عامل حاسم: كيف يعيد الجنوب اليمني تشكيل أمن الملاحة الدولية؟

#دراسات متخصصة-

علاء توفيق- باحث يمنى متخصص في الأمن الإقليمي.

يمثل الجنوب عقدة استراتيجية محورية في النظام الأمني الإقليمي والدولي، ترتبط به ممرات بحرية حيوية لا غنى عنها في حركة التجارة العالمية والطاقة، وعلى رأسها مضيق باب المندب الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. يمر عبر هذا المضيق جزء كبير من شحنات النفط والسفن التجارية، ما يجعل استقراره وفعالية إدارته ذات تبعات مباشرة على الأمن الاقتصادي العالمي، وعلى مصالح دول الخليج الكبرى والقوى الدولية. ¹ وتزداد أهمية ذلك مع امتلاك اليمن شريط ساحلي يقارب 2500 كيلومتر يمتد من بحر العرب شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، ما يمنحه موقع بحري. غير أن هذه الأهمية تقابلها اختلالات في التمثيل السياسي والقدرة المؤسسية، وغياب إطار قانوني بحري وطني شامل ينظم إدارة السواحل والمياه الإقليمية، الأمر الذي يضعف فاعلية الدولة في ضبط الأنشطة غير المشروعة وإدارة مواردها وممراتها الحيوية، ويجعل الجنوب مركز تنافس تؤثر مباشرة في استقرار الإقليم والنظام البحري الدولي.

ورغم الأهمية لهذه المنطقة، لا يزال الجنوب يشهد تباينات في التمثيل السياسي والتوزيع الاقتصادي والقدرة المؤسسية للدولة والحكومة اليمنية، في حين تتنافس قوى محلية وإقليمية على النفوذ. هذا التنافس يضع المحافظات الجنوبية في صراعات تؤثر بشكل مباشر على الأمن الإقليمي، وعلى قدرة اليمن على إدارة موارده وممراته الحيوية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول نموذج الحكم المستقبلي وسبل تحقيق استقرار دائم.

وانطلاقاً من التداخل المحلي والإقليمي والدولي، تسعى هذه الدراسة للإجابة عن السؤال المركزي: كيف يؤثر توازن القوة والشرعية المؤسسية في المحافظات الجنوبية خلال الفترة 2015–2026 على قدرة الدولة اليمنية وحكومتها الشرعية على حماية الممرات البحرية الحيوية، خصوصاً مضيق باب المندب وخليج عدن والبحر الاحمر، ضمن سياق التنافس الإقليمي والدولي؟

كما أن الدراسة تجيب على تساؤلات فرعية لهذا السؤال أبرزها:

كيف انعكس تعدد مراكز النفوذ في الجنوب على إدارة الموارد والموانئ؟ إلى أي مدى يؤثر ضعف الخدمات والفجوات التنموية في شرعية الفاعلين السياسيين؟ وما هو النموذج السياسي والمؤسسي الأكثر قدرة على تحويل الجنوب من مركز تنافس إلى عنصر استقرار للأمن البحري الإقليمي؟

تسلط هذه الدراسة الضوء على السياق الاستراتيجي للجنوب، ومن ثم تعرض المسارات المحتملة للأمن فيه، وتقدم توصيات واستراتيجيات طوارئ لتعزيز الأمن البحري، بحيث تسهم المحافظات الجنوبية في استقرار النظام الأمني الإقليمي والدولي بدلاً من أن تصبح نقطة توتر يستغل فيها الفراغ السياسي والاقتصادي. ²

اعتمدت هذه الدراسة على منهجية مقاربة تحليلية متعددة المستويات تجمع بين التحليل الجيوسياسي، ودراسة الحالة، ومنهج تحليل النظم في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، وذلك بهدف تفسير التفاعل بين عناصر القوة والشرعية والخدمات في المحافظات الجنوبية، ضمن سياق أوسع يرتبط بالأمن البحري الإقليمي والدولي. تنطلق المنهجية من افتراض رئيسي مفاده أن الجنوب لا يمكن تحليله باعتباره وحدة سياسية أو جغرافية معزولة، وانما بوصفه جزء من منظومة أمنية واقتصادية مترابطة تشمل الدولة اليمنية ومحيطها الخليجي والنظام البحري الدولي، وهو ما يتطلب الربط بين مستويات التحليل المحلي والإقليمي والدولي ضمن إطار تفسيري واحد.

في هذا السياق، تستند الدراسة إلى منهج دراسة الحالة باعتباره أداة مناسبة لتحليل الظواهر السياسية في البيئات المعقدة، حيث يسمح هذا المنهج بفهم تفاعلات الفاعلين السياسيين والعسكريين والمؤسساتيين ضمن سياقهم التاريخي والاجتماعي، مع تتبع تطور أنماط السيطرة والشرعية وتقديم الخدمات منذ عام 2015 وحتى عام 2026. ويعتمد هذا النهج على تحليل البيانات النوعية والتقارير الدولية والدراسات البحثية المتخصصة، بما ينسجم مع الأساليب المعتمدة في تحليل النزاعات، كما تستخدمها مؤسسات بحثية دولية مثل مجموعة الازمات الدولية التي تعتمد في تقاريرها على الجمع بين التحليل الميداني وقراءة بنية الصراع لفهم ديناميات التحول السياسي والأمني في مناطق النزاع. 41

كما توظف الدراسة منهج تحليل النظم لفهم العلاقة بين المتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية، انطلاقاً من فرضية أن اختلال أحد هذه المتغيرات ينعكس مباشرة على بقية مكونات النظام، وهو ما يظهر بوضوح في العلاقة بين ضعف المؤسسات الحكومية وتراجع الخدمات وتزايد التوترات الأمنية. ويستند هذا الإطار التحليلي إلى أدبيات الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات التي طورتها مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، والتي تربط بين بناء مؤسسات الدولة الشرعية، وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل، والحد من العنف كعناصر مترابطة في تحقيق الاستقرار طويل المدى. 42

وتستفيد الدراسة كذلك من منهج التحليل المقارن الجزئي، من خلال الاستفادة من خبرات مناطق بحرية شهدت تحديات مشابهة في الأمن البحري وإدارة الممرات الحيوية، بما يسمح باستخلاص أنماط مشتركة في كيفية تعامل الدول مع التهديدات غير النظامية، مثل الهجمات على السفن أو تعطيل سلاسل الإمداد. ويعتمد هذا التوجه على مقاربات تحليل النزاع والتنمية التي تعتمدها برامج الأمم المتحدة، لا سيما تلك التي طوّرها برنامج الأمم المتحدة الانمائي في دراساته حول العلاقة بين التنمية والاستقرار المؤسسي في البيئات الهشة، حيث تؤكد هذه الأدبيات أن غياب التنمية المتوازنة يؤدي إلى إضعاف الشرعية السياسية وزيادة احتمالات الانزلاق نحو العنف. 43

وتعتمد الدراسة في جمع وتحليل البيانات على مزيج من المصادر الأولية والثانوية، تشمل التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية، والدراسات الأكاديمية المحكمة، والتحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث المتخصصة في الأمن البحري والنزاعات الإقليمية، إضافة إلى التقارير الإخبارية الموثوقة التي توثق التطورات الميدانية والسياسية خلال الفترة الزمنية محل الدراسة. ويسمح هذا التنوع في المصادر بتقليل الانحياز المنهجي، وتعزيز دقة الاستنتاجات من خلال المقارنة بين الروايات المختلفة وتحليلها ضمن إطار تفسيري متكامل.

كما تأخذ المنهجية في الاعتبار البعد الزمني للتحولات في الجنوب، من خلال تقسيم التحليل إلى مراحل مرتبطة بتغير موازين القوى المحلية والإقليمية، بما يتيح فهم التحولات التدريجية في أنماط السيطرة السياسية والأمن البحري، بدلاً من التعامل معها كأحداث منفصلة. ويعكس هذا التوجه اعتماد الدراسة على منهج التحليل التراكمي الذي يركز على تفسير التحولات طويلة المدى في البيئات المتأثرة بالصراعات، وهو منهج مستخدم على نطاق واسع في دراسات الأمن والتنمية في الدول الهشة. ⁴⁴

الجنوب في سياق الأمن البحري العالمي:

تمتد المحافظات الجنوبية على طول سواحل استراتيجية تطل على البحر العربي وخليج عدن والبحر الأحمر، وتلتقي عنده طرق الملاحة البحرية الدولية، خصوصاً عبر مضيق باب المندب – أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وفقاً لتقارير منظمة التجارة العالمية، تمر عبر هذا المضيق نسبة تصل إلى أكثر من 10% من حركة الملاحة العالمية، بما في ذلك ناقلات النفط والبضائع التجارية. ³

تكمن أهمية باب المندب في كونه نقطة الربط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، وكونه بديلاً عن الطرق الأطول أو الأكثر خطورة. ما يعني أن أي اضطراب في هذا المضيق لا يؤثر فقط على التجارة الإقليمية، وإنما على اقتصاديات دول كثيرة، ويُحدث تأثيراً فورياً في أسعار النفط والسلع العالمية، كما أظهرت تحولات الأسعار إثر الاضطرابات في ممرات أخرى مثل مضيق هرمز. ⁴

في السياق الجيوسياسي، تشهد المنطقة اهتماماً من قوى دولية متعددة، بما يشمل الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، واليابان، ليس فقط من منظور حرية الملاحة، وانما كجزء من حماية سلاسل الامداد العالمية والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة. هذا الاهتمام الدولي يجعل الجنوب نقطة محورية في الصراعات الجيوسياسية، ويضعه في خيارات صعبة بين التنافس الدولي، والتحديات الإقليمية، والصراعات المحلية. ⁵

ديناميات القوة والشرعية في الجنوب:

داخل اليمن نفسه، يتجلى التنافس على السلطة والشرعية في الجنوب من خلال صراع متداخل بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي، مع وجود فاعلين محليين آخرين يمتد تأثيرهم إلى البنى الاجتماعية والاقتصادية. المجلس الانتقالي الجنوبي، وقد نشأ عام 2017، وتطور ليصبح قوة سياسية وعسكرية مؤثرة في بعض المحافظات الجنوبية، وارتبط بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة في بعض مراحل النزاع، ما عزز قدراته على التأثير في المشهد المحلي. ⁶

في المقابل، تواجه الحكومة اليمنية الشرعية تحديات في فرض سيطرتها على بعض المناطق الجنوبية، ليس فقط بسبب القوة المتنافسة، وإنما أيضا بسبب ضعف المؤسسات الحكومية، ونقص الخدمات الأساسية، وتراكمات من الإهمال التنموي في فترات سابقة. ما يؤدي إلى شعور بعض الجنوبيين بعدم التمثيل أو بعدم العدالة في توزيع الخدمات والموارد، ما يفتح ثغرات يمكن للفاعلين المحليين والإقليميين استغلالها سياسيا واقتصادياً.

يُعد بناء الثقة على المستوى المحلي واحدة من أبرز تحديات الدولة اليمنية في الجنوب؛ إذ أن غياب التمثيل المؤسسي القوي أو ضعف الخدمات يُضعف الثقة بين المواطنين والدولة، ويزيد من فرص استغلال الفاعلين الآخرين لتغذية شعور الانقسام أو الاعتماد على كيانات محلية بديلة. من هنا، يكمن أحد المفاصل الأساسية في تحويل الجنوب من مركز توتر إلى عنصر استقرار؛ تعزيز شرعية الدولة عبر أداء مؤسسي شفاف ومستدام قادر على تقديم الخدمات الأساسية وتحقيق العدالة في التنمية. ⁷

الإطار التفسيري للدراسة: من الخدمات إلى الأمن البحري:

تقوم هذه الدراسة على فرضية مركزية مفادها أن أمن الممرات البحرية في الجنوب لا يتشكل في البحر، وإنما يبدأ من طبيعة السلطة على الأرض، ومن قدرتها على إنتاج شرعية مستمدة من الأداء الخدمي والمؤسسي. فالتجربة الجنوبية منذ عام 2015 أظهرت أن السيطرة العسكرية، رغم قدرتها على فرض واقع سياسي وأمني مؤقت، لا تكفي لإنتاج استقرار طويل المدى ما لم تتحول إلى سلطة قادرة على إدارة الخدمات والموارد وبناء علاقة ثقة مع المجتمع المحلي.

في هذا السياق، تصبح الخدمات العامة عاملاً تأسيسياً في إنتاج الشرعية، لا باعتبارها مسألة تنموية فقط، وانما بوصفها آلية لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسلطة. فعندما تتمكن السلطة من توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، تتعزز قدرتها على فرض القوانين وتنظيم المجال العام، بما في ذلك المجال البحري. أما عندما تعجز عن ذلك، فإن السيطرة على الأرض تتحول إلى سيطرة إجرائية محدودة، تفتقر إلى القبول المجتمعي الضروري لممارسة وظائف الدولة السيادية.

ومن منظور الجنوب، فإن أزمة الشرعية التي نشأت نتيجة تعدد الفاعلين السياسيين والعسكريين لم تقتصر آثارها على المجال السياسي الداخلي، بقدر ما أنتجت فراغاً وظيفياً في مؤسسات الدولة، خصوصاً تلك المرتبطة بالأمن السيادي مثل خفر السواحل وإدارة الموانئ. فغياب سلطة تحظى بشرعية يضعف وحدة القرار الأمني، ويحد من القدرة على التنسيق المؤسسي، ويجعل إدارة السواحل اليمنية خاضعة لتوازنات محلية متغيرة بدلاً من استراتيجية وطنية متماسكة. هذا الفراغ المؤسسي ينعكس مباشرة على الأمن البحري. فالممرات البحرية، وعلى رأسها باب المندب وخليج عدن، تعتمد في أمنها على منظومة متكاملة تبدأ من استقرار المدن الساحلية، وتمر بفعالية الأجهزة الأمنية المحلية، وتنتهي بقدرة الدولة على فرض سيادتها القانونية في المياه الإقليمية. وعندما تتآكل الشرعية نتيجة ضعف الخدمات أو التنافس على السلطة، تتراجع قدرة هذه المنظومة على العمل، وتظهر فجوات أمنية تستغلها شبكات التهريب والجماعات المسلحة والفاعلين ما دون الدولة.

وبذلك، فإن الأمن البحري في الجنوب لا يمكن فصله عن طبيعة الحكم على الأرض. فكلما اتسعت الفجوة بين السيطرة العسكرية والشرعية، ازداد احتمال تحول الساحل إلى منطقة هشة أمنياً، حتى وإن ظلت السيطرة الشكلية قائمة. وفي المقابل، يؤدي تحسين الخدمات وتعزيز الأداء المؤسسي إلى رفع مستوى الشرعية، ما يسمح بإعادة بناء مؤسسات أمنية موحدة قادرة على حماية الممرات البحرية بوصفها وظيفة طبيعية للدولة، لا استجابة طارئة للتهديدات.

انطلاقاً من ذلك، تقرأ هذه الدراسة التحولات في الجنوب بوصفها سلسلة مترابطة تبدأ بالخدمات وتنتهي بالأمن الإقليمي، حيث يؤدي ضعف الخدمات إلى أزمة شرعية، وتؤدي أزمة الشرعية إلى تعدد مراكز القوة، ما ينتج فراغاً مؤسسياً ينعكس على ضعف القدرة على تأمين السواحل والممرات البحرية، وبالتالي على استقرار البيئة الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن.

تشير الأدبيات إلى أن تقديم الخدمات العامة يمثل عامل مؤثر في قدرة الدولة على بناء الشرعية في حالات النزاع والضعف، وأن ضعف الخدمات يمكن أن يُضعف قدرة السلطات على فرض هيمنتها وممارسة سيادة القانون، ما ينعكس بدوره على قدرة الدولة على تولي وظائفها الأمنية في المجالين البري والبحري. 45,46,47 وتوضح تقارير البنك الدولي أن إعادة بناء الثقة بين المجتمع والسلطة رهينة باستعادة الوظائف الأساسية للدولة. كما يشير تعريف الدولة الهشة إلى ارتباط ضعف تقديم الخدمات وغياب الشرعية بضعف سيطرة الدولة على مؤسسات الأمن.48 وفي السياق اليمني، يربط الباحثون ضعف الاستقرار السياسي بتهديدات الأمن البحري في مضيق باب المندب، حيث تؤدي فجوات السلطة والشرعية إلى بيئة أقل قدرة على حماية الممرات البحرية الحيوية. 49,50

دراسة حالة المجلس الانتقالي الجنوبي – السيطرة، الشرعية، والخدمات:

يمثل الجنوب منذ بداية انهيار الدولة في 2015 نموذج لدراسة العلاقة بين القوة، والشرعية، والخدمات في بيئة نزاع معقدة. التاريخ السياسي للجنوب كدولة مستقلة قبل 1990، تمتلك مؤسسات سياسية وعسكرية متكاملة، مع تفاوت واضح في التنمية بين المحافظات 29. وبعد الوحدة، أدى تركيز السلطة في الشمال إلى شعور مستمر بالتهميش السياسي والاقتصادي لدى الجنوبيين، ما جعل أي مكون سياسي يدعي تمثيل الهوية الجنوبية مطالباً تاريخياً وقادراً على التفاعل مع هذا الشعور المتراكم، إلى حد كبير 30.

مع الانقلاب واندلاع الحرب التي شنتها مليشيات الحوثي في 2015، انهارت مؤسسات الدولة عملياً، وتفككت أجهزة الأمن والخدمات، ما أتاح حدوث فراغ سياسي وأمني في الجنوب 31. في هذا السياق، ظهرت القوات الجنوبية التي تشكلت لاحقاً في إطار المجلس الانتقالي الجنوبي، ونجحت في السيطرة على أجزاء واسعة من بعض المحافظات الجنوبية، بما في ذلك المدن الرئيسة والموانئ الاستراتيجية في عدن 32. هذا التحول لم يكن انتقال للسلطة، بقدر ما أصبح واقع في بنية السلطة، حيث أصبح التنافس على السيطرة على الأرض، والموارد، والخدمات محور أي استراتيجية سياسية 33.

تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي جاء استجابة مباشرة لمزيج من الانهيار الأمني، والدعم الإقليمي الإماراتي، والاحتياجات المحلية الملحة للمواطنين الجنوبيين 34. في البداية، اعتمد المجلس الانتقالي الجنوبي على القوة العسكرية لضبط الأرض وبناء نفوذ محدود، مع التركيز على محافظات عدن ولحج والضالع وأجزاء من أبين كمراكز أساسية للسيطرة، بينما بقيت المحافظات الشرقية مثل حضرموت والمهرة وشبوة أقل تأثيراً، ما أبرز فجوة بين قدرته العسكرية على السيطرة وبناء الشرعية المجتمعية 35. هذا التباين بين السيطرة على الأرض والقبول الاجتماعي أصبح أحد أبرز تحديات المجلس الانتقالي الجنوبي، إذ لم ينجح في تلبية احتياجات المواطنين بشكل متساوي، مما خلق شعور بعدم الإنصاف وتفاوت في التمثيل36.

بين 2017 وحتى 2019، كانت أولويات المجلس الانتقالي الجنوبي موجهة نحو تثبيت موقعه كقوة سياسية وعسكرية، مع التركيز على المدن الحيوية والموانئ الاستراتيجية، وتعزيز قدراته القتالية عبر الدعم الإقليمي المباشر 34،37. الإمارات لعبت دور مزدوج، حيث قدمت الدعم العسكري، بينما ساعدت في إنشاء هياكل المؤسسات الحكومية بشكل محدود لإدارة الموارد والخدمات، إلا أن التوازن بين القوة العسكرية وبناء الثقة المجتمعية لم يتحقق بشكل كامل 38. إضافة إلى أن التجارب المحدودة في مواجهة قوات الحكومة الشرعية (ألوية الحماية الرئاسية)، خصوصاً في عدن ولحج، أبرزت محدودية قدرة القوات الحكومية على فرض السيطرة، وأكدت أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي لاستقرار طويل الأمد 33،32

مع توقيع اتفاق الرياض في 2019، دخل المجلس الانتقالي الجنوبي مرحلة جديدة من التفاعلات السياسية، حيث تم دمجه جزئياً في الحكومة الشرعية ضمن نصف مقاعد الحكومة الممنوحة للجنوب، مما وفر له شرعية سياسية محدودة على المستوى الوطني 39. ومع ذلك، بقيت الفجوات قائمة، إذ أظهرت الاختلافات بين المحافظات الجنوبية تفاوت في شرعية المجلس الانتقالي الجنوبي على المستوى المجتمعي. عدن ولحج والضالع شهدت تحسناً محدوداً في الخدمات والموارد، بينما شبوة وحضرموت والمهرة وأجزاء من أبين لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام، مما أعاد رسم خطوط التفاوت الاجتماعي والسياسي وخلق أرضية للتوتر الداخلي 36،38.

الفترة بين 2022 وحتى 2026 شهدت إعلان نقل السلطة وتشكل مجلس القيادة الرئاسي اليمني في 7 أبريل 2022، مع مشاركة قيادية للمجلس الانتقالي في الإدارة للمحافظات الجنوبية 40. ومع ذلك، لم تُعالج هذه الشراكة الرسمية الفجوات بين السيطرة العسكرية والقبول الشعبي، إذ استمرت الخلافات حول توزيع الموارد، والإيرادات، والموانئ، وأماكن انتشار القوات المسلحة 38،40. كما أضافت التوترات الإقليمية بعداً إضافياً لهذه المعادلة، حيث أصبحت أي خطوة للمجلس مرتبطة بالمصالح الاستراتيجية لدول الخليج وأمن الممرات البحرية الحيوية، مثل باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر، ما جعل موقع الجنوب مترابطاً بين السياسة المحلية والحسابات الدولية 29،30.

تعدد مراكز النفوذ في الجنوب أصبح واضحاً، إذ إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، برزت كيانات محلية وعسكرية أخرى، خصوصاً في المحافظات الشرقية، وشكلت لكل منها تأثير خاصة بها، ما زاد من تعقيد إدارة السلطة 37. أظهر هذا الواقع أن أي مكون سياسي لا يمكنه الاستمرار إلا إذا تمكن من الدمج بين القدرة على التحكم العسكري، وتقديم الخدمات الأساسية، وبناء علاقة شرعية متينة مع المجتمع المحلي 31،34. فيما ظهرت التباينات بين المحافظات، سواء في عدن أو لحج أو أبين أو حضرموت أو المهرة، خصوصية كل محافظة اقتصادياً واجتماعياً، وأن أي نموذج حكم مركزي محدود الفعالية لن يحقق الاستقرار على مستوى الجنوب بأكمله 35،36.

تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي تعكس بوضوح أن النفوذ العسكري وحده لا يحقق استقرار دائم، وأن الشرعية الاجتماعية والسياسية، المرتبطة بالقدرة على إدارة الموارد والخدمات، هي المدخل لتثبيت أي مشروع سياسي على الأرض 34،37،38. هذه التجربة تقدم دروس مهمة للفاعلين المحليين والدوليين، مفادها أن نجاح أي مكون سياسي يعتمد على مزيج متوازن من القوة، والأداء المؤسسي، والشرعية المجتمعية، وإدارة الديناميكيات الإقليمية، بما يضمن استدامة النفوذ والقبول الشعبي في بيئة معقدة ومتغيرة 29،30،40.

الفجوات الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في الاستقرار:

تشهد المحافظات الجنوبية تفاوت كبير في مستوى التنمية والخدمات. ففي حين تشهد محافظات مثل عدن ولحج والضالع بعض المشاريع التنموية والبنية التحتية المعززة، تبقى محافظات أخرى مثل حضرموت وشبوة والمهرة أقل استفادة من الحضور الحكومي في المشاريع والاستثمارات. هذا التفاوت يبرز كأحد أهم العوامل التي تؤجّج الشعور بعدم الإنصاف، وتزيد من احتمالات استغلال هذا الاستياء من قبل قوى محلية أو إقليمية.

وفقاً لتقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إن الفجوات في توزيع الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والمياه، تُضعف من التماسك الاجتماعي وتُحول دون تأسيس أرضية مستقرة للبناء السياسي والاقتصادي. ⁸ يتطلب تحقيق الاستقرار الاجتماعي في الجنوب إصلاحات شاملة تعالج هذه الفجوات عبر سياسات تنموية عادلة، وتعزيز الفرص الاقتصادية، وشمول الفئات المهمشة في برامج التنمية.

إن إهمال هذه الفجوات لا يجعل الجنوب منطقة نزاع سياسي، بل قد يدفع إلى تمدد النزاعات إلى مستويات اجتماعية أعمق، تشمل إعادة تشكيل المواطنين تحالفات او تكتلات ذات طابع جهوي ومناطقي، وتنامي العصبيات المحلية، والصراع حول الموارد. ولذا فإن ربط المشاريع التنموية بالاستراتيجية الأمنية يُعدّ عامل أساسي في بناء شرعية الدولة واستدامة السلام.⁹

الموارد والموانئ كأدوات استراتيجية:

لا يمكن فهم أهمية الجنوب دون الوقوف على مكانته الاقتصادية، حيث يمتلك موارد طبيعية مهمة، وموانئ استراتيجية على السواحل اليمنية الجنوبية على البحر العربي وخليج عدن. تشكل الموانئ الجنوبية – من عدن والمكلا والشحر وصولاً إلى موانئ المهرة – أكثر من 80% من عدد الموانئ للجمهورية اليمنية، ما يمكن الجنوب من القدرة على التحكم بحركة التجارة البحرية في اليمن مستقبلاً، وهي بوابات رئيسية للتجارة الدولية. ¹⁰

توضح تقارير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) أن هذه الموانئ تمتلك إمكانات تشغيلية متقدمة يمكن استثمارها ليس فقط لخدمة الأسواق المحلية، وانما كبوابات لوجستية حيوية تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وخليج عدن. ¹¹ عندما تُدار هذه الموانئ بفعالية وبما يتماشى مع أفضل المعايير الدولية، فإنها يمكن أن تكون محرك اقتصادي قوي يوفر فرص عمل ويعزز الإيرادات المحلية، ما يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

بالإضافة إلى الموانئ، تمتلك المحافظات الجنوبية موارد طبيعية غنية، لا سيما في قطاعي النفط والغاز في شبوة وحضرموت. هذه الموارد، إذا ما تمّ تنظيم إدارتها ضمن إطار مؤسسي شفاف، يمكن أن تسهم بشكل كبير في تمويل الخدمات العامة وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على تنفيذ السياسات التنموية، لكن في حال بقاء إدارة هذه الموارد خارج إطار الدولة الشرعية، فإنها تشكل مجالاً آخر للصراع المحلي والإقليمي على النفوذ. ¹²

الأمن البحري والمخاطر المتصاعدة:

يمثل أمن الممرات البحرية في الجنوب محور حيوي يتجاوز السياق المحلي إلى نطاقات إقليمية ودولية. فقد وثقت تقارير المنظمة البحرية الدولية (IMO) تزايد الهجمات من قبل ميليشيات الحوثي على السفن التجارية في المياه المحيطة للبحر الأحمر وبباب المندب وخليج عدن خلال السنوات 2023–2025، بما يشمل استخدام زوارق مفخخة وصواريخ مضادة للسفن. ¹³ هذا الوضع لا يهدد فقط حركة السفن فحسب، وإنما يُعتبر تهديد مباشر لحرية الملاحة، التي تشكل شريان الاقتصاد العالمي.

في عام 2025، أعلنت مليشيات الحوثي إصرارها على استهداف السفن الإسرائيلية في مضيق باب المندب، وهو ما أدخل النزاع اليمني في دائرة التأثيرات الجيوسياسية الأوسع التي تشمل صراعات إقليمية بين دول وأطراف متعددة.14 لقد جعل هذا الإعلان المشكلة اليمنية جزء من شبكة أعمق من التوترات الإقليمية، ويعكس تحولاً في طبيعة التهديدات التي تجاوزت الصراع الداخلي لتشمل أهداف استراتيجية في البحر الاحمر وبحر العرب وخليج عدن.

إن ما يحدث في هذه الممرات البحرية الحيوية يؤكد أن الأمن البحري المتعلق بالجنوب، لا يمكن فصله عن الأمن الاستراتيجي العالمي، وأن التعامل معه يتطلب مقاربة متكاملة تشمل رصد التهديدات، والتنسيق الأمني الدولي، وإلزام الجهات الفاعلة بالمعايير البحرية الدولية، ودعم قدرات الدولة اليمنية على حماية سواحلها ومياهها الإقليمية. ¹⁵

المسارات المستقبلية للأمن في الجنوب:

(*) المسار الأول: التهدئة والتحول نحو تسوية شاملة: إذا نجحت جهود الدمج بين الفاعلين الجنوبيين داخل مؤسسات الدولة اليمنية الشرعية، مع تأسيس آليات شفافة لإدارة الموارد وتوزيع الخدمات، فإن المسار الأول يتمثل في تحول تدريجي نحو تسوية سياسية شاملة. سيسهم ذلك في تعزيز سيادة الدولة، وتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية التي تؤثر على الأمن في الجنوب، ما يمكن الدولة من لعب دور فعال في إدارة الممرات البحرية الحيوية. ¹⁶

(*) المسار الثاني: استمرار الانقسام وضعف الدولة: في حال استمرار ضعف المؤسسات الحكومية وازدياد النزاعات المحلية على السلطة والموارد، يصبح الجنوب أرض خصبة لاستغلال القوى الإقليمية، ما يؤدي إلى تصعيد مستمر في التوترات، ويضع الأمن البحري تحت تهديد دائم، مع مخاطر ارتفاع في كلفة التأمين البحري وتأثر سلاسل الإمداد العالمية. ¹⁷

(*) المسار الثالث: إعادة التصعيد والعواقب الأمنية: يتعلق هذا المسار بإمكانية حدوث انهيار أمني مفاجئ في ظل أزمات اقتصادية أو سياسية، ما قد يؤدي إلى تجدد الصراع المسلح على نطاق واسع في الجنوب. وترتبط هذه الحالة بتداعيات مباشرة على حركة الملاحة البحرية، وقد تدفع القوى الإقليمية إلى الدخول المباشر بهدف حماية مصالحها، مما يفاقم من حدة الصراع. ¹⁸

(*) المسار الرابع: التحول نحو نموذج اتحادي: يقترح هذا المسار إمكانية إعادة تشكيل الدولة اليمنية ضمن نموذج اتحادي يمنح المحافظات الجنوبية صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها المحلية، مع الحفاظ على السيادة الوطنية في القضايا السيادية. يمكن لهذا النموذج أن يعزز الاستقرار الداخلي، ويوفر إطار أكثر عدالة لتنظيم علاقة المحافظات بالحكومة المركزية، ويضع الأسس لإدارة أكثر فاعلية للممرات البحرية والموارد الحيوية. ¹⁹

استراتيجيات الطوارئ لتعزيز الأمن البحري:

في ظل التهديدات المتصاعدة التي تواجه الجنوب والممرات البحرية الحيوية، ولمواجهة التوترات الممتدة من الداخل اليمني إلى نطاقات إقليمية ودولية، يصبح من الضروري للدولة اليمنية، بالتنسيق مع شركائها في الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية والجهات الدولية، وتطوير خطة طوارئ متكاملة للأمن البحري ترتكز على أربعة أركان رئيسية تشكل إطار عملي لاحتواء الأزمات ومنع تفاقمها، مع ضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية وتأمين حركة الملاحة الدولية.

(-) أولاً، تمثل إنشاء وحدات بحرية مشتركة خطوة استراتيجية أساسية لا تقتصر على الجانب الدفاعي، وانما قد تتوسع لتشمل الجانب الاستخباراتي والتنسيقي. يمكن لهذه الوحدات أن تعمل بالتعاون مع دول الخليج العربي وتحالفات أمنية متعددة الأطراف مثل قوة Operation Prosperity Guardian، التي أُطلقت بدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أخرى لضمان أمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.²⁰ لا يقتصر هذا التعاون على نشر السفن البحرية في المياه، بقدر ما يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق لمراقبة التهديدات الصاروخية والبرية والبحرية مثل الزوارق المفخخة والطائرات المُسيّرة التي استخدمت في تهديد حركة الملاحة خلال السنوات الأخيرة.²¹ هذا التعاون متعدد الأطراف يوفر قدرة أعلى على الاستجابة المتزامنة في النقاط البحرية الحساسة بدلاً من استجابة فردية ذات فعالية محدودة.

(-) ثانياً، يتطلب نجاح أي استراتيجية طوارئ تحسين كفاءة الأجهزة الأمنية المحلية عبر برامج تدريب وتأهيل تستند إلى نماذج دولية معتمدة في الأمن البحري والحماية الساحلية. يتعين على اليمن، بالتعاون مع المملكة العربية السعودية كقائدة لقوات المهام المشتركة CTF 150 التابعة للقوات البحرية المشتركة والمتخصصة في مكافحة نقل الأسلحة الغير مشروعة والمخدرات في خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي، وشركاء دوليين مثل المنظمة البحرية الدولية (IMO) ووكالات التدريب البحري المتقدمة، وتطوير قوة بحرية يمنية متخصصة قادرة على العمل داخل المياه الإقليمية بفعالية وتنسيق عملياتها مع القوات المشتركة في المنطقة. ²² يشمل هذا التدريب التعامل مع التهديدات التي تطلقها الميلشيات الحوثية والتنظيمات الاخرى، مثل العبوات البحرية والزوارق الصغيرة المفخخة ذات الدفع السريع، وتطبيق إجراءات الاستجابة السريعة للتهديدات المباشرة للملاحة.

(-) ثالثاً، يمثل الاستثمار في تكنولوجيا المراقبة الذكية وأنظمة الإنذار المبكر عنصر محوري لتعزيز الوعي البحري الاستراتيجي. تظهر دراسات مثل Global Maritime Security Review أن استخدام أنظمة الرادار المتقدمة، والاستشعار عبر الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي يوفر القدرة على اكتشاف التحركات المشبوهة قبل وقوعها، ما يمنح وقت للاستجابة ويقلل من احتمالات الخسائر. ²³ تضمين هذه الأنظمة في بنية الأمن البحري اليمني، وربطها بشبكات البيانات الإقليمية والدولية، يمكن أن يقدم رؤية مسبقة تعزز التنسيق بين القوات المحلية والبحرية المشتركة، وتقلل من الفجوة الزمنية بين الكشف والتحرك الفعلي.

(-) رابعاً، يجب أن تشمل الاستراتيجية دمج المجتمع في آليات المراقبة والتوعية الأمنية المحلية. أثبتت دراسات الأمن البحري أن تضمين المجتمعات الساحلية في برامج المراقبة والتوعية يعزز قدرة الدولة على رصد التحركات غير الاعتيادية عبر كيانات او شبكات محلية تتعاون مع الجهات الأمنية، وتساهم في الإبلاغ المبكر عن التهديدات قبالة السواحل.24 تساهم هذه المشاركة في بناء شرعية محلية واسعة تعزز الثقة بين المجتمع والدولة، ما يسهم في تقوية الجهود الأمنية ويحد من استغلال جهات خارجية أو جماعات مسلحة ما دون الدولة للفراغ الأمني.

إن هذه الاستراتيجيات الأربعة، عندما تُجمع في إطار طوارئ متكامل للشؤون البحرية، لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تشكل شبكة مترابطة من الإجراءات التي تعزز قدرة اليمن على حماية مضيق باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر، وتحوّل الجنوب من منطقة توتر إلى عنصر استقرار حقيقي يدعم الأمن الإقليمي والدولي.

توصيات استراتيجية لصناع القرار:

تستند التوصيات إلى ضرورة أن تشمل أي خطة ناجحة أبعاداً زمنية واستراتيجية متدرجة. على المدى القصير، يتعين تعزيز التنسيق بين الحكومة اليمنية الشرعية والفاعلين المحليين لتوحيد القدرات السياسية والأمنية تحت إطار مؤسسي واحد، مع حماية الموانئ والممرات البحرية الحيوية من خلال تعاون أمني إقليمي ودولي. ²⁵ تسريع بناء إطار قانوني ومؤسسي بحري وطني يعالج اختلالات التمثيل والقدرات، ضمن تشريعات وطنية وقانون بحري اكثر تفصيلاً، ويعزز سيطرة الدولة على سواحلها ومياهها الإقليمية، بما يحدّ من الأنشطة غير المشروعة ويصون الموارد والممرات الحيوية، ويقلص فرص التنافس المزعزعة لاستقرار اليمن و الإقليم والنظام البحري الدولي.

على المدى المتوسط، يشكل تحسين إدارة الموارد الاقتصادية وتوزيعها بشكل عادل مدخل لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، ويتطلب ذلك تطوير هياكل مؤسسية شفافة وفعالة للتعامل مع عائدات النفط والغاز والموارد الطبيعية، إضافة إلى توسيع الاستثمارات في البنية التحتية للموانئ والطرق. ²⁶

أما على المدى الطويل، فإن تطبيق النموذج الاتحادي المقترح يمثل مدخل لبناء دولة أكثر عدالة واستدامة، ويُلزم تعزيز مشاركة المجتمع المحلي في صنع القرار المركزي، ما يسهم في ترسيخ مفهوم الشرعية الوطنية المتوازنة وتخفيف دوافع النزاع. ²⁷

في النهاية، يمكن القول إن الجنوب اليمني، يمثل معيار حقيقي لقياس قدرة الدولة اليمنية وحكومتها المعترف بها دولياً، على فرض سيادتها وضمان الأمن الإقليمي، ليس فقط من خلال القوة العسكرية، وانما عبر الأداء المؤسسي، والعدالة الاجتماعية، والشرعية المجتمعية. إن أي إخفاق في إدارة هذا المزيج الاستراتيجي لن يؤثر فقط على اليمن، وإنما على الأمن الإقليمي والدولي من خلال تأثيره على الملاحة البحرية، وسلاسل التوريد العالمية، واستقرار أسواق الطاقة. في المقابل، فإن النجاح في تنفيذ التوصيات والاستراتيجيات المقترحة يمكن أن يرسخ الجنوب كعامل استقرار استراتيجي قادر على حماية مصالح اليمن والأمن الإقليمي والدولي على حد سواء. ²⁸

___________المصادر والمراجع_________

الجنوب اليمني بين رحى المشكلات المزمنة والأطماع الإقليمية – مركز الجزيرة للدراسات-1. دور الجنوب اليمني في الأمن الإقليمي 🔗 https://studies.aljazeera.net/sites/default/files/articles/reports-ar/documents/c2a09077b4054189bcfa505dd784226c_100.pdf

2. الأزمة اليمنية الجنوبية: التنافس السعودي–الإماراتي ومستقبل القضية الجنوبية https://politicsociety.org/2026/01/22/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%81%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9/

3. WTO – Maritime Trade and Strategic Passages, World Trade Organization. https://www.wto.org/english/res_e/statis_e/miwi_e.htm

4. IEA – Oil Market Report, International Energy Agency. https://www.iea.org/reports/oil-market-report

5. CSIS – Maritime Security and Global Supply Chains, Center for Strategic and International Studies. https://www.csis.org/topics/maritime-security

6. The Guardian – “UAE Backed Forces Expand Influence in Southern Yemen”, 2025. https://www.theguardian.com/world/2025/dec/08/uae-backed-forces-southern-yemen

7. ESCWA – Ports and Logistics Report, United Nations Economic and Social Commission for Western Asia. https://www.unescwa.org/publications/ports-logistics-report

8. UNDP – Human Development Report, United Nations Development Programme. https://hdr.undp.org/

9. MDPI – Gabriela Lopez & Omar Rahman, “Challenges and Security Risks in the Red Sea: Impact of Maritime Threats”, Journal of Marine Sciences, 2025. https://www.mdpi.com/2077-1312/12/11/1900

10. Reuters – “Operation Prosperity Guardian enhances Red Sea security”, 2025. https://www.reuters.com/world/middle-east/operation-prosperity-guardian-enhances-security-2025-07-12/

11. IMO – Report on Non Traditional Maritime Threats, International Maritime Organization. https://www.imo.org/ourwork/security/Pages/Maritime-Security.aspx

12. UNODC – Maritime Security Capacity Building, United Nations Office on Drugs and Crime. https://www.unodc.org/unodc/en/piracy/maritime-security.html

13. Global Maritime Security Review – Radar & Early Warning Systems in Maritime Domain, 2024. https://link.springer.com/book/10.1007/978-3-030-69635-7

14. Journal of Maritime Research – “Community Engagement in Maritime Security”, Taylor & Francis. https://www.tandfonline.com/loi/wmar20

15. AP News – “Houthi maritime threats escalate”, Associated Press. https://apnews.com/article/f820b848eb76fa3ecc8056ca332cabae

16. Chatham House – Yemen’s Security Scenarios, 2024. https://www.chathamhouse.org/2024/05/yemen-security-scenarios

17. Brookings Institution – Weak States and Regional Exploitation, 2023. https://www.brookings.edu/research/weak-states-and-regional-exploitation

18. International Crisis Group – Yemen Conflict Dynamics, 2024. https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/yemen

19. Arab Center Washington DC – Federalism and Conflict Resolution in Yemen, 2025. https://arabcenterdc.org/policy_analyses/federalism-and-conflict-resolution-in-yemen

20. U.S. DoD – Operation Prosperity Guardian Fact Sheet, 2025. https://www.defense.gov/News/Fact-Sheets/

21. UK MOD – Maritime Security Initiatives, 2025. https://www.gov.uk/government/organisations/ministry-of-defence

22. IMO – Maritime Training Standards, 2023. https://www.imo.org/en/OurWork/HumanElement/Pages/Training-Standards.aspx

23. Global Maritime Security Report – Advanced Tech in Surveillance, 2023. https://www.maritime-security-review.com

24. Journal of Strategic Security – Civil Society and Maritime Monitoring, 2022. https://www.jstor.org/journal/jssec

25. RAND Corporation – Maritime Security Coordination Models, 2023. https://www.rand.org/research/maritime-security.html

26. World Bank – Energy and Resource Governance in Yemen, 2024. https://www.worldbank.org/en/country/yemen/overview

27. International Institute for Strategic Studies – Federalism Models in Fragile States, 2025. https://www.iiss.org/publications

28. United Nations Conference on Trade and Development – Review of Maritime Transport, 2024. https://unctad.org/topic/transport-and-trade-logistics/review-of-maritime-transport

29. Britannica, 2026 – What is the Southern Transitional Council (STC).

https://www.britannica.com/question/What-is-the-Southern-Transitional-Council-STC

30. الجزيرة للدراسات, 2017 – المجلس الانتقالي الجنوبي: النشأة والتداعيات.

https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2017/06/170613073548546.html

31. الجزيرة نت, 2020 – جنوب اليمن.. سلسلة صراعات بين الشرعية والانفصاليين.

https://www.aljazeera.net/politics/2020/4/26/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%AF%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA

32. مركز الجزيرة، 2017 – السيطرة على عدن والتوسع شرقاً.

https://studies.aljazeera.net/en/node/635

33. fye-yemen.net, 2020 – الانتقالي يتمدد والشرعية تتراجع.

https://www.fye-yemen.net/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%8A%D8%AA%D9%85%D8%AF%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9/

34. Amnesty International, 2024 – STC and civic space restrictions.

Yemen: Southern Transitional Council must end crackdown on civic space

35. Barran Press, 2025 – تحليل السيطرة العسكرية والفجوات الإقليمية.

https://barran.press/index.php/news/13032

36. مجلة المجلة, 2025 – سرد العلاقة بين المجلس الانتقالي والشرعية.

https://www.majalla.com/node/328978/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AA%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86)

37. AP News, 2025 – تصاعد التوتر في شبوة بين الانتقالي وقوات الأمن.

https://apnews.com/article/4cd4283ae609c6f0051579c8514dd72c

38. Reuters, 2025 – التحالف السعودي وتحركات الانتقالي في حضرموت.

https://www.reuters.com/world/middle-east/yemens-saudi-led-coalition-says-it-will-deal-with-military-moves-hadramout-2025-12-27/

39. Le Monde, 2026 – دعوات للانفصال وبدء عملية استقلال الجنوب.

https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/01/03/southern-yemen-separatists-push-for-secession_6749039_4.html

40. Britannica, 2026 – المجلس الانتقالي في السلطة الجديدة.

https://www.britannica.com/question/What-is-the-Southern-Transitional-Council-STC

41. International Crisis Group — About & Methodology

https://www.crisisgroup.org/who-we-are

42. World Bank Group — Fragile and Conflict-Affected Situations Framework

https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/21434

43. United Nations Development Programme (UNDP) — Conflict and Fragility Approaches

https://www.undp.org/crisis/conflict-prevention

44. Conflict and Health Journal — Cross-case analysis methodology in conflict environments

https://conflictandhealth.biomedcentral.com/articles/10.1186/s13031-015-0040-y

45. Claire McLoughlin – When Does Service Delivery Improve the Legitimacy of a Fragile or Conflict Affected State?

تُعد هذه الورقة من الدراسات الأكاديمية المهمة في تحليل العلاقة بين تقديم الخدمات وبناء الشرعية في الدول الهشة، وتؤكد أن قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية يمكن أن تسهم في تعزيز شرعيتها، رغم أن العلاقة ليست خطية دائمًا.

🔗 https://ssrn.com/abstract=2436327

46. World Bank – Service Delivery in Fragile and Conflict Affected States

تقرير للبنك الدولي يوضح أن ضعف تقديم الخدمات العامة يمثل أحد أهم سمات الدول الهشة، وأن تعزيز الخدمات يُعد من أولويات سياسات التنمية والاستقرار.

🔗 https://openknowledge.worldbank.org/entities/publication/a8906154-68bc-5e90-b32e-4ae194df673b

47. World Bank – How Can Fragile and Conflict Affected States Improve Their Legitimacy

مقالة للبنك الدولي تناقش دور تقديم الخدمات وحلول تنمية المجتمع في بناء الثقة والشرعية بين المواطنين والدولة في البيئات المتأثرة بالنزاع.

🔗 https://www.worldbank.org/en/news/feature/2017/01/26/how-can-fragile-and-conflict-affected-states-improve-their-legitimacy-with-their-people

48. مجلة كلية السياسة والاقتصاد – الأزمة اليمنية وأبعادها على أمن الملاحة في مضيق باب المندب

دراسة تربط النزاع في اليمن بتهديدات الملاحة في باب المندب، وتدل على أن استمرار حالة الضعف الداخلي يؤثر في الأمن البحري والإقليمي.

🔗 https://journals.ekb.eg/article_421087_3765e47c0b382f800f3c73c5623dc26d.pdf

49. Perim Journal – مضيق باب المندب بين القانون الدولي للبحار والتحديات الأمنية

ورقة تحليلية عن التهديدات الأمنية في مضيق باب المندب وتأثيرها على حرية الملاحة، ما يدعم تكامل النقاش بين الوضع المحلي في اليمن وتأثيره على الأمن البحري.

🔗 https://perimjournal.com/1459/

50. Yemen Now News – العليمي: أمن الملاحة الدولية يبدأ بتثبيت الأمن والاستقرار في اليمن

تقرير صحفي يتضمن تصريحًا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي يؤكد أن أمن الملاحة الدولية يرتبط مباشرة باستقرار اليمن الداخلي، ما يعزز الصلة بين استقرار السلطة على الأرض وأمن الممرات البحرية.

🔗 https://yemennownews.com/article/3254198

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى