الشرق الأوسط الجديد.. قراءة في فخ إعادة التشكيل

عبد السلام فاروق.. صحفي وكاتب مصري
هل نحن إزاء مرحلة فاصلة في تاريخ المنطقة العربية، تختلف في جوهرها عما سبقها من صراعات؟ وهل هي معركة وجود تتعلق بطبيعة الدور العربي نفسه، أم أن ما نشهده مجرد فصل جديد في مسلسل طويل من التبعية والانهزام؟
هذه محاولة للإجابة عما نراه من تغيرات جذرية في مكانة المنطقة، التي لم تعد فاعلاً في صراعها، بل تحولت إلى مسرح مفتوح، أرضاً وسماء، تدار منه معارك الآخرين. لقد أصبح العربي، في هذا السياق، مشاهداً يتابع على هاتفه حروباً تشن في سمائه، وتتصدى لها أنظمة دفاع جوي في دول الجوار، وكأن المنطقة برمتها قد تحولت إلى مسرح عالمي للأحداث، سكانه جمهور متفرج يدفع التكاليف دون أن يكون له رأي في الإخراج أو السيناريو.
هذا الأمر هو في تقديري نتاج تراكمات عميقة، تتويجاً لمسيرة طويلة من فقدان البوصلة، ليس فقط على المستوى العسكري، لكن على مستوى الوعي والرؤية. اعتادت المنطقة لعقود أن تضع نفسها في موقع الضحية، أو أن تكتفي بدور المتفرج المحايد، حتى أصبح هذا الأمر جزءاً من تكوينها، فغاب عنها أنها إن لم تكن طرفاً فاعلاً في صناعة التاريخ، فإنها ستكون حتماً مادة قابلة للاشتعال في صراعاته.
الخطر المزدوج
المؤكد أن حصر التهديد الذي تواجهه المنطقة العربية في خطر واحد هو خطأ منهجي وسذاجة سياسية، خاصة أن الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط اليوم باتت أشبه بلوحة معقدة متداخلة الألوان. فمن ناحية، مثل المشروع الإيراني القائم على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ، تحدياً واضحاً لمفهوم الدولة الوطنية العربية. فتفكيك العراق، وإضعاف سوريا، والهيمنة على لبنان، والحرب في اليمن، كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية طهران التي لا تعترف بحدود الجيران. هذا المشروع استعماري في جوهره، لا يختلف عن غيره من المشاريع التوسعية إلا في الشعارات.
لكن الاعتراف بهذا الخطر لا يعني، كما يحاول البعض الترويج، التغاضي عن خطر آخر أقدم وأكثر رسوخاً. فإسرائيل، التي تضرب اليوم العمق الإيراني، هي نفسها التي اغتالت مشروع النهضة العربية، ولا تزال تحتل الأرض وتفرض واقعها على الفلسطينيين، وتسعى لتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” بوسائل أكثر تقدماً ودعم أمريكي لا يتزعزع.
نحن إذاً أمام معضلة مزدوجة خطر إيراني يفتت الدولة الوطنية، وخطر إسرائيلي يفتت الأمة. والمأزق العربي الحقيقي لا يكمن في وجود هذين الخطرين، بل في محاولة تحويلهما إلى خيار واحد. يعرض الأمر وكأنه قائمة طعام لا خيار فيها سوى الموت ذبحاً على يد الحرس الثوري، أو الموت خنقاً في أحضان الموساد. وهذا الابتزاز السياسي هو أخطر ما يواجه العقل العربي اليوم.
اقتصاد الصراع
ما نشهده من مواجهات صاروخية مباشرة هو فصل جديد من مسرحية أخرجتها واشنطن. إن استخدام الأجواء العربية منصة لإطلاق الصواريخ ومنصة لاعتراضها في آن واحد، هو إعلان صريح عن تحول السيادة العربية إلى سلعة في سوق الأمن الدولي. هنا يكمن ذكاء المخرج الأمريكي – الإسرائيلي، الذي يهدف إلى تعميق التبعية العربية. إنها معادلة “اقتصاد الأزمات” الكلاسيكية: خلق الفوضى وإشعال الصراعات لبيع الحماية والأسلحة الباهظة الثمن، ليس مقابل المال فقط، بل مقابل التنازل عن السيادة والتطبيع.
لقد نجحوا في إعادة تشكيل وعي المواطن العربي تجاه الصراع. فبينما كان سقوط صاروخ على أي دولة عربية يقرأ أمس في سياق العدوان على الأمة، ها هو اليوم سقوط صواريخ على “تل أبيب” في سماء عربية يصبح مجرد مشهد جانبي في مباراة إقليمية كبرى. النجاح الحقيقي لهذا المشروع هو تحويل العرب من فاعلين إلى مشاهدين، يتفرجون على صراع إيران وإسرائيل وتركيا، ويدفعون الثمن بصمت.
وهم الأمن المستعار
هذا الارتباك أنتج لنا في الساحة العربية فئتين، كلتاهما تعيش على وهم. الأولى تراهن على المنتصر، وتعتقد أن قوتها في الاصطفاف إلى جوار القوي، سواء كان إسرائيل أو أمريكا، ظناً منها أنها ستكون بمنأى عن الصواريخ إذا انتصر حليفها. والثانية تظن أن بإمكانها البقاء على الحياد، معتقدة أنها قادرة على تفادي الثمن، متناسية أن النار إذا اشتعلت في الملعب فإنها لا تفرق بين مشجع وآخر.
الحقيقة المرة التي يجب أن تستقر في الوعي العربي هي أن الأمن المستعار لا يدوم. فمن يعتقد أن درع “الباتريوت” الأمريكي سيبقى لحماية سيادته غداً إذا تغيرت المعادلات، فهو واهم. ومن يظن أن التطبيع مع إسرائيل سيجعلها تحترم حدوده، فهو ينسى أن إسرائيل لم تعترف بأي حدود إلا تلك التي تفرضها بقوة السلاح. غزة خير شاهد على أن الحماية الخارجية لا قيمة لها، وأن الدماء وحدها هي التي تذكرنا بأن الأمن الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من قوة الداخل.
الفراغ القادم!
لنفترض جدلاً أن إسرائيل نجحت في توجيه ضربة حاسمة لإيران. السؤال الذي يتجاهله المشاهدون في المدرجات هو من سيأتي بعد إيران؟ الجواب، كما صرح به مسؤولون إسرائيليون، هو تركيا. أننا أمام مشهد تناوب أدوار؛ من التهديد الفارسي إلى التهديد العثماني الجديد. تركيا، بأحلامها الإقليمية وأذرعها العسكرية في سوريا والعراق وليبيا، تمثل مشروعاً طموحاً يصطدم حتماً مع أي مشروع عربي جامع.
والأكثر إثارة للقلق هو أن إسرائيل نفسها تبحث عن أعداء جدد للعرب. الحديث عن “تحالف سني” بقيادة السعودية ومصر لمواجهة التهديد التركي أو أي تهديد مستقبلي، هو محاولة لفرض أجندة الصراعات على المنطقة. هم من يصنعون الأعداء لنا، ثم يأتون ليحمونا منهم. إنها لعبة خبيثة تهدف إلى إبقاء العرب في حالة خوف دائم، لتظل المنطقة في دائرة الاحتياج الدائم لإسرائيل وأمريكا.
فوضى الحلفاء
لا يمكن فهم هذه الفوضى بمعزل عن حالة الانحدار النسبي للولايات المتحدة. أمريكا اليوم إمبراطورية متعبة، منهكة في حروبها، ومشغولة بمواجهة الصين. وهذا التراجع هو ما يفسر العشوائية في قراراتها. ففي لحظات الضعف، يصبح الحلفاء الصغار هم من يحركون اللعبة. نعم، الذيل (إسرائيل) هو من يهز الكلب (أمريكا) اليوم. نتنياهو يجر واشنطن إلى مواجهات لا تريدها، وهي عاجزة عن كبح جماحه خوفاً على هيبتها.
دول الخليج التي راهنت لعقود على المظلة الأمريكية بدأت تكتشف أن هذه المظلة أصبحت مثقوبة، وأن الثمن الباهظ الذي دفعته من سيادتها وقواعدها العسكرية لم يشترِ لها أماناً، بل زادها استهدافاً وجعلها رهينة لصراعات لا ذنب لها فيها.
إن ما نحتاج إليه اليوم هو تكوين جبهة عربية فكرية وسياسية وعسكرية حقيقية، تنطلق من رؤية عربية خالصة. نحتاج إلى جيل جديد من القادة والمفكرين يدركون أن الخطر الإيراني والإسرائيلي وجهان لعملة واحدة اسمها “غياب الدور العربي”. نحن كتلة بشرية وجغرافية واقتصادية هائلة، نمتلك مفاصل الطاقة وأهم الممرات الملاحية، ولكن هذه المقومات تبقى بلا قيمة ما دمنا نقرأ المشهد بعدسات الآخرين، وما دمنا نرى مصالحنا من خلال منظار غيرنا.
المعركة اليوم هي معركة وجود. فإما أن ننهض من غفلتنا ونصنع مشروعاً عربياً جامعاً مستقلاً، يحدد أعداءه وأصدقاءه بوضوح وفق مصلحته الوطنية والقومية، وإما أن نظل في الفخ الشرق أوسطي؛ ننتظر من ينقذنا، أو نكتفي بمشاهدة المباراة من المدرجات، ريثما يأتي دورنا في القائمة وتأكلنا النار.