضة، لكن يجب التمييز بين ثلاثة أمور، هي:
١- نتيجة الانتخابات وتوزيع المقاعد.
٢- قدرة المرشح المكلف على تشكيل ائتلاف يمتلك أغلبية برلمانية.
٣- قدرة الحكومة الجديدة على تغيير السياسات الإسرائيلية الفعلية تجاه الملفات الداخلية والخارجية.
وهنا تكمن المسألة الاستراتيجية، فحتى إذا غادر نتنياهو رئاسة الحكومة، فإن ذلك لا يعني تلقائياً حدوث تحول جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو غزة أو الضفة الغربية أو الأمن الإقليمي، وقد تتغير طريقة إدارة الملفات دون أن تتغير الأهداف الاستراتيجية للدولة. لذلك ينبغي أن تنظر مصر إلى أي حكومة إسرائيلية قادمة من خلال مواقفها وقراراتها والتزاماتها الفعلية، وليس من خلال الأسماء أو الشعارات الانتخابية. والمعيار المصري يجب أن يظل واضحاً: احترام الحدود والالتزامات الأمنية، ورفض التهجير القسري، وعدم المساس بالحقوق الفلسطينية أو فرض واقع جغرافي وسياسي يهدد الأمن القومي المصري.
تغيرات الداخل على الحرب مع إيران:
لا يمكن فهم التحولات الأمريكية والإسرائيلية دون قراءة مسار الحرب مع إيران وتداعياتها على المنطقة، فالمواجهة لم تعد مجرد صراع عسكري بين أطراف محددة، بل أصبحت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة التزاماتها الخارجية وتحمل تكاليفها، كما أصبحت اختباراً لقدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الأمنية دون الانزلاق إلى استنزاف طويل. وقد أضافت الضربات الأمريكية المحدودة التي تحدثت عنها مصادر أمريكية على جزيرة قشم الإيرانية في 2 نوفمبر 2026 مزيداً من التعقيد إلى المشهد، في الوقت الذي تحركت فيه اتصالات دبلوماسية إقليمية لمنع استئناف العمليات العسكرية وإعادة الأزمة إلى مسار التفاوض. وهنا تظهر معضلة واشنطن، فالتراجع دون تحقيق الأهداف المعلنة قد يفسر باعتباره إخفاقاً استراتيجياً، والاستمرار في المواجهة قد يرفع الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويزيد الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية.
أما إسرائيل فتنظر إلى الملف الإيراني من زاوية أمنية ترتبط بالقدرات الصاروخية والنووية الإيرانية وبشبكة النفوذ الإقليمي لطهران وقدرتها على التأثير في أكثر من ساحة، لكن المصالح الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة بالضرورة في جميع التفاصيل، فقد تختلف الحسابات بشأن أهداف الحرب ومدتها وحدود التصعيد وشكل التسوية الممكنة.
وهذا الاختلاف المحتمل لا يعني حدوث قطيعة بين الطرفين، لكنه يفتح مجالاً مهماً أمام الدبلوماسية الإقليمية لمتابعة حدود التوافق والاختلاف والعمل على منع تحول المواجهة إلى حرب أوسع.
أما إيران فتواجه بدورها معادلة معقدة، فهي تسعى إلى الحفاظ على قدرتها الردعية وتثبيت نفوذها الإقليمي ومنع فرض ترتيبات تنتقص من مصالحها، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن استمرار الحرب يفرض عليها كلفة اقتصادية وعسكرية وسياسية متزايدة.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه هنا هو: هل تنتهي المواجهة بتسوية تعيد ضبط قواعد الاشتباك، أم تتحول إلى صراع طويل يستنزف أطرافه ويهدد استقرار المنطقة؟
لا توجد إجابة محسومة حتى الآن، لكن المؤكد أن أي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير للقدرات والنوايا قد يفتح الباب أمام تصعيد لا يستطيع أحد التحكم في مداه.
التداعيات على الأمن الاقتصادي (الممرات البحري):
تتجاوز تداعيات الحرب مع إيران حدود الدول المتحاربة لتصل مباشرة إلى أمن الخليج والطاقة والملاحة الدولية، فمضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً لتجارة النفط والغاز، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس على الأسواق العالمية وتكاليف الطاقة والتأمين والنقل.
وفي الاتجاه الآخر، تظل منطقة البحر الأحمر وباب المندب ذات أهمية استراتيجية بالغة، فاضطراب الملاحة في هذه المنطقة يؤثر في حركة التجارة بين الشرق والغرب، وفي قناة السويس، وفي سلاسل الإمداد الدولية.
وهنا تتضح الصلة المباشرة بين الأمن البحري والأمن الاقتصادي المصري، فمصر ليست بعيدة عن تداعيات أي تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر، بل تتأثر حركة تجارتها وموانئها وعائدات قناة السويس وتكاليف استيراد الطاقة والسلع الأساسية بما يحدث في هذه الممرات.
كما أن التصعيد في اليمن والتهديدات المرتبطة بالملاحة لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن أمن السعودية ودول الخليج وأمن البحر الأحمر بأكمله.
ومن ثم، فإن حماية الممرات البحرية يجب أن تتحول إلى أولوية عربية مشتركة تقوم على التنسيق السياسي والأمني وتبادل المعلومات وتطوير القدرات البحرية وحماية حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي.
القضية الفلسطينية في سياق نظام إقليمي جديد:
لا يمكن الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط دون وضع القضية الفلسطينية في قلب المعادلة، فالمواجهة الإقليمية قد تتوقف أو تتراجع حدتها، لكن استمرار غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية سيبقي المنطقة معرضة لجولات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار.
وتواجه غزة تحديات تتعلق بوقف الحرب وإعادة الإعمار وترتيبات الإدارة والأمن ومستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية، بينما تظل الضفة الغربية معرضة لمخاطر التوسع الاستيطاني والإجراءات التي قد تقوض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وهنا يجب التمييز بين إعادة الإعمار باعتبارها عملية إنسانية وتنموية، وبين استخدامها لفرض ترتيبات سياسية أو أمنية لا تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني.
إن أي تصور لمستقبل غزة يجب أن يحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية ويراعي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويمنع تحويل القطاع إلى كيان منفصل أو منطقة خاضعة لسيطرة دائمة.
كما أن استمرار الضغوط والتهديدات المرتبطة بالتهجير يمثل خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، وليس مجرد قضية سياسية أو إنسانية.
وقد أثبتت التجارب أن تجاهل جذور الصراع لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل يؤجل الانفجار إلى مرحلة أخرى وبكلفة أكبر.
مصر من احتواء الأزمات إلى صناعة التوازن الإقليمي:
تمتلك مصر مقومات استراتيجية تجعلها طرفاً رئيسياً في أي تصور جاد لاستقرار الشرق الأوسط، فهي دولة محورية في القضية الفلسطينية، وتمتلك موقعاً جغرافياً يربط بين ثلاث قارات، وتشرف على قناة السويس والبحر الأحمر والمتوسط، كما ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع الولايات المتحدة والدول العربية والقوى الدولية.
لكن هذه المقومات لا تحقق أهدافها بمجرد وجودها، بل تحتاج إلى رؤية واضحة وقدرة على توظيفها في الوقت المناسب. وتتمثل الأولوية المصرية الأولى في حماية الأمن القومي والحدود الشرقية ومنع أي ترتيبات تفرض تهجير الفلسطينيين أو تنتقص من الحقوق الفلسطينية أو تخلق واقعاً جديداً يهدد استقرار سيناء.
أما الأولوية الثانية فتتمثل في دعم مسار سياسي جاد للقضية الفلسطينية يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويمنع استمرار دوائر الصراع.
والأولوية الثالثة هي تعزيز أمن البحر الأحمر والتعاون مع الدول العربية المطلة عليه لحماية الملاحة في باب المندب وقناة السويس.
أما الأولوية الرابعة فهي تنويع الشراكات الدولية، فالعالم لم يعد يتحرك وفق قطب واحد، ومراكز القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية تتعدد، ومن المهم أن تحافظ مصر على علاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى دون التفريط في استقلال قرارها الوطني. لكن الأهم من ذلك كله أن ترتبط السياسة الخارجية بقوة الداخل، فالأمن القومي لا يقوم على القدرات العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج ومؤسسات قوية ومجتمع متماسك وقدرة على مواجهة الأزمات.
إن المصنع والجامعة ومركز البحث العلمي والميناء وشبكة النقل ومؤسسات التعليم والصحة كلها عناصر في منظومة الأمن القومي.
حدود المكاسب.. ما الفرص والمخاطر محتملة؟
من الخطأ النظر إلى التحولات الحالية باعتبارها تهديدات فقط، فالأزمات قد تفتح فرصاً للدول التي تمتلك الرؤية والقدرة على التحرك، لكن تحويل الفرص إلى مكاسب يتطلب الاستعداد والتخطيط، والفرص المحتملة لمصر والمنطقة تتمثل في الآتي:
١- اتساع مساحة التحرك الدبلوماسي مع تغير التوازنات داخل المؤسسات الأمريكية.
٢- إمكانية الدفع نحو تسويات سياسية إذا ارتفعت كلفة المواجهة على الأطراف المتحاربة.
٣- تعزيز التعاون العربي في حماية الممرات البحرية وأمن الطاقة.
٤- جذب استثمارات وشراكات جديدة في مجالات الصناعة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
٥- إعادة تأكيد الدور المصري في الوساطة السياسية واحتواء الأزمات الإقليمية.
٦- توسيع مجالات التعاون الاقتصادي مع الدول التي تبحث عن مسارات أكثر استقراراً للتجارة والاستثمار. وتتمثل أهم المخاطر والتحديات المحتملة. فيما يلي:
١- اتساع الحرب مع إيران وتحولها إلى مواجهة إقليمية طويلة.
٢- تعرض الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز لاضطرابات جديدة.
٣- فرض ترتيبات سياسية أو أمنية في غزة لا تراعي الحقوق الفلسطينية والمصالح المصرية.
٤- تزايد الضغوط الاقتصادية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين.
٥- اتساع الاستقطاب الدولي بما يضع الدول العربية أمام ضغوط تتعارض أحياناً مع مصالحها الوطنية.
٦- تراجع فرص التنمية والاستثمار إذا استمرت المنطقة في حالة عدم اليقين.
والفارق بين الفرصة والخطر لا تحدده الأحداث وحدها، بل تحدده قدرة الدولة على الاستعداد واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
السيناريوهات الأربعة:
يمكن قراءة المرحلة المقبلة من خلال أربعة سيناريوهات رئيسية كالتالي:
١- استمرار إدارة الصراع: يقوم هذا السيناريو على استمرار التوترات دون التوصل إلى تسوية شاملة، وقد تتبادل الأطراف الضغوط والرسائل السياسية والعسكرية مع تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة، وتظل احتمالاته قائمة إذا استمرت الخلافات حول مستقبل إيران وغزة وتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
٢- تصعيد إقليمي محدود: قد تتوسع المواجهات في نطاقات محددة أو تتعرض منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية لمخاطر جديدة، وقد تسعى الأطراف إلى فرض قواعد اشتباك جديدة دون الدخول في حرب شاملة، لكن خطورة هذا السيناريو تكمن في أن التصعيد المحدود قد يخرج عن السيطرة نتيجة سوء التقدير أو اتساع نطاق الردود المتبادلة.
٣- تفاهمات سياسية وأمنية: قد تدفع الضغوط الداخلية والخارجية الأطراف إلى البحث عن تفاهمات تخفض التصعيد وتحمي المصالح الحيوية، ويمكن أن يشمل ذلك ترتيبات تتعلق بالملف الإيراني وأمن الخليج والملاحة ومستقبل غزة، لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب ضمانات واضحة وعدم تجاهل الحقوق الفلسطينية والمصالح العربية.
٤- إعادة تشكيل النظام الإقليمي: وهو السيناريو الأبعد والأكثر تأثيراً، فقد تقود التحولات الحالية إلى تحالفات وترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تعيد توزيع النفوذ في المنطقة، وقد تسعى بعض القوى إلى استثمار نتائج الحرب والانتخابات لفرض واقع جديد في مناطق النفوذ والممرات البحرية وأسواق الطاقة. وهذا السيناريو يتطلب من مصر متابعة دقيقة للتحولات والاستعداد للاحتمالات قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب التعامل معها.
ولا يمكن الجزم بتحقق سيناريو بعينه، لكن المؤشرات التي تستحق المتابعة تشمل قرار الرئيس الإسرائيلي بشأن تكليف تشكيل الحكومة ونتائج مفاوضات الائتلاف الحاكم ومواقف الكونجرس الأمريكي من الحرب والتمويل العسكري ومسار المواجهة مع إيران وحركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
دروس الاستراتيجية.. ما الذي ينبغي أن نتعلمه؟
هناك مجموعة من الدروس التي تفرضها التطورات الحالية، وهي:
١- لا تبنِ الدولة سياساتها على ردود الفعل، فالمتغيرات الدولية لا تنتظر حتى تكتمل الصورة، والاستعداد يبدأ من قراءة الاحتمالات وليس من انتظار وقوع الأحداث.
٢- التحالفات لا تغني عن القوة الذاتية، فالعلاقات الدولية مهمة، لكنها لا تضمن المصالح وحدها، وكل دولة تحتاج إلى امتلاك عناصر القوة التي تحمي قرارها الوطني.
٣- الأمن الاقتصادي جزء أصيل من الأمن القومي، فالإنتاج والتصنيع والتصدير وتوطين التكنولوجيا وتأمين سلاسل الإمداد تمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الخارجية.
٤- القضية الفلسطينية ليست ملفاً منفصلاً عن الأمن العربي، فأي تسوية تتجاهل الحقوق الفلسطينية لن تحقق استقراراً مستداماً.
٥- أمن الممرات البحرية مسؤولية استراتيجية مشتركة، فالتجارة والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد ترتبط جميعها باستقرار البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز.
٦- بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة، فالتعليم والصحة والبحث العلمي والوعي المجتمعي عناصر لا تقل أهمية عن أدوات القوة التقليدية.
توصيات استراتيجية للتحرك المصري:
أرى أن المرحلة تتطلب الانتقال من متابعة التطورات إلى بناء منظومة وطنية مستمرة للاستشراف والتحرك، ويمكن تحديد الأولويات في المسارات التالية:
١- تطوير منظومة الاستشراف الاستراتيجي: من خلال آلية متابعة مستمرة تضم الخبرات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية لرصد التحولات في الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتقدير انعكاساتها على المصالح المصرية.
٢- تعزيز التنسيق العربي: بشأن أمن البحر الأحمر والخليج والطاقة والملاحة وتطوير آليات تبادل المعلومات والتعاون البحري.
٣- حماية الثوابت المصرية والفلسطينية: رفض أي ترتيبات تفرض التهجير أو تنتقص من الحقوق الفلسطينية أو تهدد أمن الحدود المصرية.
٤- تنويع العلاقات الدولية: بناء شراكات متوازنة مع القوى الكبرى بما يحافظ على استقلال القرار الوطني ويعزز المصالح المصرية.
٥- تعزيز الاقتصاد المنتج: من خلال التصنيع والتصدير وتوطين التكنولوجيا ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر وتأمين سلاسل الإمداد.
٦- تطوير قدرات حماية الممرات البحرية: من خلال تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بأمن البحر الأحمر والموانئ والنقل البحري وحركة التجارة الدولية.
٧- الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا: من خلال ربط مخرجات الجامعات ومراكز البحوث باحتياجات الصناعة والطاقة والنقل.
٨- الاهتمام ببناء الإنسان: من خلال تطوير التعليم والصحة والوعي المجتمعي ورفع كفاءة المؤسسات وإعداد أجيال قادرة على التعامل مع تحديات المستقبل.
٩- تطوير الاتصال الاستراتيجي: لمواجهة الشائعات والمعلومات المضللة وتقديم خطاب وطني واضح يشرح تطورات الأحداث ويعزز ثقة المواطن في مؤسسات دولته.
في النهاية، مَن يمتلك القدرة على التأثير في الشرق الأوسط القادم؟ إن ما يجري في واشنطن وتل أبيب يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية، فنحن أمام مرحلة تتداخل فيها نتائج الانتخابات مع تداعيات الحرب مع إيران ومستقبل القضية الفلسطينية وأمن الخليج والممرات البحرية وموازين القوى الدولية. وقد تتغير الحكومات وتتبدل التحالفات وتتغير أدوات الضغط، لكن المصالح الوطنية للدول تظل هي المعيار الحقيقي الذي يجب أن يحكم مواقفها وتحركاتها. وبالنسبة لمصر، فإن التحدي لا يتمثل فقط في احتواء تداعيات الأزمات المحيطة بها، بل في امتلاك القدرة على التأثير في مستقبل المنطقة وحماية المصالح الوطنية والعربية. وهذا يتطلب الجمع بين قوة الردع وفاعلية الدبلوماسية وصلابة الاقتصاد وتطوير القدرات العلمية والتكنولوجية وتماسك الجبهة الداخلية.
إن مصر ليست مطالبة بأن تنخرط في صراعات الآخرين أو أن تختار بين أطراف المواجهة، بقدر ما هي مطالبة بأن تحمي مصالحها وتدافع عن ثوابتها وتعمل على منع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، فالدول التي تمتلك الرؤية لا تنتظر حتى تتشكل الخرائط ثم تبحث عن موقع لها فيها، بل تستعد مبكراً وتبني أدواتها وتشارك في صياغة مستقبلها.
فالشرق الأوسط القادم لن تصنعه نتائج الانتخابات وحدها، بل ستصنعه موازين القوة والقدرة على إدارة الصراع وامتلاك الرؤية، ومصر يجب أن تكون حاضرة في صياغة هذه الموازين، لا مجرد متلقية لنتائجها.