كيف صنع الشيخ أحمد مرتضى جيلًا من المريدين الشباب؟

ربما لا تكمن الظاهرة التي تستحق التوقف عندها في تجربة الشيخ أحمد مرتضى في اتساع ساحته أو في أعداد الذين يقصدونها من الأقصر ومحافظات أخرى بقدر ما تكمن في طبيعة هؤلاء المريدين وأعمارهم، فمن يتابع مجالسه ومحاضراته يلاحظ سريعًا أن الشباب ليسوا مجرد جزء من المشهد، وإنما يمثلون كتلته الرئيسية، وأن شريحة واسعة من المؤيدين والمريدين تتراوح أعمارها تقريبًا بين 16 و40 عامًا، وهي ملاحظة تكتسب أهميتها إذا وضعناها في سياق أوسع يتعلق بعلاقة الشباب بالدين من ناحية، وبمحاولات التيارات الدينية السياسية استقطاب هذه الفئة من ناحية أخرى.
ولم تكن هذه الملاحظة بالنسبة لي وليدة متابعة حديثة؛ ففي عام 2018 زرت ساحة الشيخ أحمد مرتضى أثناء وجودي في الأقصر ضمن وفد تحرك من القاهرة للمشاركة في مؤتمر لدعم الرئيس عبدالفتاح السيسي، عُقد أمام ساحة سيدي أبي الحجاج الأقصري. وخلال الترتيبات الخاصة بالمؤتمر تحركت إلى ساحة الشيخ أحمد مرتضى، وهناك كان المشهد الذي بقي حاضرًا في ذهني حتى اليوم؛ فخلال لقائي بالشيخ كانت وفود من الشباب تتوافد تباعًا لمقابلته، وكانت الساحة مكتظة بهم بصورة لافتة، بما جعل السؤال عن سر هذا الالتفاف الشبابي حول الرجل حاضرًا منذ ذلك الوقت. لم يكن الأمر مجرد عدد كبير من الحاضرين في مناسبة دينية، وإنما بدت العلاقة بين الشيخ وهؤلاء الشباب أعمق من ذلك؛ حالة من القبول والثقة والقرب يصعب ألا يلاحظها من يوجد داخل الساحة.
والمثير أن ما شاهدته في 2018 لم يكن مشهدًا عابرًا فرضته مناسبة معينة، فالمصادر المتاحة عن الساحة في سنوات لاحقة تؤكد استمرار حضور الشباب وارتباطهم بها، وتشير إلى أن يومي الأحد والأربعاء يشهدان توافد طلبة العلم من أنحاء الأقصر ومن محافظات مجاورة للاستماع إلى القرآن ودراسة السيرة النبوية وسيرة الصحابة، كما تصف ارتباط الشباب بالشيخ وساحته بأنه ارتباط وثيق. وهنا تتأكد لنا دلالة مهمة؛ فما رأيته بنفسي قبل نحو خمس سنوات، وما تكشفه متابعة الساحة اليوم، يشيران إلى أن أحمد مرتضى لم يصنع حالة مؤقتة من الجذب، وإنما استطاع على مدى سنوات أن يحافظ على دائرة شبابية تتجدد من حوله.
وأرى أن نقطة البداية لفهم قوة تأثير أحمد مرتضى ليست في السؤال عما يقوله فقط، وإنما في السؤال الأكثر تعقيدًا: لماذا يقتنع به الشباب؟ ولماذا يستطيع الاحتفاظ بهم حوله؟ فهناك عشرات الشيوخ والدعاة الذين يستطيع الشاب الوصول إليهم بضغطة واحدة عبر هاتفه، ومع ذلك يختار هؤلاء الانتقال إلى الساحة والجلوس والاستماع والعودة مرة أخرى، بما يعني أن المسألة تجاوزت تلقي خطاب ديني إلى بناء علاقة بين الشيخ ومريديه، ثم بين المريدين بعضهم وبعضًا، حتى أصبحت الساحة نفسها جزءًا من هذه العلاقة.
ومن الواضح أن أحمد مرتضى نجح هنا في بناء ما يمكن وصفه بمجتمع ديني واجتماعي حوله، يجد فيه الشاب الشيخ والصديق والمجلس والانتماء في وقت واحد، ولذلك لا يصبح حضوره إلى الساحة مجرد حضور محاضرة، وإنما ممارسة اجتماعية وروحية تتكرر أسبوعيًا. وتأكد لنا هذه الملاحظة أن تأثير الرجل لا يقوم على الوعظ وحده؛ لأن الواعظ قد يجذب المستمع ساعة ثم تنتهي العلاقة بانتهاء المحاضرة، بينما ما نراه هنا هو انتقال من “الاستماع إلى الشيخ” إلى “الارتباط بالشيخ”، ومن حضور مجلس إلى الانتماء إلى محيط اجتماعي وروحي.
وبعمل مسح لصفحة الشيخ أحمد مرتضى على “فيسبوك”، ومتابعة طبيعة الحضور والتفاعل حول أنشطته، يلفت النظر مجددًا حضور العنصر الشبابي، سواء في المجالس أو اللقاءات أو الأنشطة المرتبطة بالساحة، وهو ما يتقاطع مع المشاهدة المباشرة التي خرجت بها من زيارتي لها قبل سنوات. ومن ثم لا يبدو الحديث عن تأثير أحمد مرتضى في الشباب قائمًا فقط على عدد من يحضرون محاضراته، وإنما على قدرته على تحويل هذا الحضور إلى حالة ممتدة من الثقة والارتباط.
وهنا تحديدًا تتشابك تجربة أحمد مرتضى مع قضية أكثر اتساعًا تتعلق بمواجهة “الأخونة”، لأن جماعة الإخوان فهمت مبكرًا أن استقطاب الشباب لا يبدأ بالسياسة، وإنما يبدأ بالإنسان، وبناء علاقة معه وإدخاله في دائرة اجتماعية تمنحه الصحبة والانتماء والشعور بأنه جزء من جماعة، ثم يأتي التكوين الفكري والتنظيمي لاحقًا. ومن ثم فإن مواجهة الأخونة لا يمكن أن تعتمد فقط على مهاجمة أفكار الإخوان أو كشف أخطاء التنظيم، وإنما تحتاج أيضًا إلى منافسته في المساحة التي اعتاد الدخول منها إلى الشباب.
وأرى أن أهمية تجربة أحمد مرتضى تظهر هنا تحديدًا؛ فهو يقدم للشاب، بصورة مختلفة تمامًا، بعض الاحتياجات التي حاول التنظيم الديني السياسي احتكارها طويلًا: الانتماء والقدوة والصحبة والهوية الدينية، لكنه يقدمها خارج البناء الحزبي والتنظيمي. فبدلًا من أن يتحول الدين إلى مدخل للسياسة، يصبح مدخلًا للأخلاق والسيرة والعلم وإصلاح النفس، وبدلًا من أن تكون الجماعة هي مركز العلاقة يصبح المجلس والساحة مساحة للاجتماع، وبدلًا من السمع والطاعة التنظيمية تتقدم علاقة روحية واجتماعية بين الشيخ ومريديه.
وهذا لا يعني أن هناك دراسة إحصائية تسمح بالقول إن أحمد مرتضى أدى بصورة مباشرة إلى انخفاض أعداد المنتمين أو المتعاطفين مع الإخوان في الأقصر أو جنوب مصر، فمثل هذا الحكم يحتاج إلى مسح ميداني مستقل، لكن ما يمكن قوله إن نجاح نموذج ديني في استيعاب هذه الكتلة من الشباب يضيق موضوعيًا المساحة التي تستطيع التنظيمات الدينية الحركة داخلها. فالشاب الذي وجد بالفعل دائرة تمنحه الانتماء الديني والاجتماعي، ووجد شيخًا يثق به ورفقة يرتاح إليها ومكانًا يعود إليه، يصبح أقل احتياجًا إلى البحث عن هذه الاحتياجات داخل تنظيم سياسي مغلق.
ومن الواضح كذلك أن قدرة الساحة على الاستيعاب لا تتوقف عند الشباب، فقد امتد نشاطها إلى ذوي الهمم من الصم والبكم، مع تخصيص جزء من اللقاءات لشرح ما يقدم فيها بلغة الإشارة، وهو ما يعكس تصورًا يقوم على توسيع دائرة المشاركة بدلًا من تضييقها. وهذه الجزئية ترتبط في تقديري بجوهر تأثير أحمد مرتضى؛ فالشاب أمام نموذج ديني يستوعب ولا يعزل، ويجذب ولا يصنف، ويقدم له مساحة داخل المجتمع بدلًا من أن يقنعه بأنه يعيش في مواجهة المجتمع.
وهنا أرى أن المقارنة مع الإخوان تصبح أكثر دلالة؛ فالأخونة في جوهرها تسعى إلى نقل الفرد من التدين العام إلى الانتماء الخاص، أي من كونه مسلمًا داخل المجتمع إلى كونه جزءًا من جماعة لها قيادتها وتراتبيتها ومشروعها السياسي، بينما يتحرك النموذج الصوفي في اتجاه مختلف، فيعيد مركز التدين إلى الفرد نفسه: أخلاقه وسلوكه وعلاقته بالله وبالناس.
ولذلك قد لا تكون مواجهة الإخوان بالفكر الصوفي مواجهة مباشرة أصلًا، وهذه ربما واحدة من أهم نقاط قوتها؛ لأن مواجهة التنظيم بخطاب سياسي مضاد قد تبقي الشاب داخل دائرة الصراع نفسها، أما تقديم تصور آخر للتدين فيغير الدائرة بالكامل. وهنا لا تقول للشاب فقط إن الإخوان خطأ”، وإنما تقدم له إجابة عملية عن السؤال الأصعب: إذا لم أنتم إليهم، فأين أجد الانتماء الديني والقدوة والصحبة؟
وتأكد لنا تجربة أحمد مرتضى أن المعركة الفكرية مع التنظيمات لا تبدأ عندما يصبح الشاب عضوًا فيها، بل قبل ذلك بسنوات، عندما يكون في السادسة عشرة أو الثامنة عشرة ويبحث عمن يسمعه، وعمن يثق فيه، وعن مجموعة يشعر معها بالأمان والانتماء، وعن معنى ديني يجيب عن أسئلته. وهنا تحديدًا تظهر أهمية الشريحة العمرية الممتدة تقريبًا من 16 إلى 40 عامًا التي تحيط بالشيخ؛ لأنها الشريحة نفسها الأكثر تعرضًا للاستقطاب الفكري والسياسي والرقمي.
ومن هنا أرى أن أحمد مرتضى لا يمثل مجرد شيخ لديه عدد كبير من المريدين، وإنما حالة تستحق الدراسة في كيفية صناعة التأثير الديني بين الشباب، وربما يكون السؤال الأهم ليس كم شابًا استطاع أن يجذبه إلى ساحته، وإنما ماذا كان يمكن أن يحدث لبعض هؤلاء الشباب لو لم يجدوا هذه المساحة؟ فالتنظيمات التي تنسب نفسها للإسلام ذورا وبهتانا تتغذى في جزء كبير من قدرتها على الاستقطاب من الفراغ؛ فراغ القدوة والانتماء والمعنى، وكل مساحة دينية معتدلة تستطيع أن تملأ هذا الفراغ تنتزع بصورة غير مباشرة جزءًا من المجال الذي تتحرك فيه تلك التنظيمات.

وإذا كان المشهد الذي رأيته في ساحة أحمد مرتضى عام 2018 قد بدأ بالنسبة لي بسؤال عن سر هذه الوفود الشبابية التي كانت تدخل إلى الرجل تباعًا، فإن استمرار الظاهرة بعد سنوات يجعل السؤال اليوم أكبر من شخص الشيخ نفسه: هل يمكن تحويل مثل هذه التجارب إلى أحد مسارات تحصين الشباب فكريًا؟ وهل يستطيع التصوف الاجتماعي المعتدل أن ينافس “الأخونة” على المجال الذي طالما اعتبرته الجماعة بوابتها الرئيسية للتجنيد؟