ترتيبات محسوبة.. ما موقع مثلث السلفادور في الحسابات الجزائرية والليبية؟

تكتسب منطقة مثلث السلفادور، الواقعة عند التقاء الحدود الليبية والجزائرية والنيجرية، أهمية متزايدة في الحسابات الأمنية والعسكرية لدول شمال أفريقيا والساحل، في ظل التحولات التي تشهدها الترتيبات الأمنية الإقليمية، وتراجع الوجود العسكري الغربي، وتصاعد التنافس على الممرات الصحراوية ومناطق النفوذ. ولم تعد أهمية المنطقة تقتصر على موقعها الجغرافي الذي يربط جنوب ليبيا بشمال النيجر وجنوب شرق الجزائر، وإنما تمتد إلى ارتباطها بشبكات العبور والتجارة غير الرسمية، وحركة الجماعات المسلحة، ومسارات تهريب السلاح والموارد العابرة للحدود، بما يجعل السيطرة عليها إحدى أدوات التأثير في التوازنات الأمنية والاقتصادية بالمنطقة.

وفي هذا السياق، شهدت الأيام الأخيرة من أكتوبر 2026 تحركات عسكرية ودبلوماسية متزامنة، بدأت بموافقة البرلمان الجزائري بالإجماع في 25 أكتوبر على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، قبل أن تعلن الرئاسة الجزائرية في اليوم التالي أن المهمة تستهدف حماية المصالح الاقتصادية ومنشآت الطاقة المشتركة، بناء على طلب من السلطات النيجرية. وفي 30 أكتوبر، أفادت وكالة رويترز بوصول قافلة عسكرية جزائرية إلى مدينة أرليت شمال النيجر، في أول انتشار بري لقوات جزائرية خارج البلاد منذ مشاركتها في حرب أكتوبر 1973، بينما تبرز قاعدة ماداما العسكرية، القريبة من الحدود الليبية، ضمن المواقع المستهدفة بالترتيبات الأمنية الجديدة.

وتزامن التحرك الجزائري مع تصاعد الاهتمام العسكري للقيادة العامة الليبية، بقيادة خليفة حفتر، بالمجال الحدودي الجنوبي الغربي، وخاصة منطقة مثلث السلفادور، في إطار مساعيها لتعزيز السيطرة على الممرات الصحراوية. كما شهد مطلع نوفمبر تطورا في العلاقات بين القيادة العامة الليبية والنيجر، بتوقيع بروتوكول للتعاون الاستراتيجي بين صدام حفتر ورئيس وزراء النيجر علي محمد الأمين زين، خلال زيارة الأخير إلى بنغازي، وهو ما يعكس اتساع نطاق التفاعلات الأمنية بين الأطراف المعنية بالمنطقة.

ويشير تزامن هذه التحركات إلى أن مثلث السلفادور لم يعد مجرد منطقة حدودية تتعلق أهميتها بمكافحة التهريب وضبط حركة الجماعات المسلحة، بل أصبح مجالا تتقاطع فيه حسابات حماية المصالح الاقتصادية، وتأمين ممرات الطاقة، وإعادة توزيع النفوذ العسكري والإقليمي.

وتأسيسا على ما سبق، يتناول التحليل دلالات إعادة التموضع العسكري الجزائري والليبي في المجال الحدودي، من خلال بحث دوافع التحرك الجزائري في النيجر، وحسابات القيادة العامة الليبية في تعزيز حضورها جنوبا، وانعكاسات ذلك على خرائط النفوذ والتنافس في منطقة الساحل والصحراء.

إعادة التموضع الجزائري:

تمثل الموافقة البرلمانية الجزائرية في 25 أكتوبر 2026 على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر تحولا لافتا في السياسة الأمنية الجزائرية، باعتبارها أول انتشار بري خارجي من نوعه منذ مشاركة القوات الجزائرية في حرب أكتوبر 1973. وتعكس هذه الخطوة توجها نحو تطوير أدوات التعامل مع التهديدات المحيطة، بالانتقال من الاعتماد على تأمين الحدود من الداخل، والالتزام التقليدي بعدم التدخل العسكري المباشر خارج الأراضي الجزائرية، إلى توظيف الوجود العسكري المحدود لحماية المصالح الاستراتيجية في دول الجوار.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها لم تأت في إطار تحرك ميداني منفرد، وإنما استندت إلى غطاء دستوري وسياسي، بعد حصول الرئيس عبد المجيد تبون على الموافقات البرلمانية اللازمة، وفقا للمادة 91 من الدستور الجزائري، التي تجيز إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج بعد موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان. وهو ما يعكس إعادة تقييم الجزائر لطبيعة المخاطر الأمنية المحيطة بها، وحدود الأدوات التقليدية المستخدمة في التعامل معها.

وفي 26 أكتوبر، أعلنت الرئاسة الجزائرية أن الانتشار يستهدف حماية المصالح الاقتصادية ومنشآت الطاقة المشتركة، استجابة لطلب السلطات النيجرية، دون الكشف عن حجم القوات أو المدة الزمنية للمهمة. ويمكن تحديد أبرز الحسابات الجزائرية المرتبطة بهذا التحرك فيما يلي:

(*) حماية المصالح الاقتصادية: يأتي تأمين الاستثمارات النفطية ومشروعات الطاقة في مقدمة دوافع التحرك الجزائري نحو النيجر، خاصة في ظل المصالح الاقتصادية المتنامية بين البلدين، وفي مقدمتها أنشطة شركة سوناطراك الجزائرية في مجال استكشاف النفط وتطوير مشروعات الطاقة.

وتتزايد أهمية النيجر في الحسابات الاقتصادية الجزائرية ارتباطا بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يستهدف نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الأوروبية والدولية. وتمثل النيجر حلقة جغرافية أساسية في مسار المشروع، بما يجعل استقرارها الأمني أحد المتطلبات الرئيسية لاستمرار التعاون الطاقوي بين الدول الثلاث.

وعليه، لا يمكن فصل الانتشار العسكري الجزائري عن التنافس على ممرات الطاقة الأفريقية، إذ إن حماية هذه المصالح لا تتعلق فقط بتأمين المنشآت القائمة، وإنما تمتد إلى توفير بيئة أمنية تسمح باستمرار الاستثمارات وتطويرها، خاصة في ظل التهديدات التي تواجه مناطق الساحل، وصعوبة تأمين المشروعات العابرة للحدود بالوسائل التقليدية وحدها.

(*) استعادة المجال الحيوي: يشكل التحرك الجزائري محاولة لاستعادة الحضور الاستراتيجي في منطقة الساحل، بعد سنوات شهدت تراجعا نسبيا في قدرة الجزائر على التأثير في الترتيبات الأمنية الإقليمية، خاصة عقب الانقلاب العسكري في النيجر عام 2023، وما أعقبه من توترات سياسية ودبلوماسية مع دول تحالف الساحل، تفاقمت إثر إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود الجزائرية في أبريل 2025.

غير أن التقارب الذي شهدته العلاقات الجزائرية والنيجرية خلال عام 2026 أتاح للجزائر إعادة تنشيط قنوات التنسيق السياسي والعسكري مع نيامي، بداية من زيارة الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في فبراير، وصولا إلى زيارة وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي للجزائر في أكتوبر، وتوقيع بروتوكول للتعاون العسكري بين البلدين.

وقد وفر هذا التقارب فرصة للجزائر لتوسيع أدوات تأثيرها في محيطها الجنوبي، خاصة مع تراجع الوجود العسكري الفرنسي والأمريكي في المنطقة، مقابل توسع الحضور الروسي عبر الفيلق الأفريقي. وفي ضوء هذه التحولات، تسعى الجزائر إلى استعادة موقعها باعتبارها فاعلا إقليميا قادرا على المساهمة في الترتيبات الأمنية لدول الساحل، وتقديم نموذج للتعاون العسكري يستند إلى المصالح المشتركة والتنسيق مع الحكومات المحلية، دون الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.

(*) مواجهة التهديدات العابرة للحدود: تفرض طبيعة التهديدات الأمنية في الساحل على الجزائر التعامل مع المجال الحدودي باعتباره شبكة مترابطة من مسارات الحركة والإمداد، وليس مجرد خطوط فاصلة بين الدول. فالنشاط المتزايد للجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، إلى جانب شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والوقود والبشر، يخلق بيئة أمنية يصعب احتواؤها من خلال الانتشار العسكري داخل الحدود الوطنية وحدها.

وتكتسب قاعدة ماداما العسكرية في شمال النيجر أهمية خاصة في هذا الإطار، نظرا إلى موقعها القريب من الحدود الليبية، وإشرافها على مسارات صحراوية تربط شمال النيجر بجنوب ليبيا. كما تزداد أهميتها لكونها منشأة عسكرية سبق أن استخدمتها القوات الفرنسية خلال عملية برخان، قبل انتهاء الوجود العسكري الفرنسي في النيجر عام 2023.

ومن ثم، فإن إعادة تفعيل القاعدة ضمن ترتيبات أمنية جديدة قد تمنح الجزائر فرصة لتعزيز قدرتها على مراقبة نطاق جغرافي يتجاوز حدودها المباشرة، ومتابعة حركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب على امتداد الممرات المؤدية إلى ليبيا، بما يسهم في تقليص المخاطر الأمنية قبل انتقالها إلى الداخل الجزائري.

حسابات ليبية:

تعكس التحركات العسكرية لقوات القيادة العامة الليبية، بقيادة خليفة حفتر، في المجال الحدودي الجنوبي الغربي، وخاصة محيط مثلث السلفادور، توجها نحو تثبيت السيطرة على هذه المنطقة، في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات الصحراوية باعتبارها نقاط اتصال بين ليبيا وعمق الساحل الأفريقي.

ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على مواجهة التهديدات الأمنية التقليدية، وإنما ترتبط بمحاولة إحكام السيطرة على مسارات الحركة العابرة للحدود، التي تتداخل فيها أنشطة تهريب الوقود والأسلحة والذهب والمخدرات، إلى جانب شبكات الهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة.

ويكتسب التحرك الليبي بعدا إضافيا في ضوء التطورات التي شهدتها العلاقات بين القيادة العامة والنيجر، حيث وقع صدام حفتر ورئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين بروتوكولا للتعاون الاستراتيجي خلال لقاء بمدينة بنغازي مطلع نوفمبر 2026، بما يعكس مساعي القيادة العامة لتوسيع قنوات التنسيق مع دول الجوار الجنوبي، وتعزيز موقعها ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة في منطقة الساحل والصحراء.

ويمكن قراءة أبرز الحسابات الليبية في هذا السياق على النحو التالي:

(-) تثبيت النفوذ في فزان: يمثل الجنوب الليبي أحد أهم مجالات النفوذ الاستراتيجي بالنسبة إلى القيادة العامة، ليس فقط بسبب امتداده الجغرافي واتصاله بالحدود مع النيجر وتشاد والجزائر، وإنما لارتباطه بمصادر الموارد ومسارات التجارة والتهريب، فضلا عن دوره في تأمين العمق الاستراتيجي لمناطق سيطرة القيادة العامة.

وقد أشار التقرير النهائي لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا، الصادر في 24 مارس 2026، إلى استكمال القوات المسلحة العربية الليبية إعادة هيكلة وجودها في جنوب البلاد بهدف تعزيز السيطرة على طرق التهريب. كما رصد التقرير تحول الأراضي الليبية إلى مجال لوجستي إقليمي لحركة المقاتلين والأسلحة والمواد العسكرية عبر الحدود، مع الإشارة إلى دور بعض التشكيلات المسلحة في تسهيل هذه التحركات.

وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى تعزيز الحضور العسكري في منطقة مثلث السلفادور باعتباره امتدادا لسياسة أوسع تستهدف إحكام السيطرة على الممرات الجنوبية، والحد من قدرة الجماعات المسلحة والشبكات غير النظامية على استغلال المساحات الصحراوية المفتوحة، إلى جانب تعزيز قدرة القيادة العامة على إدارة علاقاتها مع القوى المحلية في فزان، بما يدعم استمرار نفوذها العسكري والاقتصادي في المنطقة.

(-) موازين القوى الداخلية: لا يمكن فصل التحرك الليبي عن التنافس السياسي والعسكري داخل البلاد، إذ يشكل الجنوب الليبي ساحة تتداخل فيها حسابات القيادة العامة في الشرق مع تحركات حكومة الوحدة الوطنية في الغرب، إلى جانب نفوذ المكونات القبلية والجماعات المسلحة المحلية، وفي مقدمتها مجموعات التبو.

وفي هذا السياق، كشفت وكالة «أجينزيا نوفا» الإيطالية، في 16 أكتوبر 2026، عن اتصالات بين مسؤولين في طرابلس ومحمد ورداكو، أحد القيادات التباوية المناوئة لقوات حفتر في فزان، لبحث تقديم دعم محتمل لقواته. كما أشارت إلى طرح استخدام قاعدة ماداما في شمال النيجر كنقطة ارتكاز لتحركات عسكرية ليبية عبر الحدود.

وتكتسب هذه الاتصالات أهمية خاصة في ظل التحرك الجزائري نحو النيجر، إذ تشير إلى احتمال تقاطع الوجود الجزائري في ماداما مع حسابات أطراف ليبية متنافسة، وليس فقط مع مصالح القيادة العامة في الشرق، بما يفتح المجال أمام توظيف الترتيبات الأمنية الجديدة في النيجر ضمن الصراع الداخلي على النفوذ في الجنوب الليبي.

ومن ثم، فإن التحرك الجزائري، رغم ارتباطه المعلن بحماية المصالح الاقتصادية والأمنية، قد ينعكس بصورة غير مباشرة على التوازنات العسكرية في فزان، خاصة إذا سعت أطراف ليبية إلى الاستفادة من التغيرات في طبيعة الانتشار العسكري على الجانب النيجري من الحدود.

(-) التنافس على الممرات: يمثل مثلث السلفادور عقدة اتصال بين عدد من المسارات الصحراوية الممتدة من غات والعوينات والقطرون ومرزق وسبها، وصولا إلى منفذ التوم الحدودي مع النيجر، فضلا عن امتدادات هذه المسارات باتجاه تشاد.

وتسمح السيطرة على هذه الممرات بالتأثير في حركة الأفراد والموارد والتجارة العابرة للحدود، بما يجعل الانتشار العسكري وسيلة لتثبيت النفوذ الأمني والاقتصادي في الوقت نفسه.

وقد كشف تقرير فريق الخبراء الأممي بشأن ليبيا لعام 2024 عن وجود 17 مسارا دوليا للاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين عبر الأراضي الليبية، إلى جانب تحديد تسعة مسارات دولية جديدة تديرها شبكات تهريب وفاعلون مسلحون محليون، وهو ما يعكس اتساع الأنشطة غير النظامية وصعوبة الفصل بين التحديات الأمنية والاقتصادات غير الرسمية في الجنوب الليبي.

وعليه، فإن تعزيز قوات حفتر حضورها العسكري في المجال الحدودي قد يستهدف أيضا إحكام السيطرة على مصادر النفوذ والموارد المرتبطة بهذه المسارات، والحد من قدرة الأطراف المنافسة على توظيفها في بناء شبكات نفوذ مستقلة، خاصة في ظل الارتباط بين السيطرة الميدانية والقدرة على إدارة العلاقات مع الفاعلين المحليين وشبكات التجارة والعبور.

محددات التنافس ومسارات التحرك المقبلة:

تفرض التحركات العسكرية والدبلوماسية المتزامنة في المجال الحدودي لمثلث السلفادور إعادة تقييم طبيعة التفاعلات الجزائرية والليبية، خاصة أن انتقال الجزائر إلى توظيف الوجود العسكري خارج حدودها يتزامن مع سعي القيادة العامة الليبية إلى تثبيت نفوذها في الجنوب، ومحاولة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس توسيع حضورها داخل فزان.

ولا تعني هذه التحركات بالضرورة اتجاه المنطقة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنها تكشف عن تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية، بما يجعل مستقبل العلاقة بين الأطراف مرهونا بقدرتها على إدارة هذا التداخل، وتجنب تحول التنافس على الممرات الحدودية إلى صراع مفتوح على النفوذ. وفي هذا السياق، يمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة:

(*) التنسيق الأمني: قد يتيح تقاطع المصالح الجزائرية والليبية بناء ترتيبات أمنية غير مباشرة تستهدف مكافحة التهريب والجماعات المسلحة وتأمين الممرات الحدودية، خاصة أن الطرفين يمتلكان مصلحة مشتركة في منع انتقال الاضطرابات الأمنية من النيجر ودول الساحل إلى أراضيهما.

وقد تتخذ هذه الترتيبات شكل تبادل المعلومات والتنسيق بشأن مراقبة الحدود، دون الوصول بالضرورة إلى اتفاق عسكري معلن، بما يسمح للجزائر بتأمين مصالحها في النيجر، وللقوات الليبية بتعزيز سيطرتها على الجنوب، مع الحفاظ على استقلالية القرار العسكري لكل طرف.

غير أن فرص تحقق هذا المسار ستظل مرتبطة بطبيعة العلاقات السياسية بين الجزائر والقيادة العامة الليبية، ومدى قدرة الطرفين على الفصل بين متطلبات الأمن الحدودي والتنافس على النفوذ الإقليمي.

(*) التنافس على النفوذ: من المحتمل أن يؤدي الانتشار العسكري الجزائري، بالتزامن مع محاولات حكومة الوحدة الوطنية تعزيز حضورها في الجنوب الليبي، إلى تصاعد التنافس غير المباشر بين الأطراف المعنية، خاصة في ظل التقارب الجغرافي بين مناطق الانتشار المحتملة، وتداخل المصالح المتعلقة بالسيطرة على الممرات الصحراوية.

وتزداد احتمالات هذا المسار إذا اتجهت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس إلى استثمار الترتيبات الأمنية الجديدة في النيجر لتوسيع نفوذها داخل فزان، مستفيدة من علاقاتها مع بعض المكونات المحلية والجماعات المسلحة المناوئة لقوات حفتر.

وفي هذه الحالة، قد تتحول قاعدة ماداما من نقطة ارتكاز لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية الجزائرية إلى عنصر مؤثر في معادلات التوازن العسكري داخل الجنوب الليبي، بما يضع الجزائر أمام معادلة تتعلق بكيفية حماية مصالحها الاستراتيجية دون الانخراط في الانقسامات الداخلية الليبية.

كما أن توقيع بروتوكول التعاون الاستراتيجي بين القيادة العامة الليبية والنيجر يضيف بعدا آخر إلى هذه الحسابات، إذ يكشف عن سعي بنغازي بدورها إلى بناء قنوات مباشرة مع نيامي، بما قد يحد من قدرة أي طرف منفرد على احتكار التأثير في الترتيبات الأمنية للمنطقة.

(*) اتساع الالتزامات الأمنية: يرتبط هذا المسار بتطور التهديدات العابرة للحدود، ومدى قدرة السلطات النيجرية على فرض السيطرة على المناطق الشمالية، خاصة في ظل تعدد الجماعات المسلحة وتراجع فاعلية الترتيبات الأمنية السابقة.

فنجاح الانتشار الجزائري في حماية المنشآت الاقتصادية والممرات الاستراتيجية قد يفتح المجال أمام توسيع نطاق التعاون العسكري مع نيامي، والانتقال من مهمة محدودة إلى ترتيبات أكثر استمرارية، تستهدف تأمين المصالح المشتركة ومواجهة التهديدات المتصاعدة في المنطقة.

وفي المقابل، قد يؤدي استمرار نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب إلى زيادة الأعباء الأمنية والسياسية على الجزائر، بما يختبر قدرتها على التوفيق بين عقيدة عدم التدخل التقليدية ومتطلبات حماية مصالحها خارج الحدود، خاصة إذا ارتبطت هذه المهام بتطورات الصراع الداخلي الليبي أو بتحولات أوسع في موازين القوى داخل الساحل.

في النهاية، تكشف التحركات العسكرية والدبلوماسية الأخيرة في المجال الحدودي لمثلث السلفادور عن تحول في طبيعة الحسابات الأمنية لدول شمال أفريقيا والساحل، حيث لم تعد السيطرة على الحدود مرتبطة فقط بمكافحة التهريب ومنع تسلل الجماعات المسلحة، وإنما أصبحت جزءا من معادلة أوسع تتداخل فيها مصالح الطاقة، وإدارة الممرات التجارية، وإعادة تشكيل النفوذ العسكري والشراكات الأمنية.

وفي هذا الإطار، يعكس التحرك الجزائري نحو النيجر توجها لإعادة صياغة أدوات الحضور الإقليمي، عبر الانتقال من تأمين الحدود الوطنية إلى حماية المصالح الاستراتيجية خارجها، بينما تسعى القيادة العامة الليبية إلى تثبيت سيطرتها على الجنوب والحفاظ على الممرات التي تمثل أحد مصادر نفوذها العسكري والاقتصادي. وفي المقابل، تحاول حكومة الوحدة الوطنية توظيف علاقاتها مع الأطراف المحلية والإقليمية لتعزيز حضورها في فزان، بما يضيف بعدا داخليا إلى التنافس على المجال الحدودي.

ومن ثم، فإن مستقبل التفاعلات في مثلث السلفادور لن يتحدد بحجم القوات المنتشرة وحده، وإنما بقدرة الأطراف على إدارة التداخل بين المصالح الأمنية والاقتصادية، والتحكم في شبكات العبور والموارد، وبناء ترتيبات تحول دون انتقال التنافس الإقليمي إلى صراع بالوكالة داخل الجنوب الليبي. وتبقى قدرة الجزائر على حماية مصالحها دون الانخراط في الانقسامات الليبية، وقدرة القيادة العامة على تثبيت نفوذها دون الدخول في مواجهة مع الترتيبات الأمنية الجديدة في النيجر، من أبرز المحددات التي ستشكل موازين القوة في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى